الشهود الخامس
|
إنّ التّوحيد المطروح في هذه الخطبة هو التّوحيد مع المبدأ، وقد بُعث الأنبياء عليهم السلام لأجل بيان التّوحيد وهداية الخلق؛ ولأجل تحقّق هذه الوحدة مع المبدأ، قد بيّن الحقّ التكاليف والفرائض الإلهيّة للخلق عبر الأنبياء.
|
لأجل بيان حقيقة التّوحيد على ما هي عليه، لا بدّ من الالتفات إلى عدّة نقاط أساسيّة في مسألة التوحيد.
|
إنّ التّوحيد الذي نحن بصدد الكلام عنه لا عيب فيه ولا إيراد عليه، ويحافظ الموحّد والطالب للتوحيد فيه على تنـزيه الذّات المقدّسة، وبعبارة أخرى، حتّى يكون التّوحيد صحيحاً ومحفوظاً لا بدّ أنْ يكون تعالى في مقام ذاته المقدسة منـزهاً عن كلّ أشكال النّقائص والأوصاف التي لا تليق به تعالى وتقدّس، فإنّ التّوحيد الصّحيح لا يمكن أنْ يكون الخلق فيه متحقّقاً بمقام الخالقيّة بأيّ نحو من الأنحاء ولا يمكن أنْ يتحقّق الموجود فيه بشؤون الموجِد له بأيّة حيثيّة من الحيثيّات.
|
إذا كانت رؤيّة الفيلسوف أو الحكيم التوحيديّة مؤديّة إلى انتقاص في مقام الذّات الأحديّة، فهي رؤيّة باطلة في منطق الوحي الإلهي.
|
إنّ بيان حقيقة التّوحيد يحتاج إلى تفصيلٍ ما نعرضه في طيّات الكلام الآتي إن شاء الله.
|
حتّى تتبيّن حقيقة التّوحيد على أسسها النظرية، لا بدّ من بيان بعض الشواهد الكاشفة عن التّوحيد في التكاليف العمليّة الشرعية، ويعدّ الالتفات والتنبه لها أساساً في حياة الموحِّد العملية.
|
يوجد تكليف إلهي استحبابي بأنْ تكون الصلاة جماعة، وقد شرّع هذا الحكم الشّرعي لأجل وجدان التّوحيد بين المصلّي وغيره من المصلّين، بنحو يكون فيه المصلّي واحداً في طريق العبادة مع الآخرين، وهذا بدوره يؤدي إلى انتقاش التّوحيد في ذاته ووجوده، ويفتح باباً عظيماً في شهود التوحيد ومعرفته.
|
ومنْ هنا لوْ أنّ شخصاً شارك في الجماعة ولكن مع وجود عداوة بينه وبين أحد من المصلّين، لا يحصل له التوحيد لوجود حالة بينونة مع أخيه في صفّ الجماعة، وهذا في الواقع من الموانع الأساسيّة لتحقّق التوحيد لأنّ الانفصال والعداوة متباينان عن التّوحيد، ولوْ صلى صلاة الجماعة ألف سنة فلن يتحقّق له شيء من حقائق التوحيد.
|
ومن هنا تجد الروايات صريحة أنّ من عادى أخاه المؤمن ثلاثة أيّام لا تقبل له صلاة، وهذا واقعي بإعتبار أنّ هذه التفرقة أوجدت له خللاً في حقيقة التوحيد.
|
ولو دقّقت النظر لوجدت أنّ بيان الشارع المقدس لكلّ أنواع وأصناف الخلل في التكاليف الشرعيّة هو بيان للخلل الذي يصيب ظهور حقيقة التّوحيد من خلال التكليف الشرعي، فأيْنما تجد بطلاناً لعبادة ما من العبادات فهو ناتجٌ عن الخلل المصيب للتوحيد من تلك الجهة.
