الشهود التاسع
|
|
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {إنّ أوّل عبادة الله معرفته}.
|
العبادة هي الحركة الفعليّة وهي السعي والجهد للاتصال بالحقّ تعالى، وأرفع العبادة معرفته تعالى، وأصل المعرفة توحيده وهو التّوحيد مع المبدأ، ونظام التّوحيد نفي الصّفات عنه.
|
لا يمكن أنْ يُستوفى الحديث حول هذه الكلمات النورانيّة لأمير المؤمنين عليه السلام، ولكنّنا نكتفي بمقدار محدود من الكلام في تبيان هذه الكلمات المقدّسة وإنْ شاء الله نوفق لأنْ نبيّن بعض هذه الكلمات بلباس بيانيّ مفهومي جديد حتّى يتضح المطلب.
|
إنّ أرفع العبادة هي المعرفة وأساس المعرفة التّوحيد بمعنى أنّه إنْ لم تحصل معرفة التّوحيد لا يمكن حصول المعرفة من الأساس.
|
وقد قلنا فيما سبق أنّ الحدّاد هو الذي يعرف الحدّاد، والنجّار هو الذي يعرف النجّار، والفيلسوف هو الذي يعرف الفيلسوف، وما لمْ يصل الإنسان إلى التّوحيد مع المبدأ لا يمكن أنْ يصل إلى المعرفة، فإنّ السنخيّة لازمة بين العارف والمعروف، وتتأمّن هذه السنخيّة بالتوحيد.
|
نظام هذا التّوحيد هو نفي الصّفات عنه، وهذا الضمير (ه) الموجود في (عنه) و(معرفته) و(توحيده) لا يمكن أنْ نرجعه إلى الله تعالى، فهو تلك الهويّة التي لا تشخّص لها أصلاً، ونعبّر عن تلك الحقيقة بعالم العماء، وبالعالم البحت والبسيط.
|
في عالم العماء لا مرجع للضمير، وإلاّ فلو رجع هذا الضمير(ه) إلى الله في مقام ذاته المقدسة، فهو يتنافى مع نفي الصّفات عنه في مقام التوحيد، بلْ ونفس التوحيد، كصفة نثبتها له تعالى، لا بدّ أنْ ننفيها عنه، فإرجاع ضمير (ه) في (معرفته)، (توحيده) و(عنه) إلى الله يتنافى مع ما بُيّن في هذه الخطبة من تنـزيهه ونفي الصّفات عنه.
|
إذاً، لا بدّ من تعيين مرجع التّوحيد حتّى يتبيّن المطلب، فإنّه توجد في المقام حقيقة لا تُدرك ولا تُوصف وليس لها أيّ بعد على الإطلاق.
|
يقول تعالى: {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ، اللهُ الصّمَدُ}٩٢، أي قل هو وفقط هو.
|
(هو) في مقام عدم التناهي لا بُعد ولا شكلّ له ولا حدّ، و(هو) له تنـزل، واسم هذا التنـزل هو الله، وله تنـزل ثانٍ وثالث ورابع، فهو الصمد وهو الأحد وهو الفرد، ولكن مع كلّ هذا نقول إنّ أيّ اسم في مقام التّوحيد وأيّ رسم وأيّ صفة ونعت بلْ وأيّ نحو من البيان يتنافى مع التوحيد، ولذلك هو وحده يمكنه أنْ يبيّن الحقيقة على ما هي عليه، ومن هنا يقول: {قُلْ هُوَ اللهُ}، فلا أوّل له لأنّ الأوّل مخلوق، ولا آخر له لأنّ الآخر مخلوق؛ ولكن كيف يكون هو الأول والآخر؟!
|
كيف نقول إنّه أول وآخر ومن ثمّ نقول إنّه ليس بأوّل وليس بآخر، وكيف يقال إنّ التّوحيد إنّما يبيّن بنفي الصّفات مع أنّنا نقول عنه إنّه كريم ورحيم وودود؟ فهذه الأوصاف هي أوصاف من؟
|
المطلب دقيق لا بدّ من التنبّه إليه.!!
|
حركة الظّل نحو اليسار واليمين هي في الواقع لذي الظّل، وليست لنفس الظّل، فهو الأوّل والآخر، ولكن من جهة أخرى، الذّات منـزّهة عن أنْ تنالها هكذا أوصاف، فهذا يعني أنّ كلّ هذه الأوصاف منصرفة إلى التعيّنات الخارجية.
