التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود السابع


يقول مولى الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام:

{إنّ أوّل عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصّفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف وشهادة كلّ صفة وموصوف بالاقتران وشهادة الاقتران بالحدث وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من حدثه، فليس الله عرف من عرف ذاته، ولا له وحّد من نهّاه ولا به صدّق من مثّله، ولا حقيقته أصاب من شبّهه، ولا إيّاه أراد من توهمه، ولا له وحّد من اكتنهه، ولا به آمن من جعل له نهاية، ولا صمده من أشار إليه ولا إيّاه عنى من حدّه، ولا له تذلّل من بعّضه، كلّ قائم بغيره مصنوع، وكلّ موجود في سواه معلول.

بصنع الله يُستدل عليه، وبالعقول تُعتقد معرفته، وبالفكرة تثبت حجته، وبآياته احتجّ على خلقه، خلق الله الخلق فعلّق حجاباً بينه وبينهم فمباينته إيّاهم مفارقته إنّيتهم وإيداؤه إيّاهم شاهد على ألاّ أداة فيه، لشهادة الأدوات بفاقة المؤدّين، وابتداؤه إيّاهم دليلٌ على أنْ لا ابتداء له، لعجز كلّ مبتدء عن إبداء غيره}.

وصل بنا الحديث إلى هذه النقطة وهي أنّ أعظم عبادة الحقّ جلّ وعلا هي معرفته، وأنّ أصل معرفته توحيده، وأنّ نظام توحيده نفي الصّفات عن تلك الحقيقة الوحدانيّة.

لأجل تحقّق هذه المعرفة ومن ثمّ ظهور العبادة بعد تحقّق المعرفة في وجود السّالك والطالب، لا بدّ من التّوحيد.

إنّ أوّل قدم في مجال المعرفة وآخر قدم هي معرفة النفس.

في مجال معرفة النفس، ذُكرت الكلمات الكثيرة وصنّفت الكتب الكثيرة، ولكن أيّاً من هذه المكتوبات لا تروي عطش السالك إلى الله، فمعرفة النفس لا تنكشف ولا يتّضح أمرها بمجرّد مطالعة الكتب الفلسفية.

البعض ممّن بحث في مجال هذه العبارة {من عرف نفسه فقد عرف ربه}٨٣ قال إنّ هذه العبارة تبيّن أمراً محالاً، بمعنى أنّه بنفس النحو الذي تكون فيه معرفة الربّ أمراً محالاً كذلك معرفة النفس أمرٌ محال، فلو عرفت نفسك فسوف تعرف الله، ولكن حيث أنّ معرفة الله محالة، لأنّه تعالى واجب الوجود، كذلك معرفة النفس محالة.

إنّ معرفة النفس رفيعةٌ وشامخةٌ إلى حد أنّ البعض قال إنّها محالة، ولكنّ الواقع أنّ معرفة النفس ليست محالة، وما لمْ يصل الإنسان إلى هذه المعرفة للنفس لا يصل إلى الكمال الإنساني، وأمّا من قال وادّعى أنّ هذه المعرفة محالة فلأنّه عجز عن هكذا معرفة، وإلاّ فليست معرفة النفس محالة وكذلك معرفة الرب، ولو كانتا محالتين لما أمر الله والأنبياء عليهم السلام بهما، فإنّ الله الحكيم لا يمكن أنْ يأمر بالمحال، ويكلّف بما لا يطاق، وقد كان من الحريّ بمن أنكر معرفة النفس أن يقول إنّ معرفة النفس وبالتالي معرفة الرّب محالة بالنسبة لي، ولا علاقة له بالآخرين حتّى يحدّد لهم أنّ معرفة النفس محالةٌ أو ليست محالةً وكذا معرفة الرب.

إنّ مجال المعرفة مفتوح ولكنّها تكون بمقدار السعة الوجوديّة لنفس هذا الشخص، ولو حصل لهذا الشخص ارتباط ومن ثمّ استغراق وفناء، فسوف تكون تلك المعرفة بلا نهاية ولن يكون لها أيّ حدّ وقيد، وهكذا معرفة إنّما تكون حاصلة من الفناء والإستغراق التوحيديّ وهو أعلى مراتب التوحيد.

