التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود الثالث والأربعون
يقول أمير المؤمنين مولى الموحدين عليه السلام:

{لا يتغيّر الله بتغيير المخلوق كما لا يتحدّد بتحديد المحدود، أحدٌ لا بتأويل عدد، صمدٌ لا بتبعيض بدد، باطنٌ لا بمداخلة، ظاهرٌ لا بمزايلة، متجلٍ لا باشتمال رؤية، لطيفٌ لا بتجسّم، فاعلٌ لا باضطراب حركة، مقدّرٌ لا بجول فكرة، مدبّرٌ لا بحركة، سميعٌ لا بآلة، بصيرٌ لا بأداة، قريبٌ لا بمداناة، بعيدٌ لا بمسافة، موجودٌ لا بعد عدم، لا تصحبه الأوقات ولا تتضمنه الأماكن، ولا تأخذه السنات، ولا تحدّه الصّفات ولا تقيّده الأدوات، سبق الأوقاتَ كونُه، والعدمَ وجودُه، والابتداءُ أزلُه.

بتشعيره المشاعر عُلم أنْ لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عُلم أنْ لا جوهر له، وبإنشائه البرايا عُلم أنْ لا مُنشئ له، وبمضادته بين الأمور عُرف أنْ لا ضدّ له}.

في هذه النقطة التي هي إحدى النقاط الرفيعة في البيان النورانيّ لسلطان الموحدين أمير المؤمنين عليه السلام، يقول (عليه الصلاة والسلام): {موجودٌ لا بعد عدم}.

كلّ موجود من الممكنات مسبوقٌ وجوده بعدم، {خلق الله الأشياء من العدم}، وأمّا الذات الغيبيّة فهي واجب الوجود، وعندما نقول واجب الوجود ونقابله بما سوى الله من ممكن الوجود، فهو من باب ضيق الخناق في التعبير، وإلاّ فكلمة واجب الوجود تحديدٌ لتلك الحقيقة بحدود ما، وقد مرّ في العبارة النورانية: {لا يتحدّد بحدود}.

لو أردنا أنْ نعلم حقّ واجب الوجود في مقابل كلّ ممكن الوجود فهذا في الواقع أكبر حدّ أعطيناه للحقّ تعالى بإعطائنا إيّاه هذه الكلمة.

هو تعالى واجب الوجود ولكن لا بوصف نسبي في قبال ممكن الوجود، بل هو واجب الوجود في ذاته، وهو بنفس النحو الذي نقول فيه أنّه أحدٌ لا في مقابل الإثنين ولا في مقابل الثلاثة والأربعة والخمسة وبقيّة الاعداد، فهو تعالى واجب الوجود ولكن ليس في قبال ممكن الوجود وإلاّ يلزم تحديده وقبوله للتقييد، كما هو أوّل لا في مقابل الآخر وآخر لا في مقابل الأوّل.

إنّ وصف الحقّ تعالى كما يصفه كلّ المتكلمين والفلاسفة والاشخاص الذين خرجوا عن وادي المعرفة باطل في نظر أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال في هذه الخطبة النورانية: {قد جهل الله من استوصفه}، فإنّ أسفل مرتبة جهل بالذات الربوبيّة التقابل مع الأضداد في المعرفة حيث يُعرف الأوّل في قبال الآخر والآخر في قبال الأوّل ويعرف النور في قبال الظلمة والموجود في قبال المعدوم.

الممكنات معدومةٌ وقد كانت معدومةً قبلاً، ولكنّنا الآن نفرض لهذا المعدوم وجوداً ما حتّى لا يصيبه العدم وهذا جهل في معرفة الحقّ تعالى وتقييد لواجب الوجود، بل ونفس إطلاق واجب الوجود على الحقّ تحديد له تعالى، فمفهوم واجب الوجود بنفسه محدود ولو جعل في قبال ممكن الوجود فهو الجهل بعد الجهل، وهذا ما لا يقبله أمير المؤمنين عليه السلام، والطريق الوحيد في طريق معرفته هو العجز عن المعرفة، وليس الطريق هو نفس المعرفة.