|
إنّ ما تجده في الحج واحد من الشواهد على التّوحيد الظاهر في التكاليف الشرعية، حيث أنّ الحاج يشدّ رحاله إلى مقام لا يعرف فيه أحداً من الحجيج، ويطوف معهم ويدور حول مجسّم حجريّ مكعّب الشكل، ونفس هذا الطواف حول هذه النقطة الواحدة التي هي رمز التّوحيد يُجعل عنواناً لحاجّ بيت الله الحرام، حيث يتوحّد في هذه الحركة والطواف الظاهري والباطني مع كلّ الحجيج الذي يدورون ويطوفون حول بيت الله الحرام.
|
إنّ وحدة المقصد متحقّقة في الطواف حول بيت الله، ووحدة المقصد متحقّقة كذلك في الحضور في عرفة، وإنمّا سمّي عرفات لأنّ الناس يجتمعون في ذلك المقصد وتحصل لهم معرفة بالله تعالى، حيث يجدون الطريق نحو المعرفة.
|
يقول تعالى في كتابه الكريم: {يأيّها الناس إنّا خلقناكم مِنْ ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْناكُمْ شُعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ إنّ اللهَ عَليمٌ حَليمٌ}٦٣؛ فإنّ الله تعالى قد خلق الناس ليتعرّفوا على الخلق في المقام الأول، وليتعرّفوا بعد ذلك على الله تعالى وتقدّس في مقام وحدانيته وصفاته العليا وأسمائه الحسنى، وبعبارة أخرى، إنّ معرفة الخلق هي باب معرفة الحقّ تعالى.
|
على سبيل المثال، لو أنّ شخصاً أراد أن يكون مظهراً لرحمانيّة الحقّ تعالى ورحيميته فلا بدّ له أنْ يدرك صفتي الودّ والرحمة إدراكاً عملياً شهودياً، وهذا يتحقّق لديه عندما يكون ودوداً عطوفاً مع الخلق والبشر.
|
كلّ من يكون أرفع وأسبق في مودّة الناس والعطف عليهم والرحمة لهم يكون أشمخ في معرفة التّوحيد وشهوده، وكلّ من يكون أكثر عشقاً ومحبّة للناس يكون أكثر وصولاً إلى نقطة التّوحيد ومقامه الشامخ. وهذا هو التوحيد..!!
|
مـشبكهاى مشكات شهوديم
|
من وتو عارض ذات وجوديـم
|
ايـن هر دو اسـرار من آمد
|
من وتو برتر از جان وتن مـرد
|
لا يظن أحدٌ أنّ مجرد الإقرار بأنّ الله واحد وليس إثنين هو التوحيد، بل هذا من أبسط الأمور التي يمكن أنْ تقال في التّوحيد، كما ولم ينفِ أحدٌ في العالم هذا التّوحيد الأوّلي البسيط.
|
لا يوجد في العالم شخص قائل بالإثنينيّة ووجود إلهين أبداً، وأمّا من يقول أنّ الله ثالث ثلاثة فليس بالمعنى الذي يظنّه البعض من الشرك الواضح البطلان عند الجميع.
|
که اب وابن وروح قدس نهند
|
نام حق يگانه چون شـايد
|
پرنيان خوانـند وحرير وپرند
|
سه نگـردد بريشم گر اورا
|
إنّ ظهور ثلاثة أسماء في هذا الوجود لا يعني وجود ثلاثة حقائق، بلْ هناك حقيقة واحدة.
|
بعبارة واضحة نقول إنّ مفتاح توحيد الحقّ هو التّوحيد مع الخلق، وهو أن لا يشعر الإنسان السالك الموحّد بأيّ انفصال بينه وبين الخلق، ولو تمّ هذا الفتح، تُفتح له عند ذلك أبواب التّوحيد مع الحقّ.
|
لوْ ترقّينا في باب التّوحيد مع الخلق، نقول أنّ غايّة التّوحيد هي التّوحيد مع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حيث وصل صلوات الله عليه وآله إلى أرفع نقطة في باب التوحيد، وقد كان هذا التّوحيد مقصد الأنبياء عليهم السلام الأوّل حيث أدركوا أنّ التّوحيد معه صلّى الله عليه وآله هو التّوحيد مع تلك الحقيقة الحقّانية.
