الشهود الثامن
|
يقول (عليه السلام) في خطبته في إخلاص التوحيد:
|
{إنّ أوّل عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصّفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف وشهادة كلّ صفة وموصوف بالإقتران وشهادة الإقتران بالحدث وشهادة الحدث بالإمتناع من الأزل الممتنع من حدثه، فليس اللهَ عرف منْ عرف ذاته، ولا له وحّد من نهّاه، ولا به صدّق منْ مثّله، ولا حقيقته أصاب منْ شبّهه ولا إيّاه أراد من توهّمه، ولا له وحّد منْ اكتنهه ، ولا به آمن منْ جعل له نهاية، ولا صمده من أشار إليه، ولا إيّاه عنى من حدّه، ولا له تذلّل من بعّضه كلّ قائم بنفسه مصنوع وكلّ موجود في سواه معلول؛ بصنع الله يُستدل عليه وبالعقول تُعتقد معرفته وبالفكرة تثبت حجته وبآياته إحتجّ على خلقه؛ خلق الله الخلق فعلّق حجاباً بينه وبينهم، فمباينته إيّاهم مفارقته إنّيتهم وإيداؤه إيّاهم شاهد على أنْ لا أداة فيه، لشهادة الأداة بفاقة المؤدين وإبتداؤه إيّاهم دليل على أنْ لا ابتداء له لعجز كلّ مبتدء عن إبداء غيره}.
|
المولى أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ذكر في هذه الخطبة مطالب لا يتيسّر لأحد سواه إدراكها، ولكنّ الطالب يستفيد من هذه المطالب بمقدار استعداده الخاصّ، ويطوي طريق التّوحيد بالتمسك بذيل عنايّة صاحب الولاية، وإنْ شاء الله يكون نصيبه التوحيد.
|
او که مي رفت مرا هم به دل دريا برد٨٨
|
من خس بي سروپايم که به سيل افتادم
|
قال (عليه السلام): {إنّ أوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده}.
|
لو أنّ شخصاً لمْ يدرك التوحيد، ولمْ يتسنّى له التّوحيد مع تلك الحقيقة، فلا طريق له إلى المعرفة، لأنّ المعرفة لا تتمّ إلاّ مع وجود السنخيّة وتحقّقها بين العارف والمعروف، والذي يؤمّن السنخيّة بين العارف والمعروف هو التوحيد، فالتّوحيد هو لُباب هذه السنخيّة وأساسها.
|
الحدّاد هو الذي يعرف الحدّاد والحدادة جيداً، والطبيب هو الذي يعرف الطبيب والطبابة جيداً، والنجّار هو الذي يعرف النجّار والنِجارة جيداً، والفيلسوف هو الذي يعرف الفيلسوف والفلسفة جيداً وهكذا، وكذا الأمر بالنسبة إلى التوحيد.
|
عندما يصير المعروف واحداً مع العارف تحصل المعرفة، فمنْ لم يقرأ الطبّ ولم يعلم كيف يطبّب المرضى لا يمكنه أنْ يعرف الطبيب، ومن لا علم له بالحدادة لايمكنه أنْ يعرف الحدّاد، والأمر على هذا النحو في كلّ الفنون والحِرف، والشخص الذي درس الإدارة وخاض في مجالها وحده يمكنه أنْ يميّز بين المدير الجيّد وغير الجيّد.
|
ما لمْ يكن التّوحيد حاصلاً في أيّ مجال من مجالات الحِرف والفنون بين العارف والمعروف لا يمكن أنْ يتحصل أيّ علم ومعرفة، وكذا الأمر في مجال معرفة الحقّ تعالى، لا بدّ من تحقق التّوحيد حتّى تتمّ المعرفة.
|
من جهة أخرى، نجد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول إنّه لا توجد سنخيّة بين الخالق والمخلوق، فلا بدّ أنْ نسأل كيف يمكن أنْ تحصل المعرفة بالله في هذا المقام مع عدم وجود السنخيّة والحال أنّ المعرفة لا تتمّ إلاّ مع وجود السنخيّة بين العارف والمعروف؟
|
هذا البحث دقيق جداً، ولا بدّ من الالتفات بدقة إلى هذه المطالب.