|
أمير المؤمنين عليه السلام يقول: {أنا الأوّل والآخر}٩٣؛ هنا يتحقّق التوحيد، وأمّا في مرتبة الذّات فلا مجال للبحث وهو محال حتّى لخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم.
|
النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عندما كان يريد أنْ يرى الله كان ينظر إلى وجه عليّ عليه السلام، وعندما كان يجلس مع عليّ عليه السلام كان يجلس مع الله، وعندما كان يتحدث مع عليّ عليه السلام كان يتحدث مع الله.
|
قد يقول قائل إنّه لِمَ لَمْ تكن المعرفة على نحو مباشر؟
|
الجواب واضح وهو أنّ هكذا معرفة تؤدّي إلى فرض بعد ونهاية وحدود، فيكون الله قابلاً للتقييد والمقدار، وعندها لا يكون المفروض هو الله.
|
هذا التّوحيد لا بدّ أنْ يحصل مع حقيقة ما ويتحصّل في حقيقة وجوديّة خاصّة.
|
التّوحيد الحاصل لا بدّ أنْ يكون من ناحيّة هؤلاء الكمّل من أهل بيت العصمة والطّهارة، ولكن من جهة أخرى، لهم (صلوات الله عليهم) وجهة لا يمكن التطرق إليها، ومن هنا لا طريق لأيّ موجود على الإطلاق أن يعرف معرفة هؤلاء أو يعبد عبادة هؤلاء، فإنّ لهذه الأنوار الأربعة عشر شأناً إختصاصيّاً.
|
يقول تعالى في القرآن الكريم: {هو الأوّل والآخر}٩٤، ولكنّك تجد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول: {أنا الأوّل، أنا الآخر}.
|
هويته تعالى وتقدّس حريم لا يُدرك ولا يُوصف، لا اسم له ولا رسم ولا صفة له ولا نعت، ويعبّر عن مرتبة التّوحيد تلك بـ(هوَ)، ولو أردنا أنْ نعطيها البعد الدّرويشي نقول (هوْ).
|
ولكن لا تقولوا (هو) بتسكين الواو، بل قولوها بفتح الواو، حتّى لا يقال أنّ هذه طريقة الدراويش، وإنْ كان الحقّ هو تسكين الـ(هو) على طبق القاعدة في حالة الوقف؛ ترون مدى الجمود الفكري في فهم هذه المسائل بالخصوص، وهو ما يؤدي إلى تقييد أيدي وأرجل البشر في فهم المسائل العرفانية، فبمجرد أنْ تقول (هو) بتسكين الواو يتهمونك بأنّك درويش.
|
ولكن من جهة أخرى تجد أنّ الفيلسوف الكامل والعارف الواصل المتحقّق بكلّ المراتب الكماليّة لا يدرك هذا المعنى، ولكن هل تظنّ أنّ الدرويش يمكنه أنْ يدرك هذا الأمر؟
|
حتماً لا يمكنه، ولكنْ هل تعلمون لماذا يلقلق بـ(هوْ)؟
|
لأنّه لا يرى غير نفسه، ولا يرى محوراً غير وجوده.
|
الأنبياء عليهم السلام لمْ يصلوا إلى رباط نعال ذاك الموجود القائل: {أنا الأوّل والآخر} والملائكة كذلك لم تصل، ولمْ يدّعوا أيّ مقام في مقابل هذا الموجود الأوحد، ولكنّك تجد شخصاً متطاولاً يأتي ويقول (هوْ).!
|
إنّ هذه الحقيقة ليست مورداً لأنْ يأتي شخص ويدعي أنّه فتح الطريق إليها، فهذا الطريق مسدود أمام الجميع وهو نفس ما أفاده الإمام عليّ بن الحسين عليه السلام: {ربّ زدني فيك تحيراً}٩٥، وهو عالم الوله والتحيّر وهو آخر مرتبة كمال يصل إليها العارف في باب التّوحيد فيكون والهاً.