لأجل وضع القدم في طريق معرفة النفس، نقول:

من الأمور المهمّة والأساسيّة في مجال معرفة النّفس لدى السالك أنْ يدقّق في عاقبة الأعمال وفي الغايّة التي يؤدي لأجلها الأعمال، فلو دقّقنا في عاقبة الأعمال لوجدنا أنّ العامل تارة يقوم بالعمل وينجزه لأجل إظهار نفسه أمام الآخرين أو لأجل تحصيل نفع شخصيّ بأيّ جهة من الجهات أراد، وتارة أخرى لا يجعل نفسه في البين، وإنمّا ينجز العمل لأجل حقيقة أخرى فتكون وجهة هذا العمل تلك الحقيقة.

قد ينصح الأب ولده بأنْ لا ينخرط في الفساد، ولكن الآن نسأل: هل ينصح الأب ولده بالصلاح لأجل محبته لولده أو لأجل حبّه لنفسه؟!

إنّ البحث في عاقبة العمل مفتاح من مفاتيح معرفة النفس، وما لمْ تتبيّن عاقبة العمل لا مجال لأنْ ينفتح الطريق أمام معرفة النفس إلاّ أنْ يكون شخصٌ ما مورداً لعنايّة ربوبيّة عاليّة خاصّّة فيطوي الطريق إلى معرفة الله من دون الخوض في هذه التفاصيل، وهذا ميسور لبعض الناس حيث يوفّقون لمعرفة النفس من دون هذا الشرط الأوليّ وإنْ كان عددهم محدوداً.

الأب قد ينصح ولده بأنْ لا يقوم بأيّ عمل قبيح، ولكنّ الواقع أنّ هذه النصيحة بالعمل الصالح قد تكون منْصبة على نفسه ولحفظ ماء وجهه وعدم هتك ستره فيما لو كان من الملتزمين دينياً وإجتماعياً وأراد أنْ يحفظ وضعه الاجتماعي الخاص بين أفراد مجتمعه، بنحو أنّ هذا الولد لو أخطأ فإنّ هذا الخطأ قد يرتد بالسوء والأذّيّة والهتك الإجتماعي على الوالد.

من هنا تشرع معرفة النفس بالنسبة للسالك؛ هل تفكير الوالد في مجال أمر ولده بالصلاح منصبّ على صلاح ولده أم أنّه منصبّ على حفظ نفسه وماء وجهه؟!

الآن نقول، لو أنّ والداً نصح ولده وأرشده على فعل الخير ولو لمرّة واحدة- ولا حاجة للثانية- ولم تكن نفسه مطروحة في البين، فإنّ هذا الولد سوف يتقدم في طريق الخير والثواب، لأنّ النصيحة الخالصة لا بدّ أنْ تثمر.

ولكن مع تبيّن النوايا على ما هي عليه، فسوف لن تؤدّي هذه النصيحة إلى أيّ نتيجة لأنّها كانت منصبّة على نفسه ومصلحته، وسوف تكون هذه الأعمال، على هذا النمط، بلا ثمرة في مجال معرفة النفس.

قد يأخذ الإنسان بيد الضعيف ويعينه ويُعطى الثواب الجزيل والأجر العظيم على ما أدّاه، ولكن هذا الشخص لا يرزق من معرفة النفس شيئاً.

إعانة الضعفاء وإكرام الفقراء يؤدّي بالإنسان إلى الجنة ويؤمن له الثواب الجزيل ولكنّه لا يورثه معرفة النفس؛ إنّ توجه هذا الشخص كان لأجل مصلحته ونفعه وبما يعتقد به من القيامة والمعاد وعاقبة الأعمال، ولنْ يخيّب الله تعالى ظنّه به وسوف يعطيه من الثواب الجزيل ما يشاء ويرغب، ولكنّ هذا شيء ومعرفة النفس شيء آخر.

هذا الرجل جيّد وهو من الطبقة الأولى، ولكن يوجد شخص لا علاقة له بالجنة ولا بالنار وإنّما يطلب حقيقة الفعل، أيْ أنّه يصلّي صلاته الواجبة عليه ولو أخذوه إلى النار.

