التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود الثاني والأربعون
يقول (عليه السلام):

{لا يتغيّر الله بتغيير المخلوق كما لا يتحدّد بتحديد المحدود، أحدٌ لا بتأويل عدد، صمدٌ لا بتبعيض بدد، باطنٌ لا بمداخلة، ظاهرٌ لا بمزايلة، متجلّ لا باشتمال رؤية، لطيف لا بتجسّم، فاعلٌ لا باضطراب حركة، مقدّر لا بجول فكرة، مدبّر لا بحركة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة، قريب لا بمداناة، بعيد لا بمسافة، موجود لا عن عدم، لا تصحبه الأوقات ولا تتضمنه الأماكن ولا تأخذه السنات، ولا تحدّه الصّفات ولا تقيده الأدوات، سبق الأوقات كونه والعدم وجوده والإبتداء أزله.

بتشعيره المشاعر عُلم أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عُلم أن لا جوهر له، وبإنشائه البرايا عُلم أن لا منشئ له، وبمضادّته بين الأمور عُرف أنْ لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأشياء عُلم أن لا قرين له، ضادّ النّور بالظّلمة والصّرد بالحرور، مؤلفاً بين متعادياتها، متقارباً بين متباينتها، دالةً بتفريقها على مفّرقها وبتأليفها على مؤلّفها، جعلها سبحانه دلائل على ربوبيّته وشواهد على غيبته ونواطق على حكمته إذ ينطق تكونهن عن حدثهنّ، ويخبرن بوجودهنّ عن عدمهنّ، وينبئن بتنقيلن عن زوالهنّ ويعلنّ بأفولهنّ أن لا أفول لخالقهنّ، وذلك قوله جلّ ثناؤه: "ومن كلّ شيء خلقنا زوجين لعلّكم تذكرون"، ففرّق بين هاتين قبل وبعد ليعلم أنْ لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أنْ لا غريزة لمغرزها دالّة بتفاوتها أنْ لا تفاوت في مفاوتها، مخبرة بتوقيتها أنْ لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أنْ لا حجاب بينه وبينها.}.

في هذا الكلام الذي لا نظير له في عالم التوحيد، صدر من اللسان المبارك لأمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام أنّ معرفة الذات الربوبيّة محالة وممتنعة لأيّ شخص، وكلّ من يحاول من المتكلّم أو الفيلسوف أو العارف، أنْ يضع قدمه في هذا المجال فقد وضع قدمه في غير الطريق، فإنّه لا معرفة ولا وصول في منطقة الذات.

بالله تُعرف الأشياء ولا يعرف الله بالأشياء، وكلّ من يريد أنْ يتعرّف على الحقّ تعالى في سير الآفاق والأنفس من خلال الآيات المتعددة من الشجرة وغيرها إنّما يتعرف على الله تعالى بمقدار تلك الآيّة وليس هو الله من تعرّف عليه.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام في كلماته: {فقد جهل الله من استوصفه}، فكلّ من وصف الله بأيّ وصف كان فهو جاهل به.

ولكن يطرح ههنا سؤال أنّ الأمر لو كان على هذا النحو، فكيف يمكن أنْ ننكر ما يقال وما هو شائع من أنّ طريق معرفته يكون بالآيات؟

كيف يمكن أنْ نجمع ونلفّق بين هذين النحوين من الكلام والحديث؟

أرفع كلام في هذا الباب هو نفس تلك الكلمات التي قيلت: {بنا عُرف الله، وبنا عبد الله، نحن الأدلاء على الله، ولولانا ما عُبد الله}٣٨١، فهم أكبر آيّة في هذا الوجود ولكنّهم مع ذلك مظاهره تعالى وتقدس، هذا كلّه مع حفظ أوّل الكلام أنّه لا يمكن معرفة الذات الربوبيّة للحقّ تعالى بالآيات والمظاهر والعلامات ولا يمكن الإشارة إليه بها.

فماذا نفعل في هذا المجال؟

أمير المؤمنين عليه السلام قد جعل أساساً لهذا الكلام، وكلّ الكلمات في هذه الخطبة تبيّن هذه الحقيقة وهي أنّ المحدود لا يمكنه أنْ يعرف اللاّمحدود وليس هو الله من تعلّقت به هكذا معرفة.

