الشهود الحادي والاربعون
|
يقول (عليه السلام):
|
{بتشعيره المشاعر عُلم أنْ لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عُلم أنْ لا جوهر له، وبإنشائه البرايا عُلم أنْ لا منشئ له، وبمضادته بين الأمور عرف أنْ لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأشياء عُلم أنْ لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة والصرد بالحرور، مؤلفاً بين متعادياتها، متقارباً بين متبايناتها، دالةً بتفريقها على مفرّقها وبتأليفها على مؤلّفها، جعلها سبحانه دلائل على ربوبيته وشواهد على غيبته ونواطق على حكمته إذ ينطق تكونهنّ عن حدثهن، ويخبرن بوجودهن عن عدمهم، وينبئن بتنقيلهن عن زوالهن ويعلنّ بأفولهن أنْ لا أُفول لخالقهن، وذلك قوله جل ثناؤه: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون"، ففرّق بين هاتين قبل وبعد ليعلم أنْ لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أنْ لا غريزة لمغرزها دالّة بتفاوتها أنْ لا تفاوت في مفاوتها، مخبرة بتوقيتها أنْ لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أنْ لا حجاب بينه وبينها.}
|
في باب التّوحيد، التفكّر في وادي ومنطقة الذات تفكّر لا محل له وهو ممنوع، وكلّ من أتى إلى منطقة الذات ليتفكر فالهلاك نصيبه.
|
قال عليّ عليه السلام: {من تفكّر في ذات الله ألحد}، وفي مورد آخر: {من تفكّر في ذات الله تزندق}، وورد كذلك عنه (عليه السلام): {من نظر في الله كيف هو؟ هلك}٣٦٧.
|
التفكر إنّما يكون في الآيات والأسماء والأوصاف، وهو ممكن، وأمّا في الذات الإلهيّة فكلّ من تفكر فليس نصيبه إلاّ البطلان والضلال.
|
كلمة {لا إله إلا الله} تتشكلّ من قمسين؛ في القسم الأوّل (لا إله) نداء باطني أنّ ذاك الذي أنت بصدد البحث عنه ليس هو الله، وفي القسم الثاني (إلا الله) مجال للتفكر وإمكانيّة له.
|
التفكر في (إلاّ) له مجوز توحيديّ وأمّا التفكر في (الله)، فلا مجوّز توحيديّ له، وما يوازي معنى (لا إله) هو قول {اتقوا الله}، فاتقوا الله هو التقوى عن منطقة الذات، وهذه أرفع مراتب التقوى، وهو منعٌ مطلق من التعرّض لمنطقة الذات.
|
(لا إله) بمعنى {اتقوا الله}، و(إلاّ) في (إلا الله) تشير إلى التفكّر في الأسماء والآيات والصّفات، فكلّ من يريد أنْ يفكّر في الله لا بدّ أن يفكر في أمير المؤمنين لأنّه أرفع آيّة (ما لله آيّة أكبر مني)٣٦٨، فكلّ من يريد أنْ يطير في عالم التفكر لا بدّ أن يفكّر في هذا المقام الشامخ.
|
{الرّحمن على العرش استوى}٣٦٩؛ العرش مقام الحقّ ومقام الله، وعرش الحقّ تعالى هو العرش المعلّى، وهو معلّى لأنّه يعطي عطر عليّ عليه السلام، أيْ أنّ كلّ من له شامّة يمكنه أنْ يشتمّ تلك الرائحة الفوّاحة وهي رائحة عليّ.
|
كلّ من أراد أنْ يصل إلى الحقّ ويبحث عنه ويطير في سماء المعرفة لا بدّ أنْ يجد العرش المعلّى، والعرش المعلّى {الرحمن على العرش استوى} هو نفس العرش الذي صُنع بيد عليّ ويعطي عطر علي عليه السلام، وهذا هو معنى المعلّى.
|
كربلاء، وهي آخر حدّ الوجود، معلاّة كذلك أيْ تعطي عطر عليّ، كما يفوح عطر عليّ عليه السلام من المقام الذي يتلو العرش وهو مقام سدرة المنتهى، وهو ما عبّر عنه القرآن وبيّنه دعاء الندبة.
|
يقول تعالى: {ثمّ دنا فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى}٣٧٠، وورد في دعاء الندبة: {يابن من دنا فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى، دنواً واقتراباً من العليّ الأعلى}٣٧١.
|
كلّ تفكر في ذات الله لا بدّ أن يعقبه قول (لا إله)، وأمّا التفكّر الصحيح فهو في الآيات الإلهية، وأعظم هذه الآيات هم الأربعة عشر معصوماً، وأكبر من كلّ هذه الآيات أمير المؤمنين عليه السلام.
|
كلّ من يضع قدمه في مقام العشق فهو مع الإمام الحسين عليه السلام، وكلّ من يضع قدمه في مقام التعقّل فهو مع أمير المؤمنين عليه السلام.