حكي عن سيد البشر صلّى الله عليه وآله: {أنت كما أثنيت على نفسك، ما عبدناك حقّ عبادتك، وما عرفناك حقّ معرفتك}٣٨٣.

والحال كما يقول الشبستري:

نشانى مى دهند از منـزل خويش

در اين ره انبياء باز از كم وبيش

إنّ كلّ ما يتحدث به الإنسان، نابع من نفس وجوده ومعرفته، ومن هنا لا بدّ أن يقال الله أكبر بعد كلّ اطلاق، فهو تعالى موجود لا بعد عدم.

فلو عرفنا الحقّ تعالى مقابلةً مع المعدوم لمْ ندرك موجوديّته، وكلّ من يستدلّ على وجود الواجب بالقول بأنّ الممكنات حتّى تكون موجودة بعد العدم، لا بدّ لها من واجب وجود يوجدها، فهو إستدلال على وجود الواجب بعد عدم الممكن، وهذا الطريق في المعرفة مرفوض بقول أمير المؤمنين عليه السلام: {موجود لا بعد عدم}، والقائل بهذا القول مطرود من وادي المعرفة.

إنّ العجز في المعرفة، الذي هو الطريق الوحيد للمعرفة، يمنع أيّ تحديد للذات الإلهيّة المقدسة، وهو الباب للتمسك بالوليّ المطلق والإنسان الكامل الذي هو خليفة الله، فلا طريق إلاّ بالارتباط بأمير المؤمنين عليه السلام والتمسك بالأربعة عشر نوراً.

إبراهيم عليه السلام إنّما تلقى هذه البارقة التوحيديّة في قلبه لأنّه كان في إثر ذلك المنشأ النوري، وقد رماه نمرود في النار لأجل أخذ النور الذي سطع في وجود إبراهيم، وكذا موسى عليه السلام عندما شاهد بوارق ذلك النور في وجوده، قال لأهله: {لعلّي آتيكم منها بقبسٍ}٣٨٤.

ولقد كان إبراهيم عليه السلام في هذا الباب من شيعة عليّ ابن أبي طالب عليه السلام، وهو قوله تعالى: {وإنّ من شيعته لإبراهيم}٣٨٥، وهو الذي قال: {إنّي وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض}٣٨٦، وفاطر السموات والأرض هو الظهور الفاطميّ.

ههنا نذكر لطيفة وهي أنّ نقطة شروع إبراهيم عليه السلام في طريق المعرفة، وبها يفترق عن باقي الانبياء، أنّ فتيلة وجوده قد أضاءت بواسطة الصديقة الطاهرة سلام الله عليها، أيْ أنّ هذا النور أفاضته فاطمة الزهراء سلام الله عليها، ولذا يصل نسب السادات من العلويين إلى إبراهيم، فكلّ ما حصل عليه إبراهيم إنّما كان من فاطمة سلام الله عليها.

عندما قال إبراهيم عليه السلام كما أخبرنا الله به: {إنيّ وجّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين}٣٨٧، كان يقول إنّي مسلم أيْ إنّي وجدت السلام وشاهدته، والسلام هو ظهور الصديقة في عالم الأسماء، فالسلام هو التعيّن الفاطمي في هذا الاسم المبارك للحقّ تعالى، وهو قوله تعالى: {سلامٌ هي حتّى مطلع الفجر}٣٨٨.

عن جعفر بن محمد بن علي، عن أبيه (عليهما السلام) قال: {قال رسول اللهصلى الله عليه وآله: يا فاطمة أتدرين لم سميّت فاطمة؟ فقال عليّ عليه السلام: يا رسول الله لم سميّت؟ قال: لأنّها فطمت هي وشيعتها من النار}.٣٨٩

إنّ شعلة وجود ابراهيم قد أضاءت من الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وهذا بخلاف سائر الأنبياء فقد كانت شعلة وجودهم من أمير المؤمنين عليه السلام.

الفرق بين إبراهيم وبين جميع الانبياء أنّ شيخ الأنبياء عليه السلام فاطميّ، وأمّا باقي الأنبياء فقد وصلوا إلى التّوحيد بالشهود العلوي بدون إستثناء.