ولكن نسأل: هل يوجد لدينا مثل هذا الشخص في هذا العالم؟

هل عندنا شخص في هذا العالم لو قيل له لو صليت هذه الصلاة سوف يُؤخذ بك إلى جهنم، ويقول أصّليها؟

نعم، يوجد شخص في هذا العالم يعبّر عن عدم مبالاته لأيّ شيء ويقول إنّ تكبيرة واحدة أُكبّرها في صلاتي تساوي بل تغلب قيمتها بقائي في جهنّم أبد الآبدين والاحتراق في نارها.

نعم، يوجد شخص في هذا العالم بهذه الخصائص ويقول: يا إلهي أنالمْ أترك معاصيك لنفع نفسي ولم أعبدك لنفع نفسي ولم أعبدك بسبب الخوف من نارك أو بسبب الطمع في جنتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك.

هذا هو طريق معرفة النفس.

يقول مولى الموالي أمير المؤمنين يعسوب الدين عليه السلام: {إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنّتك ولكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك}٨٤.

وحده هذا الشخص يمكنه أنْ يقول: {إنّ أوّل عبادة الله معرفته} ولا يمكن لغيره أنْ ينطق بهذه الكلمات، فهذا الكلام كلامه وهذا الحديث حديثه.

تُرى كيف عرف هذا الأمر واطّلع على هذه الحقيقة؟

إنّه وليّ الله المطلق.

الآن، لو أنّ شخصاً أتى وأخبر أنّ الله سوف يأخذ كلّ الكذّابين إلى الجنة، ولو ذكر كذلك في القرآن أنّ الجنّة هي للمكذّبين، فإنّ الناس سوف يختارون الكذب حتّى يساق بهم إلى الجنة، ولكنْ يأتي الفرد النادر ويقول إنّي لا أريد أنْ أدخل الجنّة بالكذب.

وعلى العكس تجد أنّ الناس الذين يقومون بالأفعال الحسنة ويتركون الافعال القبيحة لأجل النّجاة من النّار والدخول إلى الجنّة؛ هكذا أشخاص، هم من أهل الزهد والورع والتقوى ولكنّهم ليسوا من أهل معرفة النفس التي هي باب معرفة الرب.

إنّ الله تعالى عرّف أربعة أشخاص، بضميمة شخص واحد، بأنّهم كذلك حيث قال تعالى بلسانهم: {إنّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُريدُ مِنْكُمْ جَزاءً ولا شُكوراً}٨٥.

وقد قال كذلك في حقّهم: {وَيُطْعِمونَ الطَعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكيناً وَيَتيماً وَأَسيراً}٨٦.

ولا يظن أحدٌ أنّ كلّ منْ يطعم الطعام مسكيناً ويتيماً وأسيراً هو كذلك بل هو أمر إختصاصي لهم صلوات الله عليهم، وقد جعل اليتيم والأسير والمسكين مورد عنايّة الحقّ حيث عرّفهم الله وتكلم عنهم في هذه الآية، ولم يُجعل لغيرهم هذه المكانة.

هذه الإعانة التي وصلت لليتيم والمسكين والأسير غير تلك التي تصل من كلّ الخلق إلى الأيتام والمساكين والأسارى، فهذه الإعانة صدرت ممن قال الله عنهم: {إنّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله}.

كلّ من يطعم اليتيم والمسكين والأسير إنّما يطعمه لنفسه وليصل بنفسه إلى الجنّة ولينال به الثّواب الجزيل، وأمّا هؤلاء الكمّل فحسابهم مختلف، وقد كان هذا الحبّ للإطعام الموجود لدى هؤلاء الكمّل عليهم السلام بمقدار ومستوى أنّ الله قد أنشأ بسببه حكماً شرعيّاً لكافة الخلق، فصدرت تلك الترنيمات الالهيّة أنّ عليّاً وفاطمة والحسن والحسين قد قاموا بهذا الفعل لأجلي.

إنّ الإنسان يقوم بالعمل الحسن ولكن بشرط أنْ يسمع عقب هذا العمل كلمة (أحسنت)، وهو يقوم بأيّ عمل ولكن بشرط أنْ ينال الجزاء من وراء هذا العمل.

ولكن ألا ينبغي أنْ نتوجّه نحو معرفة النفس لنتعرّف على أنفسنا ولوْ بمقدار معين!!

أنظر إلى ذاك الكامل الذي لا يرجو في عمله أيّ جزاء بلْ يقوم بما يقوم به بدافع المحبّة الخالصة: {ولوْ قطّعتني بالحب إرباً ما مال الفؤاد إلى سواك}.