|
إنّ الواله هو الذي يعاين الله، والمعاينة هي رؤيّة المرئي بعين القلب على نحو العينيّة والوحدة التّامة، وهو معنى قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ}٩٦، فإنّ الله مع الجاهل والعالم، مع الكافر والمشرك، وهو مع الإنسان والملك، ومع العقول المجردة.
|
توحيد الحقّ ثابت مع كلّ الأشياء، وهذه المعيّة جاريّة في كلّ الشؤون، {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَما كُنْتُمْ}، ولكنّ المطلوب أنْ نكون معه، فهل نحن معه؟
|
ذو الظل هو الذي يتحرك حين يتحرّك الظّل، فعندما يقول الوليّ الكامل عليه السلام: {بنا ينـزل الغيث وينشر الرحمة}٩٧ فهو (صلوات الله عليه) داخل في الغيث النازل، لا أنّه ينفصل عن الغيث عندما ينـزل، كما أنّه داخل في الرزق وليس منفصلاً عنه.
|
عندما نقول إنّ هذه الطاولة من الخشب، فليس الخشب خارجاً عنها، بل الخشب مقوّم للطّاولة، فهو داخل في حيثيّة صنعها، وعندما يقول (عليه السلام): {بنا أثمرت الأشجار، وأينعت الثمار، وجرت الأنهار، وبنا أنزل غيث السماء، ونبت عشب الأرض، وبعبادتنا عبد الله، ولولا نحن ما عبد الله}٩٨، فهنا لا يتصور أحد أنّهم واسطة منفصلة عن نفس الثمر والأشجار، بل إنّ وجودهم (صلوات الله عليهم) داخل في نفس هذه الأشياء.
|
ومن هنا عندما نحترم النعم الإلهيّة ونعظّمها فهو لأجل أنّ الحقيقة المحمديّة داخلة فيها وليست خارجة عنها.
|
حبة القمح ليست حبة قمح، بل أمير المؤمنين عليه السلام هو الموجود في تلك الحبة، وإلاّ فما قيمة حبة القمح هذه؟
|
عندما يقول تعالى: {ولئن كفرتم إنّ عذابي لشديد}٩٩، فلا تظنّوا أنّ العذاب الشديد راجع إلى الكفران بنفس هذا الطعام.
|
لا، ليس العذاب منصبّاً على ترك نفس هذا الطعام ورميه وإتلافه، بل الأمر راجع إلى الكفران بهذه النعمة العلويّة الموجودة في داخل هذا الطعام وذاك الشيء.
|
إنّ كلّ الموجودات مملوءة بهم {فبهم ملأت أرضك وسمائك}١٠٠؛ إلهي أنت ملأت كلّ هذه السموات والارضين بأنوار المعصومين الأربعة عشر حتّى ظهر أنْ لا إله إلاّ أنت.
|
إلهي لا يوجد غيرك؛ ولكن هذا يعني أنّ وراء الأنوار الأربعة عشر للمعصومين حقيقة واحدة وهي حقيقة الألوهيّة الكامنة في هذه الذوات، وهذه الأنوار الأربعة عشر هي التي تُظهر هذه الحقيقة.
|
وهذا معناه أنّ هذا الماء الذي نشربه وهذا المائع الذي يسيل في وجودنا وبدننا كلّه هو تنـزل هذه الحقيقة المحمدية، ولهذا يكون النظر إلى الماء عبادة.
|
{إنّ أول عبادة الله معرفته}؛ ولكن عندما يُقال أن النظر إلى الماء عبادة، تُرى أيّ عبادة هي؟
|
هذا تنـزيل الولاية، فلعلّ الناظر، حين النظر إلى الآثار العلويّة والمحمديّة والفاطميّة، يجد طريقاً للنظر إليهم صلوات الله عليهم.
|
روي أنّ {النظر إلى الوالدين عبادة}١٠١؛ ولكن لماذا؟ مع أنّه لا تجوز عبادة غير الله.
|
لأنّه من خلال عبادة١٠٢ الوالدين بالنظر إلى وجهيهما ينكشف له الوالدان الأصليّان.
|
قال رسول الله صلى الله عليه وآله: {أنا وعليّ أبوا هذه الأمة}١٠٣.
|
رسول الله يقول إنّ الأبوين الحقيقيين لهذه الأمة هما أنا وعليّ، ويمكن إدراك الأبوين الحقيقيين من خلال النظر إلى الوالدين.