الرسول المكرّم النبي الأمجد محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم قد كانت له هذه الخصوصيّة كذلك حيث ظهر له التّوحيد من الوجود المقدس الفاطمي، ولذلك هي أمّ أبيها وهذه الخصوصيّة هي أرفع ممّا ناله إبراهيم عليه السلام.

في التقسيم الكلامي، الذوات المقدسة للمعصومين عليهم الصلاة والسلام لا هي واجبة الوجود ولا ممكنة الوجود، فليس هذا المقام الشامخ واجب الوجود لأنّه يتعارض مع النقطة الأساسيّة المبدئيّة وهي توهم مقام الذات الربوبيّة لهم، وليسوا ممكن الوجود، لأنّ مقامهم (صلوات الله عليهم) ليس مسبوقاً بالعدم، وغير هذا القول تقصير في معرفتهم (صلوات الله عليهم)، وأمّا الممكنات فكلّها مسبوقة بالعدم في وجودها إلاّ هم (صلوات الله عليهم).

في نوائب الدهور نقل (رحمة الله عليه) حديثاً عن المفضّل في شؤون أهل البيت عليهم السلام ومقاماتهم، وهذه الرواية مروية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام.

يقول الإمام الصادق عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال:

{الحمد لله مدهّر الدهور وقاضي الأمور ومالك يوم النشور الذي كنا بكينونيته قبل الحلول في التمكين وقبل مواقع صفات التمكين في التكوين كائنين غير مكونين ناسبين غير متناسبين أزليين لا موجودين ولا محدودين منه بدونا وإليه نعود}٣٩٠.

لو أنّ شخصاً جعل هذه الذوات المقدسة في رديف ممكنات الوجود فليس من أهل معرفة الولايّة أيْ الولايّة المطلقة والكليّة، وأمّا تلك الولايّة التي يتابعها الناس ويتعرفون على أحكامها فليست إلاّ الولايّة المستفادة من علم الكلام.

هو تعالى موجود لا بعد عدم، ولكنّ نفس هذا الموجود لا بعد عدم يريد مظهراً كباقي الصّفات من السميع والبصير والعالم والخالق من صفات الحق، وكذا الأسماء تريد مظهراً فكلمة (الله) تريد مظهراً، وهذا الوصف {موجود لا بعد عدم} يريد مظهراً، ولا يوجد مظهر لها غير الذوات المقدسة للمعصومين الأربعة عشر.

اگر دربنديش روزن دارد

پرير وتاب مسدودي ندارد

وللشبستري شعر لطيف في هذا الباب يصف فيه العدم كمرآة للوجود، فيقول:

گــزو پـيـداسـت عـکــس

عدم چون گشت هستي را مقابل

در او عکسي شدن در حال حاضر

عدم چون گشت هستي را مقابل

از او بـا ظـاهـر آمد گنج مخفي

عدم در ذات خود بود صـافي

کتـاب پيـدا ببيـني سـر پنـهان

حديث کنت کنـزا را فرو خوان

چو عکس چشم در وي شخص پنهان٣٩١

عدم آئينه عالم عکس وانسـان

الفيلسوف يعتبر أنّ الشرور أعدام أو لا أقلّ فيها حيثيّة عدميّة، وهذا هو ديدن الفيلسوف حيث يتحدّث كثيراً في المنفيات ليحل بعض مشاكلة الفلسفية، وأمّا هذا العارف الكبير فيعتبر أنّ العدم هو مرآة الوجود ويعطيه إعتباراً في هذا المجال.

يقول تعالى: {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم}٣٩٢.

إنّ أوّل مرحلة في الوجود هي الموت ومن ثمّ الحياة وكلاهما مخلوقان لله، ومعرفة ماهية الموت ليست مسألة سهلة، فنحن لم نصل حتّى الآن إلى فهم مخلوقيّة الحياة وماهيتها فكيف بمخلوقيّة الموت؟ فلا علم لنا بماهية الموت وحقيقته.

توان خورشيد تابان ديد در آب

تو چشم سر ندارد طاقت وتاب

تفسير بيت الشعر: إنّ عينك عاجزة عن النظر إلى الشمس بنحو مباشر، ومن هنا لا بدّ من النظر إلى المرآة المائية، وهذه المرآة المائيّة، وهي الماء، هي الوجود المقدّس للوليّ.