|
النقطة التي ينبغي أنْ يُلتفت إليها ويُمعن النظر فيها في هذا الباب أنّ الممكن والواجب لا سنخيّة بينهما على الإطلاق حتّى يمكن أنْ نفرض مجالاً للمعرفة، فكيف يمكن تحصيل هذه المعرفة خاصةً مع البيانات الكثيرة التي تفيد أنّ المعرفة حاصلة، ومن ثمّ التفصيل في شؤون المعرفة من أنّ أوّل عبادة الله المعرفة ومن ثمّ أنّ أصل المعرفة هو التّوحيد وكذا أنّ التّوحيد يتحقق بين الموحّد والمبدأ مضافاً إلى أنّ هناك أمراً وتكليفاً بالمعرفة؟
|
في هذا المورد ينبغي أنْ نبحث أصلاً وهو ما نحتاج إليه في فهم كثير من المسائل المعرفية، وما لم يعلم هذا المطلب لا يمكن أنْ يتّضح أيّ مطلب لاحق على الإطلاق، فلا بدّ من توخّي الدقّة في فهم هذا البحث والنظر إليه بإمعان.
|
يقول الله تعالى:
|
{أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً}٨٩.
|
{ألم تر} غير (ألم تنظر) والرؤيّة غير النظر، ألم تنظر بمعنى أنّه ألم تستفد من عينك حتّى تطّلع على أمر ما، وأمّا {ألم تر} فهو بمعنى ألم تدقّق في الأمر، وهو نفس ما طلبه موسى عليه السلام من الله في وادي أهل الرؤيّة {قَالَ رَبِّ أَرِني أَنْظُرْ إِلَيْكَ}٩٠.
|
هنا يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ}، أيْ ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الآيات وأوجد الظلّ {ولو شاء لجعله ساكناً}، لا أنّه رفع الظل وأعدمه فحسب، بل لو تعلّقت مشيئته تعالى بجعل الظل ساكناً بلا حركة لتحقّق ذلك.
|
حاول أن تدقّق في هذه الآيّة بالخصوص!.
|
هنا نغوص في مطلب مهم ولا بدّ من مراعاة الدقة فيه، حتّى تتبين طبيعة معرفة الباري تعالى، وكذا طبيعة الخالق وطبيعة المخلوق وبالتالي تتبيّن معرفة الأسماء والصّفات الإلهية.
|
لو دقّقنا في هذا المطلب سوف تتبيّن كلّ معاني هذه الخطبة النورانية، فإنّ فهم كلّ هذه الخطبة منوط بمعرفة وفهم هذه الآيّة الكريمة.
|
لأجل إيجاد الظل يلزم ركنان أساسيان، ولولا هذان الركنين لا يمكن إيجاد الظّل:
|
الركن الأول: النّور، يقول تعالى: {الله نورُ السموات والأرض}٩١.
|
الركن الثاني: ذو الظّل، قال مولى الموالي عليّ بن أبي طالب عليه السلام: {وجعل بينه وبينهم حجاباً}، حيث بيّن عليه الصلاة والسلام مطلباً وهو أنّ الله قد جعل بينه تعالى وبين خلقه حجاباً وهذه هي حيثيّة ذي الظل.
|
الآن، لو أنّ موجوداً ما كان وحده دون وجود نور معه، فإنّ هذا الموجود لا يكون له أيّ ظل، وكذا النور وحده لا يمكن أنْ يوجد ظلاً ما لمْ يكن ذو الظل، فلا بدّ من وجود شيء آخر بنحو أنّ النور يضرب ذاكَ الشيء ويوجِد هذا الشيءُ الظلَّ من بعد إضاءة النور له، وكم لهذا المثال نظير في هذا العالم!.