|
إنّ الله قد أحضر الأنبياء عليهم السلام من تلك النقطة الشامخة في مقعد صدقهم وأجلسهم مع العوام من الناس الذين قد لا يسمعون أيّ كلام وقد لا يتعظون بأيّ موعظة، وأمرهم بمودّتهم حتّى يدركوا هذا الوحدة التامة الموجودة في هذا العالم.
|
ومن هنا أمر الله أنبياءه أنْ يكلّموا الناس على قدر عقولهم وأنْ يداروهم ويراعوا شؤونهم، وهذا معنى ما ورد {نحن معاشر الأنبياء أُمرنا أنْ نكلّم الناس على قدر عقولهم}٦٤.
|
إنّ الله تعالى قدْ أحضر تمام الأنبياء إلى عالم الوجود ووضعهم في كلّ هذه النشآت حتّى يحسّوا بهذه المودّة ويشاهدوا التّوحيد مع الناس والعوام الذين لا يوجد بينهم وبين الأنبياء أيّ جهة موافقة، وقد كانت كلّ مداراة الأنبياء مع أممهم ومع الخلق وأناس زمانهم لحفظ التّوحيد في عالم الملك وهو ضروري ولازم لفتح طريق التّوحيد إلى عالم الملكوت، وما لمْ يُحفظ التّوحيد في عالم الملك لا يمكن أنْ يُحفظ في عالم الملكوت، وهذا هو معنى {منْ لمْ يشكر المخلوق لم يشكر الخالق}٦٥، وهذا ليس شركاً بلْ هو كمال التوحيد.
|
الآن، تأمل أيّها السالك الموحّد كمْ هي لطيفة تلك النّظرة التي لا بدّ أنْ يُرى فيها التوحيد، وأنظر أيّ عين تلك التي لا بدّ أنْ تفتح حتّى تُدرك هذه الحقائق التوحيدية.
|
لوْ أنّ شخصاً كان خاضعاً للخلق ومتذللاً لهم من دون الإرتباط بالتوحيد، وقال لإنسان ما في اليوم الواحد ألف مرة: أنا عبدك وخادمك، ولكنّه عمل في غيبته خلاف ما قاله له، فهو شخص بعيد عن محبوبيّة الله وعن توحيده، وكذا لو أنّه كان يتصدق من الصباح حتّى المساء ولكنّه كان يتململ ويمنّ عليهم في الخفاء، فإنّ هذه الصدقة لا قيمة لها لأنّ لها مساس بنفس مطلب التّوحيد وحقيقته، وهو معنى: {منْ لم يشكر المخلوق لمْ يشكر الخالق}.
|
إنّ الصدقة الحقيقيّة هي التي يكون فيها الإنسان عطوفاً ودوداً مع الخلق، ولا يمنّ عليهم في عطائه، وأمّا مع فقدان هذا الشرط فهي شرك، والمتصدّق الذي لا يجد في باطن وجوده تسليماً ورضاً بما يعطيه، وإنْ كان ممدوحاً لدى الخلق بسبب عطائه، مشركٌ، ولا قيمة توحيديّة لعمله.
|
وقد جُعلت كلّ العبادات الشرعيّة باباً وشاهداً لمعرفة هذا التّوحيد والاطلاع على حقيقة أمره، ففي الصلاة حيث تتجلّى صلاة الجماعة بالخصوص يظهر شأن التّوحيد بنحو واضح، وكذا في باقي العبادات الأخرى من قبيل الحج، فإنّ الحاج عندما يحجّ إلى بيت الله الحرام ويقف في عرفات، يفتح له هذا الوقوف في عرفات باباً لمعرفة الله وذلك من خلال معرفة الناس ومعاشرتهم، وكذا الأمر في باقي المناسك التي يقضيها الحاج من قبيل وجوده في المشعر الحرام حيث يحصل عنده شعور تامّ بهذه الوحدة والتّوحيد مع الحقّ تعالى عن طريق التّوحيد والوحدة مع الخلق.