لا يمكن الوصول إلى مقام الذات، بل لا بدّ من الأخذ بيد الوليّ، فتعال وانظر في الماء.

ولذا قد أشير إلى عالم العماء، وهو عالم السّواد المطلق، بقوله (صلّى الله عليه وآله): {عليكم بالسّواد الاعظم}٣٩٣، فهذا السّواد الأعظم هو مرتبة عالم العماء حيث عالم العدم؛ فعندما يقول: {عليكم بالسّواد الأعظم}، فهو بمعنى أنْ طأ تلك الأرض واسأل عن حالها وخبرها، فالسواد الأعظم هو الظلام المطلق وهو العدم.

ولهذا يطلب العارف مرتبة الفناء لأنّ له نسبة إلى العدم، وهو معنى قوله (صلى الله عليه وآله): {عليكم بالسواد الأعظم}.

اين سياهي شـام ما را روز کرد

کربـلا مـارا سواد آمـوز کرد

وقد فُتح باب هذه المعرفة في كربلاء، فإنّ الإمام الحسين عليه السلام هو عنوان الفناء المطلق، أي أنّ السواد الأعظم هو آذان الحسين عليه السلام.

إنّ كربلاء هي حقيقة وباطن السواد الأعظم، وأمّا ظاهره فهو المدن وأماكن تجمع الناس.

يکي را چون شمردي گشت بسيار

شد آن وحدت از اين کثرت پديدار

تفسير البيت: عدد الإثنين هو الواحد المكرّر وعدد الثلاثة هو الواحد المكرر والعشرة وهي العشرة الكاملة هي الواحد المكرر، ومن فهم هذه المطالب تتضح مسألة أنّه أحد بلا عدد.

الإثنين هو الواحد المكرّر، ولا يوجد واحد إلاّ أنْ يكون ثاني ذاك الواحد، فالثّاني، وهو اسم فاعل، هو صانع الواحد، والثالث هو صانع الثلاثة، فالثالث يفترق عن الثلاثة؛ فالثلاثة هو عدد الثلاثة، وأمّا الثالث فهو الحقيقة التي تصنع الإثنين ثلاثة، فكلّما يضاف الواحد يتحصّل العدد ويتكرّر.

سئل علي بن الحسين عليه السلام عن التوحيد؟ فقال: {إنّ الله عز وجل علم أنّه يكون في آخر الزمان قوم متعمّقون فأنـزل الله {قل هو الله أحد} والآيات من سورة الحديد إلى قوله: {عَليمٌ بِذاتِ الصّدورِ}٣٩٤ فمن رام وراء ذلك فقد هلك}٣٩٥.

ومن لطائف الواحد، أنّك لو كرّرت الواحد إلى لا نهاية له وحصّلت منه أيّ عدد شئت، فإنّه يبقى واحداً، وبنفس النحو، لو سيّرت النقطة لتصبح دائرة فإنّها تبقى نقطة.

لو أشعلت جمرةً في ليلة مظلمة وصرت تحرّكها على شكلّ دائري، فقد يتخيّل شخص أنّها دائرة ولكنّها في الواقع نقطة، وهي تبدو دائرة بسبب حركتها السريعة.

وقد ورد عندنا في بعض الروايات أنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو النقطة تحت الباء٣٩٦، فقد كان متجليّاً في كلّ أدوار الخلقة فهو، على هذا، نقطة عالم الوجود؛ ولو أنّ هذا الحديث سكن في القلب لصار للإنسان منـزلة كمنـزلة المقداد حيث صارت منـزلته بمنـزلة الألف من القرآن.

ومن هنا، فإنّ الواحد هو الألف، وهذا يعني أنّ كلّ التجليّات هي تجليّات المقداد مع أنّنا نحاول أنْ ندقّ باب أمير المؤمنين عليه السلام، وأمّا الحقّ فهو أنْ نتمسك بعبيده أوّلاً.

عن هشام بن سالم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: {إنّما منـزلة المقداد بن الأسود في هذه الأمّة كمنـزلة ألف في القرآن لا يلزق بها شيء}٣٩٧.

وصلّى الله على محمّد وآل محمد.