گر به تيغم بُرند بند از بند

از تو اي دوست نکسلم پيوند

الإنسان يؤدّي كلّ أعماله لأجل أنْ يعيش ولأجل أنْ يحظى بالحياة الدنيويّة أو الأخرويّة، وأمّا هذا الإنسان الإلهي فيرجّح القتل في طريق المحبّة على الحياة ولو كانت هذه الحياة برضا المحبوب.

في يوم عاشوراء، أتى الخطاب من الله إلى الحسين عليه السلام: يا حسين سوف نعطيك كلّ تلك المراتب المعنويّة التي وعدناك بها وهي مختصة بك وليست لأحد من الأنبياء والأولياء بلْ وسوف نعطيك أكثر منها، وأمّا أمرنا بقتلك وبسبي نسائك وتشريد أطفالك فقد صرفنا وجهنا عنه.



الإمام الحسين عليه السلام يقول للساحة الإلهيّة المقدسة: يا إلهي أنجز ما تريد، واقض ما تشاء، ولكنّي لن أترك الأمر الذي بدأتُ به بلْ أريد الشهادة.

في هذه المقامات لا تُطرح الجنّة ولا النّار، بل المقام أشمخ وأرفع من هذا؛ إنّه أشمخ حتّى من معرفة النفس، حيث تغدو معرفة النفس حجاباً لمن يشاء أنْ يقطع الطريق نحو معرفة الحقّ تعالى.

الحسين عليه السلام قال: إنّي أريد طريقاً أسلكه أمام أعين أطفالي، ولو صُبّت على رأسي في هذا الطريق كلّ أصناف البلاءات فإنّي لنْ أفارقه.

گـر به تيغم برند ما از بند

از تو اي دوست نکسلم پيوند

وز دهان تو نيم شکر خـند

الحقّ ارزان بود زما صد جان

عن الحارث الأعور، قال: بيْنا أنا أسير مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام في الحيرة إذا نحن بديراني يضرب النّاقوس، قال: فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: {يا حارث أتدري ما يقول هذا الناقوس؟}، قلت: الله ورسوله وابن عمّ رسوله أعلم، قال: {إنّه يضرب مثل الدنيا وخرابها ويقول: لا إله إلا الله حقاً حقاً، صدقاً صدقاً، إنّ الدنيا قدْ غرّتنا، وشغلتنا واستهّوتنا واستغوتنا، يا ابن الدنيا مهلاً مهلاً، يا ابن الدنيا دقاً دقاً، يا ابن الدنيا جمعاً جمعاً، تفني الدنيا قرناً قرناً، ما من يوم يمضي عنّا إلا أوهى منّا ركناً، قد ضيّعنا داراً تبقى واستوطنا داراً تفنى، لسنا ندري ما فرّطنا فيها إلاّ لو قد متنا}.

قال الحارث: يا أمير المؤمنين النصارى يعلمون ذلك؟ قال: {لو علموا ذلك لما اتّخذوا المسيح إلهاً من دون الله عزوجل}.

قال: فذهبت إلى الدّيراني فقلت له: بحقّ المسيح عليك لما ضربت بالنّاقوس على الجهة التي تضربها، قال: فأخذ يضرب وأنا اقول حرفاً حرفاً حتّى بلغ إلى قوله: إلاّ لو قد متنا، فقال: بحقّ نبيّكم من أخبرك بهذا؟ قلت: هذا الرجل الذي كان معي أمس، قال: وهل بينه وبين النّبي من قرابة؟ قلت: هو ابن عمه، قال: بحق نبيكم أَسَمِع هذا من نبيكم؟ قال: قلت: نعم، فأسلم، ثمّ قال لي: والله إنّي وجدت في التوراة أنّه يكون في آخر الأنبياء نبيّ وهو يفسر ما يقول الناقوس.٨٧

وقدْ جعلوا صوت النّاقوس على وزن هذه الكلمات التي قالها أمير المؤمنين عليه السلام حيث أخذوا هذه النغمات الخاصة منه صلوات الله عليه وأطلقوا عليها صوت الناقوس، وعلى نفس هذا الوزن جعل العلامة السيد رضا الهندي قصيدته المشهورة في أمير المؤمنين عليه السلام:

