التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود الرابع والاربعون
يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

{لا دين إلاّ بمعرفةٍ ولا معرفة إلاّ بالتصديق، ولا تصديق إلاّ بتجريد التّوحيد، ولا توحيد إلاّ بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصّفات، ولا تجريد إلاّ باستقصاء النفي كلّه، إثبات مع التشبيه يوجب الكلّ ولا يستوجب كلّ التّوحيد ببعض النفي دون الكلّ، والإقرار نفي الإنكار، ولا ينال الإخلاص بشيء من الإنكار، كلّ موجود في الخلق لا يوجد في خالقه وكلّ ما يمكن فيه يمتنع في صانعه لا تجري عليه الحركة ولا يمكن فيه التجزئة ولا الاتصال وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود عليه ما هو ابتدأه، ويحدث فيه ما هو أحدثه إذن لتفاوتت ذاته ولتجزّء كنهه}.

أهل التخصّص في باب الفن يعلمون أنّ الفنّ الكامل الصحيح هو الذي يكون شروعه منسجماً مع ختمه ومتكاملاً معه على نسق واحد.

أمير المؤمنين عليه السلام بألطف بيان وأظرف فصاحة وبلاغة يختم خطبته على نفس النسق الذي شرع فيه بخطبته.

أهل الموسيقى يعلمون أنّه لو شرع أحدهم بإحدى الأوتار السبعة المشهورة في الموسيقى، فكمال فنّهم وتمامهم يكون بأنْ يختم بنفس الوتر الموسيقي الذي بدأ به حتّى يحصل توافق بين البدء والختم، أيْ لو بدأ بالماهور لا بدّ أنْ يختم به، ولوْ بدأ بالشور لا بدّ أنْ يختم به وهكذا، وكلّ أهل الفن لا بدّ أنْ يكونوا على هذا النحو، فالرسّام لا بدّ أنْ يؤدي عمله على هذا النحو، وكذا الخطاط لا بدّ أنْ يؤدي عمله على نفس هذا النحو بأن ْيتوافق البدو مع الختم.

فنّان عالم التّوحيد ومتحدث عالم التجريد أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام بنفس النحو الذي شرع به خطبته يختم، ولو دققّت في الخطبة فلن تجد بين طيّات هذه الخطبة المقدسة أي فاصلة ولو بمقدار الشعرة، وهذا راجع إلى تمام كلامه وكمال خطابه (صلوات الله عليه وآله وسلّم).

في أول الخطبة يقول (عليه السلام): {إنّ أوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده}، وفي آخر الخطبة يقول (عليه السلام): {لا دين إلاّ بمعرفة، ولا معرفة إلاّ بالتصديق، ولا تصديق إلاّ بتجريد التوحيد}.

حتّى الآن، لم تصل كلمة الدين إلى أفهامنا في مجال ما تحدثّنا فيه وتكلّمنا عنه.

عندما نقول إنّ فلاناً له دين أو أنّه من أهل الدين أو يقبل الدين، فنحن على هذا الاعتقاد أنّ الدين هو مجموعة الضوابط والقوانين من الإعتقاد والإعتراف والعمل، وأنّ من يقبل الدين يقبل مجموعة هذه القواعد ويعتقد بها فكراً وعملاً، ولكن الحقّ أنّ الدين أرفع من هذا.

الدين هو بمعنى الارتباط والاتصال بمفهوم وحقيقة معنويّة ما، وهو ربط تمام الوجود بمفهوم معنويّ ومعنى باطنيّ، فهو ذاك الذي يحقق كلّ شخصيّة الإنسان في عالم الباطن، وسبب خرود العمل الصحيح والصالح، ولو لم يكن هذا الربط والاتصال الباطنيّ، فما يصدر من عمل لا يكون قابلاً للإعتماد مهما كان وهو قوله تعالى: {وَقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثوراً}٣٩٨، حيث تكون كلّ الأعمال يوم القيامة كالقطن المنثور لأنّها لم تكن صادرة عن الإعتقاد والربط القلبي الثابت، فهو عملٌ ولكنّه كان عن تقليدٍ ومخلوطاً بالرياء وبلا تحقيق؛ فهذا المعنى من الدين لا بدّ تحققه في وجود الإنسان على نحو الرسوخ.

إنّ هذا العقد والربط القلبي والاتصال الباطنيّ وحقيقة لا يحصل إلاّ بالمعرفة، وباب المعرفة مفتوح حيث يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {أوّل الدين معرفته}.

إنّ أرفع دين هو معرفته، وقد يقال أنّ المعرفة ترجع تارة إلى الدين لأنّه بصدد الكلام في هذا المورد عن مراتب الدين، فذكر المرتبة الأولى وقال: {أوّل الدين معرفته}، وأخرى نقول أنّها ترجع إلى الحقّ تعالى، وكلا القولين صحيح.