|
أيّها الموالي، ألمْ تفكر يوماً في تفاصيل مناسك الحج؟ لماذا أحضرنا الله إلى هذا المكان القاحل حيث لا ماء ولا عشب بل وجمعنا مع هذا الخلق الكثير؟
|
ألمْ تفكر في السبب الكامن فيه؟
|
ألمْ تفكر في سبب وجودك في المشعر الحرام ليلاً؟
|
ألمْ تتأمّل في تواجدك في ذاك المكان مع رجل أسود اللون لا تربطك به أيّ علاقة، ومع هذا كلّه تُؤمر بأنْ تكون وتصير واحداً معه وأنّ تحقّق التّوحيد معه مع وجود كلّ الفوارق الموجودة بينك وبينه، وهذا معنى قوله تعالى: {شعوباً وقبائلَ لتعارفوا}٦٦.
|
هنا توجد لطيفة ينبغي التوجّه إليها وهي أنّ هناك فرقاً بين التكاليف التي تؤدّى على نحو الفعل الإثباتي وبين بعض التكاليف التي تؤدى على نحو الترك.
|
في الحجّ تجد أنّ الإحرام تركٌ لكثير من الأفعال التي يجوز لك تأديتها، ولكنّك لا بدّ أنْ تتركها مع كونك محرماً، وكثيرٌ من التروك الأخرى الموجودة في بعض العبادات الأخرى، من قبيل ما يترك في الصوم من رمس الرأس والطعام والشراب لتحقّق الصوم الصحيح، على هذا المنوال.
|
إنّ السرّ الكامن في هذه التروك، أنّ منْ شأنها أنْ تختبر مدى العداوة الكامنة في وجودك لصاحب هذه الأوامر بالتروك، أيْ أنّ الإنسان بعد أنْ يكون معتاداً على أفعال معينة، يُؤْمر من قبل صاحب الشّرع المقدس أنْ يترك ما كان يؤدّيه.
|
هنا تظهر قدرة الإنسان المكلّف على تجاوز هذا الانجذاب والطلب لتأديّة الأفعال بالأمر بالترك، فإنّ الترك يختبر مدى قدرة المكلّف للتغلّب على العداوة الموجودة في ذاته للمولى صاحب الولاية.
|
في الصوم، عندما يأمر المولى بترك الطعام والشراب من الفجر حتّى المغرب، ينكشف مدى العداوة والمودّة الموجودة في داخل المكلّف، وخاصة تجاه الأمور التي هي سبب كلّ النـزاعات والحروب في العالم وهي الطعام والشراب.
|
إنّ كلّ العبادات هي لأجل التخلّص من العداوة في وجودك حتّى تجد الطريق نحو الحقّ تعالى.
|
عندما يلتقي مسلمٌ مع مسلمٍ آخر لا بدّ أنْ يعتبر نفسه واحداً معه، ولا ينبغي أنْ يعتبر أنّ له مقاماً أرفع من غيره من الناس، هذا كحدّ أقل؛ وإلاّ فإنّ العارف الكامل الذي وصل إلى نقطة شامخة في التّوحيد لا يعتبر نفسه أرفع من أوضع الحيوانات، بل يجعل نفسه أسفل حتّى من الحيوانات، ولكنّ هذا مختصّ بالعارف الكامل الذي وصل إلى نقطة شامخة في التوحيد، وحصل له الإستغراق والفناء التام.
|
وأما أنت فلا تعتبر نفسك أفضل من الآخرين، على الأقل من أولئك البسطاء، فلعلّ واحداً منهم قد فُتح له الطريق للتوحيد وصار واحداً مع الحقّ وواحداً مع المبدأ.
|
أولئك الذين وصلوا في ذواتهم إلى التّوحيد الكامل، لا يجيزون لأنفسهم في أيّ مورد أنْ يدّعوا لأنفسهم مقاماً أرفع من أيّ موجود حتّى من الجمادات والنباتات، بلْ يعتبرون أنفسهم أقل من الحجر.
|
أولئك الذين وصلوا إلى التّوحيد يطوفون حول بيت الله الحرام ويغبطون الحجر ويقولون إنّ هذا الحجر قد صارت له لياقة أنْ يطوف حوله الموحّدون في العالم لأجل قربه من الله تعالى، وأمّا نحن فلسنا حتّى حجراً يُطاف حوله.