|
لا بدّ من وجود شجرة، ولا بدّ من وجود جبل، ولا بدّ من وجود شيء ما حتّى يصيب النورُ هذا الشيء، ويحصل الظلّ من هذه الإصابة.
|
يقول تعالى: {أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَ}.
|
كلّما سطع النور من مكان أعلى وسُلّط بنحو أكبر على الشيء صار الظل أقصر، حتّى يصل إلى مقام لو أنّ النور صار محاذياً لذي الظل ينعدم الظل، ولا يبقى له أيّ ظل.
|
في الصباح عند أوّل طلوع الشمس يكون الظل أكثر امتداداً، وكلّما صار النور أقرب إلى رابعة النهار يقصر الظّل، ومن ثمّ تصبح ظلال الأشياء في العصر أكثر امتداداً؛ نسأل الله أنْ لا يخفّف ظلاله على رؤوسنا.
|
لو أنّ نفس هذا الظل الإلهي انحسر عن رأس شخص ما، فلا يبقى له أيّ وجود، فكلّ منوّر وكلّ نور معطٍ، كالشمس والشمع والمصباح، لو ضُرب على أيّ شيء فإنّه يوجد ظلاًّ من ذلك الشيء.
|
إنّ كلّ الموجودات وكلّ ما سوى الله هو الظّل الممدود للحقّ تعالى، ولكنّ ذي الظل موجود، وهو ذاك الشيء الذي يأخذ النور وبوجوده الاستقلالي يعطي الوجود لكلّ الوجودات التبعيّة للكائنات، فكلّ كائن له وجود تبعيّ من ذي الظل.
|
ما نريد أنْ نأخذه من كلام أمير المؤمنين عليه السلام، وهو فوق الإدراك والفهم، هو نفس ما ذكره النموذج القرآني في قوله تعالى: {أَرِني أَنْظُرْ إِلَيْكَ}، وكأنّي بموسى عليه السلام يقول: يا ربّ لا أريد أنْ أتكلم ولا أريد أنْ أعلم شيئاً، بل أريد أنْ تشير إليّ على الحقيقة وترنيها.
|
إنّ وجود الوليّ المطلق هو ذو الظل، سواء عُبّر عنه بالحقيقة المحمديّة أو الحقيقة العلويّة أو الفاطميّة والحسنيّة والحسينينة إلى الحقيقة المهدوية، فإنّها كلّها ذو الظل.
|
ولكن ينبغي الالتفات إلى أنّه لا يوجد تعدّد في تلك الحقائق، بمعنى أنّه لا يوجد أكثر من حقيقة واحدة، فكلّ تلك الأنوار الأربعة عشر أو الحيثيات الإثنتي عشر أو الحيثيات الخمسة أو حقيقتا محمّد وعليّ صلوات الله عليهما وآلهما، كلّها مندرجة تحت الحقيقة الوحدانيّة باسم ذي الظّل.
|
إنّ وجودات الكائنات كلّها ظلالٌ في الظل الممدود ولا وجود لها، بل وليس لها حتّى الوجود الظلي، وأمّا ذو الظلّ هذا فله وجود استقلالي في مقابل باقي الموجودات وله وجود تبعي بالنسبة للحقّ.
|
ثمّ لا بدّ من الالتفات إلى أنّه ينتج من هذا البحث أنّ خلقة هؤلاء الكمّل أصحاب ذي الظل خلقة منفصلة بتمام المعنى عن خلقة الآخرين، ولا تشبه خلقة المخلوقات بأيّ نحو من الأنحاء، فوجود ذي الظل ليس كوجود باقي الموجودات.
|
بكلمة واحدة نقول، كلّ الظّلال لا بدّ أنْ يتحقّق لها التّوحيد مع ذي الظّل حتّى تحصل لها المعرفة التوحيديّة، لأنّ وجود الظّلال وجود تبعيّ ظليّ ولا تتمّ لها معرفة إلاّ بالتّوحيد مع ذي الظّل.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|