{ولامعرفة إلاّ بالتصديق}؛ لا تحصل المعرفة إلاّ بالتصديق، وليس التصديق بالقول عن شيء أنّه صحيح، بل التصديق أنّ نفس صاحب الدين يكون مصداقاً لما اعتقد به وتديّن به، فالتصديق الديني هو الكون مصداقاً لهذا المعنى الذي أقرّ واعترف به.

عندما يصدق الإنسان بأنّ الله واحد، فلا بدّ أنْ تحصل له في وجوده وذاته الشخصيّة حقيقة يصدّق معها أنّ الله واحد.

قد يدرك الإنسان حقيقة ما وتكون له القدرة الكافية على تفهيمها، وأخرى يدرك حقيقة ما ولكن لا تكون له القدرة على تفهيمها للغير، وخير نموذج لصاحب هذه القدرة النبيّ، فإنّ للنبيّ قدرة على تفهيم ما شاهده وأدركه للغير.

أولئك الذين قبلوا الدين ورسالة الأنبياء عن طريق المعجزة لم يكن إيمان أيّ منهم مقبولاً، فالمعجزة لا تحصل التصديق؛ إنّ رؤيّة المعجزة من الأنبياء لا تحصّل التصديق بل تحصّل الإقرار اللساني، وقد يقال أنّها تكشف أنّ النبيّ في مورد من الموارد قد يكون غير قادر عن كشف ونقل هذا التصديق للآخرين، وهذا أحد معاني المعجزة؛ ومعنى آخر للمعجزة أنّ المعجزة هي التي ينجزها النبيّ ويكون الآخرون عاجزين عن أدائها، فتكشف بالتالي عن تفرّده في إرتباط خاصّ له.

من لهم معرفة تصديقيّة هم أولئك الذين، بأنفسهم، مثل عليا لتلك الحقائق، وهذا هو التصديق.

وأمّا التصديق اللساني والإقرار اللفظي فليس هو التصديق بل هو مثال للتصديق وإشارة له، ومن الواضح أنّ الاشارة لا تستقيم من دون المشار إليه، فلو كان المشار إليه غير واقع وغير متحقق فإنّ الإشارة تكون غير كاشفة وغير صحيحة.

فقد يقول شخص {أشهد أنْ لا إله إلاّ الله} ولكن، لا خبر لقلبه عن هذه الحقيقة، فهذا القول لا يحقّق التصديق القلبي، وهذا اللفظ لا يحقّق التصديق الباطني.

{لا دين إلاّ بمعرفة، ولا معرفة إلاّ بتصديق}؛ نفس الإنسان لا بدّ أنْ يقع في قلبه الدين ويتحقّق، وهذا هو معنى قوله تعالى: {وإنّ الدين لواقع}٣٩٩، فعندما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {لا دين إلاّ بمعرفة}، فإنّ هذا تفسير للآيّة القرآنيّة {وإنّ الدين لواقع}، فالدين هو التحقّق والوقوع في الحقيقة، وليس هو العلم والعمل به.

إنّ الإقرار والعمل يخبران عن الدين فهما إشارة وليسا نفس الدين، فالصلاة ليست هي الدين بل هي إشارة عن الدين وعلامة عليه، وقد تكون هذه الإشارة صحيحة وقد لا تكون كذلك، فليس كلّ من يصلي له دين، وإلاّ لما قال الله تعالى: {ويل للمصلين}٤٠٠.

إلتفتوا أنّ الله تعالى قد قال: {ويل للمصلين}، ولكنّه لم يقل في أيّ وقت (ويل للمحبّين)، وهو تصديق لقول الإمام الصادق عليه السلام: {وهل الدين إلاّ الحبّ}٤٠١، وهذا هو التصديق.

ولكنّ الآثار التي تظهر من هذه المحبّة ليست هي الدين بل هي آثاره، فلو أنّ شخصاً صرف لمحبوبه مالاً فقد يكون هذا الأثر صحيحاً وفي محلّه، وقد لا يكون في مورده، فلو أطاعه فهو أثر هذه المحبّة.

إنّ الآثار مشتركة بين المنافق والمنكر والمقرّ، فالصلاة يصليها المنافق والمنكر من الدرجة الأولى، ويصليها المؤمن الموحّد.

إنّ الآثار ليست متحدة المآل، ولكنّ الأصل متحد المآل؛ ومن هنا الدين أصلٌ.

الكلام في هذا الباب كثير جداً، وهو بحث دقيق ولطيف وعميق وله مكانه الخاص.

لو أنّ إنسانا أراد شخصاً ما لأيّ شيء فليست هي المحبّة، فلو أراده لماله فليس هو الحب، ولو أراده لأجل جاهه ومنـزلته فليس هو الحب، ولو أراده لموقعيته فليس هو الحب حتّى نصل إلى آخر المرادات في هذا المجال فليس هو الحب، بل لو أراده لينال تديّناً فليس هو الحب كذلك وليس هو الدين.

لو أنّ إنسانا أحبّ شخصاً لكونه رجلاً متديناً، فهذا جيّد ولا بدّ أنْ يكون الأمر على هذا المنوال ولكنّ الحب المقول عنه أنّه الدين ليس هذا.