|
ولكن لا بدّ من الإلتفات إلى أنّ هذا الشأن الحاصل للعارف الكامل لا يحصل بمجرّد الكلام والنطق بالكلمات، وإنّما يحصل بالإدراك والتعقّل الكامل.
|
أنت في الحجّ ترمي عدّة أحجار على تلك الجمرات، ولكنّ العارف يقول طوبى لذاك الحجر الذي يقع على صدر الشّيطان، فيا ليتني كنت ذاك الحجر الذي يُرمى على صدره، على الأقل حتّى أنجز فعلاً وعملاً أتقرب به من الله تعالى.
|
أنت تجمع الليلة سبعة أحجار حتّى ترمي بها شيئاً نفترض أنّه شيطان، مع أنّ الشّيطان في الواقع هو كلّ من يقف في قبال ظهور التوحيد، ومن هنا توجد شياطين أخرى غير هذا الشيطان الذي فرضته.
|
أنت في المشعر الحرام تجمع الأحجار، وقد تسأل يا ترى لماذا أجمعها؟ ومنْ سأرمي بها؟
|
لا بدّ من التنبّه أنّ كلّ هذه الأحكام الشرعيّة الصادرة من الله ليست مجرد تكاليف ظاهرية، بل لها حقائق كامنة وارءها.
|
إنّ الأحكام المبيّنة من جانب النبي الأكرم والأئمة الهداة من المعصومين عليهم الصلاة والسلام، قد صدرت كلّها من المبدأ لإيجاد التّوحيد ونفي الشرك.
|
من هنا لا بدّ أنْ تتخلّص من كلّ أنواع الشرك حتّى تتّصل بالمبدأ، وعندها يمكنك أنْ تصل إلى الخضوع التّام والتّوحيد الخالص.
|
ففي تلك المشاعر من المزدلفة وعرفات، حيث يؤدّي الإنسان العبادات المفروضة عليه، تظهر حقائق التّوحيد ومعارفه٦٧.
|
وصل بنا الكلام حتّى الآن أنّ الحركة من الإطاعة والتعبد لأجل الوصول إلى التّوحيد هي عبادة الله تعالى، حيث يقول {إنّ أوّل عبادة الله معرفته}، فطريق طيّ هذه المعرفة بالعبادة يكون بأداء الفرائض من الصلاة والصوم والحج، وهذه هي العبادة.
|
العبادة إذن هي الحركة السلوكيّة للسالك التي يتحقّق له بعدها مقام التوحيد، وإنْ كان هناك نوعٌ من التّوحيد يحصل عن طريق العبوديّة ويكون من دون سعي وجهد.
|
شخصان يحجّان أحدهما يحجّ بالعبوديّة فهو عبد الله، وأمّا تنـزّله إلى هذا العالم فهو لأجل أنْ يكون في صفّ واحد مع خلق الله تعالى في معرفة التوحيد، فالتّوحيد لهذا العبد حاصلٌ ومتحقّق، ولكنّه بالعبادة يظهر إلى الفعليّة، وآخر يسعى بعبادته للتحقق بهذا المقام، وقد يوفّق لهذه العبوديّة وقد لا يوفّق.
|
الأنبياء عليهم السلام بدون إستثناء والأئمة عليهم السلام قاموا بالعبادة على أساس العبوديّة، وقد صار لهم اللياقة، بمقتضى العبودية، أنْ يكونوا من الموحّدين بالله، وهؤلاء يطلق عليهم باصطلاح العرفان المجذوب السالك، وأمّا الآخرون فيصلون من العبادة إلى العبوديّة ويطلق عليهم بالاصطلاح السالك المجذوب.
|
فالسالك المجذوب هو الذي يطوي طريق التّوحيد بالعبادة، والمجذوب السالك هو الذي قد تحقّق التّوحيد في وجوده، ولكنّه يقوم بالعبادة حتّى يصل إلى الحقّ تعالى في مقام الظهور والفعليّة.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|