|
عن أبي عبد الله عليه السلام قال: {النظر إلى الكعبة عبادة، والنظر إلى الوالدين عبادة، والنظر إلى الإمام عبادة }١٠٤، ولكن لماذا؟
|
لأنّ هذه الكعبة بُنيت لأجل عليّ عليه السلام حيث أنّ أوّل موحّد في العالم، إبراهيم عليه السلام، صار يدور حول الكعبة حتّى يجد الصاحب الحقيقي لهذه الكعبة ويطلع على أمره وشأنه؛ فلأجل هذا جُعل النظر إلى الكعبة عبادة.
|
ولكن لا بدّ أنْ يحصل التّوحيد بين هذا وذاك، وهذه هي الولايّة التي نبحث عنها دائماً ونتحدث عنها كلّ حين.
|
وهذه الولايّة هي التشريعيّة في مجال الحكومة، وهي التكوينيّة في عالم الوجود، ولا بدّ أنْ نقرّ بهما ولو نفينا أيّ شأن من هذين الشأنين فسوف يؤدي ذلك إلى نقص في الولاية.
|
فلا بدّ أنْ نعتني بالتشريع، كما ينبغي لنا أنْ نعتني بالتكوين، فإنّ التشريع كاشف عن التكوين، والحكومة والأمور التشريعيّة تكشف عن الحقائق التكوينيّة ولها إرتباطٌ واقعيٌّ بباطن الناس أيضاً.
|
إلتفتوا أنّ الحكومات ليست أمراً ظاهرياً وحسب، بل هي تابعةٌ لباطن الناس.
|
يقول النبي صلى الله عليه وآله: {عمّالكم أعمالكم كما تكونون يوّلى عليكم}١٠٥.
|
فإنّ الحكام هم من سنخ باطن وجود النّاس، ومن هنا {إنْ كنتم خيراً فخير، وإنْ كنتم شراً فشرّ}١٠٦.
|
الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لمْ تكن لهم لياقة لأيّ حاكم غير ذاك الذي غصب حقّ أمير المؤمنين عليه السلام، فهذا الحاكم هو لأجل أولئك الناس.
|
بر خـلايق مـيرود تـا نفخ صور
|
رك رك است از اين آب شيرين وآبِ شور
|
ومن هنا كلّ من يعترض إنّما يعترض على نفسه، وكلّ من له مشكلة فهي راجعة إلى نفس وجوده وباطنه.
|
وممّا يكشف عن هذا الارتباط بين الظاهر والباطن قوله صلّى الله عليه وآله: {علامة رضا الله تعالى في خلقه عدل سلطانهم ورخص أسعارهم، وعلامة غضب الله تبارك وتعالى على خلقه جور سلطانهم وغلاء أسعارهم}١٠٧.
|
وهذا أصلٌ نريد أنْ نبيّنه حتّى نقتلع جذور الفساد والظلم.
|
يقول عليه السلام: {وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصّفات عنه}.
|
ذاك الذي ليس له اسم ولا رسم وليس له صفة ولا حدّ ولا قيد هو (هو)، {لا إله إلاّ هو}؛ و(هو) مرتبطة بعالم الغيب، هذا لغير العارف الموحّد الواصل إلى مرتبة الشهود، وأمّا من وصل إلى مقام الشهود فيقول: {لا إله إلا الله}، وهو قوله صلّى الله عليه وآله: {من كان آخر قوله لا إله إلاّ الله دخل الجنة}١٠٨، وهو ليس بمعنى أنّ من قال قبل موته {لا إله إلاّ الله}، بل المقصود أنّ من كان آخر قوله في كلّ كلام له {لا إله إلاّ الله} دخل الجنة، فكلّ من ينهي كلامه بـ {لا إله إلا الله} يدخل الجنة، ومعنى دخول الجنة العيش براحة وطمأنينة في حياته، أيْ أنّه يرى شيئاً واحداً وراء كلّ هذه الأوضاع المحسوسة والملموسة التي يراها ويعيشها وهو الله تعالى؛ فكلّ ما نراه في الواقع الملموس والمحسوس مستور بشيء وراءه، وكلّ من كان معتقداً بهذا الأمر دخل الجنة.