ولكن من جهة أخرى، يقول الإمام عليه السلام مجدّداً: {دالة بتفريقها على مفرقها}، فهذه الآيات والعلامات تدلّ بتفريقها وانفصالها على مفرّق لها، ولكننّا قد قلنا أنّ الدليل والبرهان لا يمكنه أنْ يدلّ عليه، فكيف يمكننا ههنا أنْ نقول أنّ نفس هذه الآيات التفريقيّة دليلٌ على وجود مفرّق لها، وبتأليفها تدلّ على مؤلّفها، فهاهنا لا بدّ من التدقيق حتّى يستحصل الجواب لعلّه لا يأتي في مورد آخر، فقد آن أوانه.

يقول عليه السلام: {جعلها سبحانه دلائل على ربوبيته وشواهد على غيبته ونواطق عن حكمته إذ ينطق تكونهنّ عن حدثهنّ}.

وفي مكان آخر في نفس هذه الخطبة الشريفة يقول:

{لا يتغيّر الله بتغيير المخلوق كما لا يتحدّد بتحديد المحدود}؛ ويرتقي في مورد آخر ليقول:

{أسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم}، فهذا التعبير هو اسم وذاك التفهيم هو فعل الحق، ولكنّنا من جهة أخرى كما قلنا سابقاً لا يمكنها أنّ تشير إليه.

{وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه قد جهل الله من استوصفه}.

وقد وقع الكلام على هذا المنوال وعُلم أنّ الوصول إلى مقام ذات الباري محال، ولكن من جديد نجد أنّ الآيات تتحدث عن كونها كاشفة وعلامة على معرفة الله، فكيف يمكن أنْ نوفّق بين هاتين الطائفتين من الأخبار والحقائق؟

ففي مكان نجد أنّهم ذكروا الممنوعيّة التامة وفي مكان آخر فتحوا الطريق للمعرفة، وأرفع حديث هو هذا الكلام: {بنا عرف الله}.

هنا توجد لطيفة لو أنّ الإنسان التفت إليها، فهي مفتاح مهم جداً في مجال المعرفة، وهو أنّه كيف يمكن التلفيق بين هذين الحديثين؟

جوابه أنّه قد صدر بأرفع بيان من لسان المعصوم عليه السلام: {بنا عُرف الله}، فنقول أنّ الوصول إنّما يكون إلى معرفة الله، ومعرفة الله غير الله، وقد تبيّن معنا هذا الأمر في أوّل بحث التّوحيد حيث قال (عليه السلام): {إنّ أوّل عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده}، فعندما يقول (عليه السلام): {بنا عُرف الله}، فهو أرفع حركة وأعلى طيران ولا يوجد ما هو أرفع من هذا، فالنتيجة والخلاصة أنّه بوسيلتنا تصلون إلى معرفة الله لا إلى الله، وهذه هي خلاصة التلفيق بين الحديثين.

لا بدّ أنْ يتبيّن أنّ الفاصلة بين معرفة الله والله هي الفاصلة بين العدم والوجود.

المعرفة هي ظهور البناء الوجوديّ، وأمّا الله في مقام الذات فهو خارج عن كلّ هذا الإعتبار.

نتمنى أنّ يتذوق أهل الذوق والمعرفة هذا المطلب ويستفيدوا منه استفادة كاملة، حتّى يتبيّن لهم عدم التناقض بين الكلامين.

{وبتفريقه على مفرقّها}؛ المفرّق صفة، وما نتعرّف عليه هو الصفة لا الذات.

{وبتأليفها على مؤلفها}؛ والمؤلف صفة، وكلّ الصّفات على هذا النحو.

لأنّ ذات الحقّ تعالى لا يمكن أنْ تتأتّى بالوهم والخيال ولا تتحدّد بالمقدار، فأمير المؤمنين عليه السلام هو الأوّل والأخر والظاهر والباطن، ومفرق كلّ هذه الآيات والمظاهر المتعدّدة هو أمير المؤمنين ومؤلفها هو أمير المؤمنين لأنّه الاسم، وليست الذات هي الأوّل والآخر والظاهر والباطن.

من هنا كلّ ما يصدر وينبع من الله، ففي مقام الوصول إنّما ينبع من أمير المؤمنين ويصدر منه.

الأسماء والصّفات الالهيّة هي نفس هؤلاء الكمل من آل محمّد وعليّ وهو قوله (عليه السلام): {بنا عرف الله، بنا عبد الله}، وأمّا من تلك الجهة الأخرى فلا خبر لنا أصلاً، فما نصل إليه هو معرفة الله، ومعرفة الله هي نفس هؤلاء.

لم يتحدث أحدٌ في هذا المجال بمثل ما تحدث به المحقق الشبستري الكبير:

شعاع او بيک منوال بودي

اگر خورشيد بر يکحال بودي

الشمس لها حركة ولذلك في الصبح تجد أنّ الظلّ طويل، وعند الظهر ينجذب الظلّ نحو نفسه ويزول.