هنا مجدداً لا بدّ من نفي الصّفات ولو لم تنفى الصّفات عن المحبوب، فلن تتمّ المحبّة.

الحب الخالص هو الدين الخالص، والدين الخالص هو الحب الخالص؛ والدين الخالص لصاحب هذا الكلام، أمير المؤمنين عليه السلام، هو ما قاله (صلوات الله عليه):

{فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي صبرت على عذابك، فكيف أصبر على فراقك، وهبني صبرت على حرّ نارك، فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك}٤٠٢.

ويقول (عليه السلام): {إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك ولا طمعاً في جنتك، لكن وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك}٤٠٣، وهذه العبادة هي نفس المعرفة.

ويقول الإمام الرابع زين العابدين عليه السلام: {وإن أدخلتني النار أعلمت أهلها أنّي أحبك}٤٠٤، لأن ديني هو دين الحب، فلو أدخلتني النار لأعلمت أهلها أني أحبك، وهذا هو الدين.

{ولا تصديق إلا بتجريد التوحيد}؛ إنّ حصول المصداق والتحقّق لا يظهر إلاّ أنْ يصل الإنسان إلى التّوحيد بالتجريد، وكلّ نوع من الإثنينيّة ليس تجريداً للتوحيد، ومن يصل إلى هذا التصديق فقد وصل إلى تجريد التوحيد، فتجريد التّوحيد هو التّوحيد مع المبدأ، وكلّ من وصل إلى التصديق فقد صار من أهل المعرفة، وكلّ من هو من أهل المعرفة هو صاحب الدين.

للمحقق الشبستري كلام في هذا الباب حيث يتكلّم على أساس وصوله إلى هذا المعنى، فيقول:

نـزول عيسـى وايجــاد آدم

ازل عيــن ابـد افتـاد بـا هـم

هزاران شكلّ مـي گردد مشكلّ

زهر يک نقـطه زينـدور مسـلسل

همو مركز هـم او در دور ساير

زهر يک نقطــه دورى گشته داير

خلـل يابــد همه عالم سراپاي

اگر يك ذره را برگيـري از جـاي

برون ننـهـاده پا از حد امکان

همه سرگشته و يکجـزو ز ايـشان

بجزويـت ز کلي گشته مايوس

تعـين هر يـکي را کرده محبـوس

كه پيوسته ميان خلع و لبس اند

تو گـوئى دايما در سير و حبس اند

نه آغـاز يكى پـيدا نـه انجام

همـه در جنـبش و دايـم در آرام

وز آنجا راه بـرده تا بـدرگاه

همـه از ذات خـود پيوسـته آگاه

هذا هو تصديق {إنّ الدين لواقع}، فقد صار بنفسه مصداق كلّ الصّفات، فما لم يكن الإنسان بنفسه كريماً لا طريق له إلى الكرم، وما لم يكن بنفسه عفواً لا طريق له إلى العفو، وما لم يكن بنفسه عليماً وعلاماً وودوداً لا طريق له إلى العلم والودّ.

جمال جانـفـزاي روي جـانان

بزيـر پـرده هـر ذره پنـهان

هذا الكريم صار يتكلّم من تحت حجاب ذاك الكريم حتّى صار واحداً ولم يعد غيره، وكلّ كرماء العالم هم نفسه وليسوا غيره.

بيا برگو که از عـالم چه ديدي؟

تو از عالم هميـن لفظى شنـيدي

چه باشد آخرت چـونست دنيا؟

چه دانستي ز صورت يا زمـعنا

بهشت ودوزخ واعراف چبـود؟

بگو سيمرغ وکوه قاف چـبـود

که يکروزش بود يکسال ايـنجا

کدام است آنجهان کو نيست پيدا

ما لم يصل الإنسان إلى هذا المقام من التصديق لا يمكنه أنْ يفهم هذه الكلمات وهذه الحقائق.

نه ما لا يبصرون آخر شنيدي

همين نبود جهان آخر که ديدي

جهان شهر جابلسا کدام است

بِيا بنما که جابلقا كـدام است

چه اينعالم ندارد جز يکي بيش

مشارق با مغارب هـم بينديش

يقول تعالى: (فلا أقسم بربّ المشارق والمغارب)٤٠٥، مع أنّه يوجد عندنا مشرق واحد ومغرب واحد، فهو مشرق وجودك ومغرب وجودك، فكلّ شخص له مشرق ومغرب، ومن هنا أقسم بربّ المشارق والمغارب.

هر آنچه ديده اي از وي مثال است

تو در خوابي و اين ديدن خيال است

بداني کانهمه وهْم است و پندار

بصبح حشر چون گردي تو بيدار

سوف يظهر في صبح يوم الحشر أنّ الحقيقة شيءٌ آخر، وإنْ شاء الله يكون لنا نصيب من هذه الحقيقة.

وصلّى الله على محمّد وآل محمّد الطاهرين.