|
يقول تعالى مخاطباً الرسول صلى الله عليه وآله: {سبّح اسم ربّك}٣٧٢؛ لماذا أمر الله الرسول الأكرم بتسبيح اسم الرب، ومن ثم أمره بمعرفة أمير المؤمنين؟
|
لأّنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو العقل الكلّ، ولذا جعل الظهور التام بعد رسول الله في عليّ وليّ الله؛ فكلّ من يطوي طريق التعقل فهو في ساحة أمير المؤمنين.
|
الوجود المركزي للانسان هو عقله، وهو قلبه من جهة أخرى، وقد سميّت سورة {يس} بقلب القرآن لأنّها تشير إلى أمير المؤمنين عليه السلام، حيث يقول تعالى: {وكلّ شيء أحصيناه في إمام مبين}٣٧٣.
|
وكلّ ما هو غير محمد وآل محمد لا بدّ من اسقاطه لأنّ التّوحيد هو إسقاط الإضافات.
|
{بتشعيره المشاعر عُلم أن لا مشعر له}، لأنّه بنفسه معطي الشعور.
|
وللشيخ محمود شعر لطيف في بيان إمتناع التفكر في منطقة الذات:
|
ولي در ذات حق محض گناهست
|
در الاّ فکر کردن شرط راهست
|
کلّ من يفكر في التّوحيد في مقام الذات فهو يفكر في نفسه وحسب.
|
محال محض دُن تحصيل حاصل
|
بود در ذات حق انديشه باطل
|
ولكن من جهة أخرى، إنّ من له الظهور التامّ ليس ضائعاً حتّى تفكّر فيه، بل هو ظاهر في كلّ هذا الوجود، فعن أيّ ضائع تبحث؟
|
فكّر في ظهوره وآياته.
|
نگردد ذات او روشن ز آيات
|
چه آياتس روشن گشته از ذات
|
إنّ الآيات قد جُعلت لأجل معرفة الأسماء، فقد خلق الله كلّ عالم الوجود وأظهره لأجل معرفة عليّ، لأنّ معرفة الله لا تحصل إلاّ بمعرفة الوليّ، وكلّ من طلب غير هذا فقد وقع في الضلال.
|
ولكن لو ترقينا، لوجدنا أنّ المعرفة من خلال الآيات سوف تبقى معرفةً ناقصة، فإنّما استضاءت الآيات من شمس عالم الوجود، وأمّا معرفة الشمس من خلال عالم الوجود الذي استضاء من الشمس فهي معرفة ناقصة.
|
کجا او گردد از عالـم هويـدا
|
همه عالم به نور اوست پيدا
|
که سبحات جلالش هست ظاهر
|
نگنجد نور ذاتش در مظاهر
|
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {أنا الظاهر والباطن}٣٧٤، فظهور الحقّ في أتمّ صورة وأكبر آيّة هو أمير المؤمنين حيث يقول: {ما لله آية أكبر مني}٣٧٥.
|
کتاب خور ندارد چشم خفاش
|
رها کن عقل را با حق هميباش
|
الخفّاش لا يمكنه أن يرى النور، كما أنّ كلّ من يحاول أنْ ينظر إلى قرص الشمس تُظلم عينُه بعد لحظات من النظر إلى الشمس.
|
هذا الكلام يحتاج فهمه إلى إرتقاء وعلوّ في الإدراك.
|
هنا نطرح سؤالاً: هل كان رسول الله محمّد المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم محتاجاً إلى جبرائيل لمعرفة الله؟!
|
الحقّ أنّ جبرائيل كان واسطة بين الحقّ وبين رسوله لأجل مخاطبة الخلق، فلقد كان جبرائيل يفهّم المطالب للخلق، لا لرسول الله، وهذا هو الفرق بين الشيعيّ والسنيّ، فإنّ السني يعتبر أنّ جبرائيل هو معلّم الرسول ومرشداً وهاديا له، وأمّا الشيعيّ فلا يقبل هذا.
|
الشيعي يقول أنّ الكلام كان في رتبة عاليّة جداً بحيث لا يمكن أنْ يفهمه أحدٌ غيره (صلى الله عليه وآله وسلم)، فاحتاج تفهيم الناس إلى واسطة، فعبَر عبْر جبرائيل لتفهيم الناس والخلائق.
|
چه جاي گفتگوي جبرائيلست
|
در آن موضع که نور حق دليلست
|
نگنجد در مقـام لي مـع الله
|
فرشـته در چه دارد قرب درگـاه
|
في السماء الرابعة يقول جبرائيل: {لو دنوت أنملة لاحترقت}٣٧٦.
|
وأمّا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله، فقد صعد حتّى شاهد في ذاك الموضع جمال أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يكن ذاك الموضع لا موضع جبرائيل ولا موضع إسرافيل ولا ميكائيل، فهناك حيث أراد أنْ يصل إلى القرب المطلق، كان لا بدّ أنْ يرى وجه عليّ عليه السلام، وهذا هو القرب المطلق.