ظهور الولايّة يختلف من دور إلى دور، فتارة يجلس في بيته وأخرى يشهر ذا فقاره في الحرب، فشمس الولاية ليست على منوالٍ واحد، وحالة قبض وبسط المؤمن حكاية عن ذي الظلّ ذاك.

ندانستي کسي که اين پرتوي اوست نبودي هيچ فرق از مغز با پوست

وكلّ الجهد والحركة منه هي من ذاك الأصل.

حملـه مان از باد باشد دم بدم

ما همه شيريـم شيـران علم

جان فداي آن که ناپيداست باد

حمله مان پيدا ونا پيداست باد

ما يتراءى لك من أنّ الظل يتحرّك يساراً ويميناً ليس حركة له في الواقع، فإنّ الظلّ لا حركة له بل هي حركة ذي الظل، وكلّ ما ترونه في هذا العالم هو لصاحب الظلّ وهو الوليّ.

نبودي هيچ فرق از مغز با پوست

ندانستي کسي که اين پرتوي اوست

لا يمكن أنْ يفرق بين الظلّ وذي الظلّ، فقد تتراءى لك الوحدة بينهما، ولكن من جهة أخرى، فإنّ الظلّ غير ذي الظلّ.

هذا الإختلاف بين البشر هو من صنع أيديهم، فهم أنفسهم يضعون الخلاف بين البشر، وتوجد روايات كثيرة في هذا المضمون، فإنّ كلّ الاختلافات هي حركة ذي الظلّ.

حق اندر وي ز پيدايي پنهان

جهان جمله فروغ نور حق دن

كلّ هذا العالم هو شعاع نور الوليّ، ولكن من شدّة الظهور لا يمكن رؤيّة هذا النور، ومثاله موجود في السمك حيث أنّ الأسماك تطلب في عمق وجودها أن ترى الماء الذي هو مصدر حياتها، فصارت تبحث عن الماء الذي هو مصدر حياتها، ولكنّها لن تجده لأنّها مستغرقة فيه ولا يمكن أنْ تنفصل عنه.

حق اندر وي ز پيدايي پنهان

جهان جمله فروغ نور حق دن

نيابد اندر او تغيير وتبديـل

چو نور حق ندارد نقل وتحويل

نور الحقّ ليس قابلاً للتغيير ولكنّ شعاعه هو القابل للتغيير والتبديل.

به ذات خويشتن پيوسته قائم

تو بنداري جهان خود هست دايم

هل تتخيل أنّ هذه الموجودات من الأنجم والكواكب السيارة وغيرها لها وجود من أنفسها؟

بسي سرگشتگي در پيش دارد

کسي کو عقل دارنديـش دارد

يکي شد فلسفي ديـگر حلولي

ز دورنديـشه عقـل فضولي

كلّ هذه إنّما هي للتعقل غير المناسب.

المباني الفلسفيّة التي تبحث التّوحيد هي للعقل الفضولي، والمنصف الذي يبحث هذه الحقائق يصل في النهايّة ويقول إنّي لمْ أفهم شيئاً ممّا قيل في هذا المجال.

الحاج محمّد إسماعيل الدولابي رجل عارف كبير وهو حائزٌ على الكمالات المعنويّة العاليّة والناس تطلبه كثيراً، وقد ذهب إلى كربلاء ستة أشهر قبل وفاته، وكان له سفر قضى فيه أربعة عشر سنة في كربلاء عند أعتاب أبي الفضل العباس عليه السلام، وفي السفر الآخر الذي ذهب فيه إلى كربلاء صارت له عنايّة وعلم فيه أنّ تمام تلك الأسفار كانت ظهور للنفس؛ إنّ رؤيّة النفس تسدّ الطريق أمام حركة الإنسان.

يکي شـد فلسفـي ديگر حلولـي

ز دورنـديشـه عـقل فضـولـي

برو از بهر او چشمي ديگر جوي

خرد را نيست تاب نـور آنـروي

تلك العين الأخرى لرؤيّة الحقّ هي عين الله الناظرة في الخلق أمير المؤمنين عليه السلام، فهو عين الله، وعين الله هي العين التي ترى بها مراتب التوحيد.