ورحيق رضابك أم سكّر

أمفلـّج ثغرك أم جوهر

إنّـا أعطيـناك الكـوثر

قد قـال لثغرك صانعه

نقّطـت به الورد الأحمر

والـخال بخدك أم مسك

فتيت النـّد على مجمـر

أم ذاك الخال بذاك الخد

وبها لا يحـترق العنبـر

عجبـاً من جمرته تذكو

في صبح محـيّاه الأزهر

يا من تـبدو لي وفرته

بنفس مضمون هذه الروايّة يقول عمار بن ياسر إنّي كنت مع مولاي في طريق الحيرة يوماً، وكان هناك ناقوس يضرب، فسأل المولى عمّاراً هل تعلم ما يقول؟ قال عمّار: مولاي يعلم ما يقول.

فقال المولى عليه السلام: {أهل الدنيا خلّوا الدنيا مهلاً مهلاً رفقاً رفقاً إنّ المولى صمدٌ يبقى حقاً حقاً صدقاً صدقا،ً يا مولانا إنّ الدنيا قدْ أهوتنا قدْ أهوتنا وإستغوتنا، ما من يوم يمضي عنّا إلاّ أوهت منّا ركناً، لسنا ندري ما قدمنا فيها إلاّ إذْ قد متنا}.

يقول عمار أنّي ذهبت في اليوم التالي إلى راهب الدير وطلبت منه أنْ يدقّ الناقوس لي-عمّار كان من الأشخاص المقربين من أمير المؤمنين عليه السلام بعد سلمان وأبي ذر والمقداد وكان في صف هؤلاء وقد كان مريداً لعليّ وطالباً له-، وقد كان يعلم أنّ سماع صوت النّاقوس مشكل، ولكنّه طلب سماع الناقوس فقط لأنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد ذكر دقّه.

المسجد بيت الله ولكن عندما يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بتخريبه، فلا يعود مسجداً بل هو أسوأ بيت وهو مسجد ضرار.

هذا هو طريق الولايّة وهو طريق معرفة النفس، لا طريق للإنسان في مجال معرفة النفس إلاّ أنْ يكون مطيعاً لمولاه في طريق الولاية، وينبغي أنْ يضع كلّ أنانيته وتشخيصه الشخصي جانباً.

ومن شدة هذه الولايّة وشدة ظهورها أنّ الموالي لو عمل بأمر ما متخيّلاً أنّ مولاه صاحب الولايّة قد أمره به وإنْ لم يكن مولاه في الواقع قد أمره به، فإنّ العمل بذاك الأمر المتخيّل سوف يعطي النتيجة التامّة ويوصل إلى الحقيقة المطلوبة، ولو قال له مولاه بعد ذلك إنّي لم أقله.

عمار يقول إنّي ذهبت في اليوم التالي إلى ذلك الراهب وقلت له أنْ يضرب ذاك النّاقوس، فشرع الراهب في دقّ الناقوس وصار عمّار يكرّر ما قاله مولاه أمير المؤمنين عليه السلام، فعندما سمع الراهب مقالة عمار، سجد على الأرض وأسلم، وقال له إنّه مكتوب بخط هارون بن عمران أنّه لا يعلم ما يقوله الناقوس إلاّ نبيّ أو وصي نبيّ.

الفقيه الشافعي القاضي أبو عبد الله محمّد بن سلامة المعروف بقاضي القضاة في كتاب دستور صالح الحكم ومعصور مكارم الشيم، أورد رواية وقال: مرّ عليّ عليه السلام ومعه الحارث الأعور فإذا ديراني يضرب الناقوس، فقال عليّ عليه السلام: {يا حارث أتعلم ما يقول هذا الناقوس، قال: الله ورسوله وابن عمه أعلم، قال إنّه يصف مثل خراب الدنيا ويقول مهلاً مهلاً}.

هذا الفقيه الشافعي يؤيد هذه المسألة وينقل روايّة الحارث الأعور، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام سمع كلمة لا إله إلا الله كما حدث الأمر نفسه مع عمار بن ياسر.

في معرفة النفس، كلّ التشخيصات الموجودة لا بدّ أنْ تُوضع جانباً، ولا بدّ أنْ يحلّ محلها إطاعة الولاية، فكلّ ما يقوله الوليّ هو الدين الصحيح.

وصلّى الله على محمّد وآل محمد.