|
إنّ كلّ حركة في هذا الوجود هي حركة ذي الظل، وليس للظّل حركة مستقلة على الإطلاق.
|
أنظر إلى ذي الظلّ ولا تلتفت إلى هذه الظلال المتحركة، فإنّ حركة الظلال وسكونها تابع لذي الظلّ في حركته وسكونه، ولو وقف الإنسان في جنب ذي الظل فسوف يخرج من الظليّة، ويصبح منضمّاً لصاحب ذي الظّل.
|
وهذا معناه أنّ المنضم والمتّصل بذي الظل سوف يفكر بنفس ما يفكر فيه ذو الظل ويقوم بما يقوم به ذو الظل، ولا يمكنه أنْ يقوم بأيّ فعل غير فعله.
|
نفس الإمام عليه السلام يقول إنّه لو كنت مكان الله لفعلت نفس ما يفعله تعالى، وهو ما يقوله العارف إنّني لو كنت أنا الله لفعلت نفس الفعل الذي يفعله.
|
عندما يتنـزل العارف بالمعاينة من عالم غيب التّوحيد إلى الشهود ويرى ما يراه من عدم وجود أيّة حقيقة سوى الله، يقول لا إله إلاّ أنت؛ في مقام الغيب يقول لا إله إلاّ هو ومن ثمّ يقول لا إله إلا أنت في مقام معاينة الشهود.
|
ولكن ترى ما الذي يراه حتّى يقول لا إله إلاّ أنت؟
|
هذا هو الشهود, وهو قول أمير المؤمنين عليه السلام: {لشهادة العقول}.
|
عندما يصل الموحّد إلى الحضور التام الكامل، يقول: {لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الظالمين}١٠٩.
|
يونس النبي عليه السلام مكث في قلب الحوت أربعين يوماً في عمق البحر، وقد طاف الله به البحار السّبع حتّى بلغ به أوقيانوس، وهو ماء بحر الولاية.
|
إنّ النظر إلى الماء عبادة، وهو من أرفع العبادات، لأنّ الوليّ يخرج منه ويظهر، فكما يخرج الدرّ والمرجان واللؤلؤ من بحر الولاية، كذلك تخرج منه مظاهر الولاية المتعددة، ولكنّ ظهور هذه الولايّة يحتاج إلى واسطة ولو كانت هي الحوت.
|
ولكن يبقى شرط أساسي حتّى يتم سفر الإنسان وهو أن يكون الإنسان مقرّاً بعجزه وبظلمه لنفسه.
|
ومن هنا تعتبر نافلة الغفيلة بين المغرب والعشاء المتضمنة لهذه الآية باباً للإقرار بهذا الظلم للنفس، والسرّ الكامن في هذه الصلاة أنّ الآيّة التي تُتلى بعد سورة الحمد في الركعة الأولى فيها بيان لبعض شؤون الولايّة بنحو أنّ النبي أو الوليّ لو أراد أنْ يغوص في بحر الولايّة يحتاج إلى واسطة ولو كانت تلك الواسطة حوتاً{وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين}١١٠.
|
ولكن لاحظ أنّ قاتل الحسينعليه السلام عندما طلب من الإمام زين العابدين عليه السلام طريقاً للتوبة، أمره الإمام عليه السلام بهذه الصلاة، ولكنّه لم يوفق لها لأنّه لم يستطع أن يتلو هذه الآية حيث علم أيّ فعل فعله.
|
ينبغي للإنسان أنْ يرفع يده عن إرادة أيّ مقام ما ليس له؛ نفس يزيد ونفس معاويّة وغيرهما كان لسان حالهم أنّ الله لم يرد لنا أنْ ننال مقاماً ما وقد أعطاه لغيرنا، وهذا هو السبب الكامن وراء كونهم أساس الظلم في عالم الوجود.