برو از بحر او چشمي ديگر جوي

خرد راه نيست تاب نور آن روي

ز وحـدت ديدن حق شـد معـدل

دو چشم فلسفي چون بـود احول

إنّ الفيلسوف يتردّد ويتوقّف في ذاك المقام الشامخ للوليّ المطلق، عن إثبات الوحدة له والإقرار بها، فهو عاجز ومتوقف في هذا المقام، فإنّ عين البشريّ عين الأحول في هذا المورد.

ز يـک چشميست ادراکات تنـزيه

ز نابينـائي آمـد راي تشـبيه

قد ينـزّه شخص الله فيقول: سبحان الله سبحان الله، ولكنّ هذا التنـزيه هو لمن لم يعرف الله، فهذا التنـزيه تنقيص للحقّ، وكلّ من ينـزّه الله تعالى فهو ينقصه، وهذا هو معنى: "ز يک چشميست ادراکات تنـزيه".

وهناك معنى آخر، وهو أنْ ننسب للحقّ إدراكات التنـزيه في المثبتات، فالحقّ يهدي ويعطي النور ويرشد إلى الطريق، ولكنّ من جهة أخرى، الحقّ يضلّ ويكفّر، وكلّ من له هذا النظر، فله عين واحدة في النظر إلى الحقائق.

هل أنّ الله فقط يهدي ولا يضل؟ هل أنّ الله يحيى ولا يميت؟

البعض قد يتخيل أنّ الله يرزق فقط، والواقع أنّه لا يرزق كذلك؛ ومنْ يقول هذا فهو ينظر بعين واحدة، وهذا معنى: "ز يک چشميست ادراکات تنـزيه".

إنّ الله لا يشفي وحسب، بل يمرض كذلك، وكما يجعل الله الإنسان سافلاً وتعيسَ الحظ، فكذلك يوصله إلى العزّة والرفعة.

هو الذي يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، ومن هنا لا تعترض كثيراً، فأينما رأيت أنّ تلك الجهات التي لا يرغب بها الناس قد أتت إلى وجودك، فاعلم أنّ هذا من صنعه وفعله، بل اذهب وطالع أسماء الحقّ تعالى أكثر.

فكما أنّ الله يطعمك ويسقيك من أطيب الطعام والشراب ويقدّمه لك على أحسن سفرة، فقد يطعمك ولكن يرمي فضلات الطعام في وجهك ويلطخ به لحيتك، فهو الفاعل لكلّ هذا.

لا بدّ أنْ نرى هذا التّوحيد في كلّ الصّفات، فهو الذي {يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء}٣٨٢.

ز يک چشـميست ادراکـات تنـزيه

ز نابينائـي آمـد راي تشـبيه

که آن از تنگ چشـمي گشت حاصل

تناسخ زآن سبب شد کفر باطل

إنّ نظر أهل التناسخ مادي، فيتخيّلون أنّ نفس هذا الموجود الما يقولون عنه هو الذي يتناسخ، ولكنّ الحال أنّ كلّ عالم الوجود يتوجّه نحو شعاع التوحيد.

التناسخ الباطل هو التناسخ عند أصحاب النظر المادي البدني، وإلاّ فإنّ كلّ عالم الوجود يتحرك.

ومن هنا، فإنّ بطلان قول المغالين والقائلين بألوهيّة عليّ عليه السلام وفساد رأيهم راجع إلى إيصالهم الأمر إلى النهاية ووقوفهم عند هذا الحدّ، بحيث يقيّدون المقام الألوهي لذات الحقّ تعالى.

کسي کورا طريق اعتزالست

چو اکمه بي نصيب از هر جمالست

الأعمى الذي لا يرى الجمال هو إمّا من المعتزلة أو الأشاعرة ولا فرق بينهم من هذه الناحية، فهؤلاء لا يرون شيئاً من الجمال بقدر ما يصغّرون الله ويقيّدونه.

يقول الشاعر:

بـه تاريکي دَرَست از عين تقليد

کلامي کو ندارد ذوق تـوحيد

که از ظاهر نبيـند جز مظـاهر

رمد دارد دو چشم اهل ظاهر

وإلاّ فهو ظاهر في كلّ شيء في هذا العالم، وأمّا أهل الرمد فمقيّدون بعالم القشر.

نشاني ديد دادن دز ديده خويش

از او هرچه به گفتن دست کم وبيش

تعـالي شأنـه عمّـا يقولـون

منـزه ذاتـش از چـند وچه وچـون

ههنا كلامٌ وهو أنّ تنـزيه ذات الحقّ بحيث ننفي عنها كلّ الصّفات هو تنـزيه الاسم كذلك أي أنّ المعنيّ في هذا المقام هو عليٌّ عليه السلام وحسب.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.