|
معاويّة كان في تمام عمره ينسى قراءة البسملة بمجرد أنْ يشرع بالصلاة؛ والمثنوي له كلام لطيف في هذا المجال، حيث يقول إنّ الشيطان أتى يوماً معاويّة وقال له: يا معاويّة قم لوقت صلاة الصبح قبل أنْ يفوت، وكان هذا في اليوم الذي ضُرب فيه أمير المؤمنين عليه السلام، فقام معاويّة وتوضأ لصلاة الصبح قبل أنْ يضرب الإمام عليه السلام في الكوفة، فصلاها أداءً؛ فشكر معاويّة الشيطانَ لأنّه أيقظه لصلاة الصبح، ولكنّه عاد وسأله عن السبب الذي دفعه لإيقاظه لصلاة الصبح مع أنّ كلّ عمل الشيطان هو الإغواء والإضلال؟
|
فقال له الشيطان إنّ السبب أنّ باب الرجاء مسدود بالنسبة لك ، ونفس هاتين الركعتين اللتين صليتهما إنّما كانتا ناشئتين من غرورك وعجبك، فقلتَ: الحمد الله.
|
إنّ باب الرجاء كان مسدوداً في وجهه، فأوصله العجب إلى حالةٍ شَكرَ فيها على أداء صلاة الصبح مع أنّها كانت من طرف الشيطان؛ فبهذا المقدار الضئيل لم يرد الشيطان أنْ يجعل له أملاً ورجاء، والشيطان يوسوس بنفس هذا النحو لكلّ الناس، فهو ينتخب طرقاً متعددة لأجل الإغواء؛ ومن هنا لا بدّ للإنسان أنْ يعرف نفسه ومن ثمّ يعرف وجهة وعاقبة الأعمال التي يؤديها.
|
وأمّا معاويّة بن يزيد فكان حاله مختلفاً نوعاً ما عن أبيه وجدّه، ولهذا عندما هلك يزيد صعد ابنه معاويّة إلى المنبر وقال للناس: أيّها الناس إعلموا أنّ أبي قد غصب هذا المنصب وأنّ جدي معاويّة قد غصب هذا الحقّ كذلك، واللعنة على كليهما، وأنا أعطي هذا الحقّ لأهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال إنّ عليّ بن الحسين زين العابدين هو الإمام المفترض الطاعة المعيّن من الله تعالى، فقامت أمه إليه وقالت له: يا ليتني كنت خرقة حيضة ولمْ أر ما نطقت به ويا ليتك لم تكن ولدي حتّى تضيّع حقّ بني أميّة بهذا النحو، فقال معاويّة بن يزيد: إنّ هذا شرف لي أنّي لم أكن كذلك.١١١
|
المقام الذي بلغه هذا الولد كان بسبب أنّه أعاد الحقّ لأهله فقال إنّ هذا لعلي بن الحسين عليه السلام.
|
إنّ يونس مكث في بطن الحوت وطاف البحار السّبع، ولا تظنّ أنّ الطّواف في تلك البحار السّبع أمر سهل، وبقول إقبال اللاهوري:
|
باز مى كوئى مواظب باش دامن تر نكن
|
در ميان هفت دريا تخته بندم كرده اى
|
لا تظن أنّ الأمر سهل، فقد وضعت لك كلّ أساليب الغواية والإضلال، ووضعت النفس الأمارة ومن ثمّ وضعت لك شياطين الجن والإنس، ومن ثمّ يقال لك تفضّل إلى سفرة التّوحيد والولاية؛ فهذا الطّريق ليس طريقاً بذاك المقدار من السّهولة بنحو يقدر كلّ شخص أنْ يعبره ويغوص فيه، وبقول ذاك الشاعر:
|
خوش به حال آن كس كه خر آمد الاغ رفت١١٢.
|
أولئك الذين لمْ يطّلعوا على الآيات الإلهيّة ولمْ يقطعوا الطريق هم كالأنعام، بلْ هم أضل سبيلاً.
|
أنت تجد أنّ الحمار، لو قيد في طريقٍ ما مرة واحدة، يعرف طريق العودة، في حين تجد بعض الناس لا يقدرون حتّى على العودة، بل لو أتيت به ألف ألف مرة على هذا الطّريق، يسلك غيره ويضلّ عنه.
|
(لا إله إلاّ أنت) هي كلمة ذي النّون الذي كان في المعاينة مستغرقاً في بحار الولايّة بواسطة ما وهي الحوت، ولو وصل إلى مقام معاينة الشهود لقال: لا إله إلاّ أنا فاعبدني.
|
لا إله إلاّ الله؛ لا إله إلاّ هو؛ لا إله إلاّ أنت؛ لا إله إلاّ أنا هي مراتب التّوحيد الأربعة.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|