|
خَرد را جمله پا تا سر بسوزد
|
چو نور او ملک را پَـر بـسوزد
|
اگـر گامي نهد پالاش بسوزد
|
در آن وادي که عشق آتش فروزد
|
خَرد را جمله پا تا سر بسوزد
|
چو نـور او ملـک را پَر بسوزد
|
بسانه چشم سر در چشمه خور
|
بُـود نـور خـرد در ذات انـور
|
فکما أنّ مشاهدة الأشياء تحتاج إلى نور الشمس، فهي محتاجة إلى العين الموجودة في الرأس، وقد جعل الله فيها نوراً خاصاً.
|
بصر ز دراک او تاريک گردد
|
چو مبصَر با بصـر نـزديک گردد
|
إن أردت أنْ تشاهد جماله لا بدّ أن تراه من بعيد، ومثاله أنّ من يريد أن يرى شيئاً لا يمكن أن يجعله مماسّاً لعينيه، بل لا بدّ أن يبعده عن عينيه ولو قليلاً حتّى يراه.
|
به تاريکي درون آب حياتست
|
سياهي گَربه داني نور ذاتـست
|
نحن نتخيّل أنّ نور الذات مضيء، والحقّ أنّ نور الذات أسود ومظلم، ومن هنا لو أراد شخص أنْ يبحث عن ماء الحياة فلا بدّ أنْ يجده في الظلمات.
|
نظر بگذار که اينجا نظر نيست
|
سياه جز قابض نور بصر نيست
|
هذا المقام ليس مقام النظر لأنّ الناظر والمنظور إثنان وهذا شرك، فلا ناظر في هذا المورد ولا منظور.
|
عندما نتكلّم عن التوحيد، لا بدّ أنْ نرفع الشرك في الواقع.
|
المبصِر والمبصَر والبصر هو التثليث الذي أدانه القرآن؛ الذاكر والمذكور والذكر هو التثليث الذي أدانه القرآن؛ العبد والمعبود والعبادة هو التثليث الذي أدانه القرآن.
|
وقد أدان القرآن هذا التثليث باعتبار أنّه يوجد واحد ولا يوجد أكثر منه، {وحده لا إله إلاّ الله}.
|
نظر بگذار که اينجا نظر نيست
|
سياه جز قابض نور بصر نيست
|
الظلمة والسواد هما تجلّي الذات، ولكنّه قابض لنور البصر؛ ويوجد سبعون ألف حجاب من النور وسبعون ألف حجاب من الظلمة بين الخلق والحق.
|
إنّ رفع حجاب النور سهل، ولكنّ رفع حجاب الظلمة صعب ومشكل.
|
النور المحمديّ واسطة وحجاب بين الخلق والحقّ، وأمّا حجاب الظلمة فهو الشيطان، ولا يمكنك أنْ ترفع وتزيح هذا الحجاب؟ فلا الرجيم تعلم ما هو؟ ولا رفع الحجاب تدرك كيفيته؟
|
لو لم يكن الشيطان في عالم الخلقة ما أمكن لأحد أن يذهب إلى طرف الحقّ.
|
لقد كان آدم محور التقيّد، ولو لم يخرج من المكان الذي كان فيه لما خرجت أنت منه، وقد خرج آدم بالعصيان، ولو لم يكن الشيطان لبقي آدم أبو البشر وهو أب كلّ الناس محبوساً في موضعه ومقيّداً فيه.
|
الشيطان هو الذي أخرجه مما كان فيه، فهل يمكنك أن تطأ قدمك في حجاب الظلمة هذا؟
|
وقد ورد عن الرسول صلى الله عليه وآله: {إنّ الشيطان يجري في بني آدم مجرى الدمّ في العروق}٣٧٧.
|
لو لم يكن هذا المخلوق لما كانت أيّ حركة نحو الحقّ تعالى.
|
ألا ترى أنّه لا يمكنك أنْ تمسّه٣٧٨ في القرآن بلا وضوء! وهل تعلم لماذا؟
|
لأنّه في دائرة الحقّ، فشيطان القرآن، مثل الله، لا يمكنك أنْ تمسّه بلا وضوء، ومن هنا قد يصل الأمر إلى البعض ممن لم يفهموا هذه الحقائق ولم يميّزوا بين الخلق والخالق أنْ يعبدوا الشيطان، حيث لم يفهموا هذه الحقيقة، فوجدوا الشيطان لائقاً بالعبادة.
|
الشيطان في محور وجوده الخاص ملعون، وأمّا عندما يكون في الحصن الحصين للحقّ فلا يجوز وضع اليد عليه بلا وضوء، لا بدّ للإنسان في هذا المورد أنْ يميّز بين هاتين الحقيقتين ويدرك المطالب بنحو دقيق.
|
عندما إبليس يكون آيّة الحقّ وآيّة القرآن وكلمة من الكلمات القرآنية، فبنفس النحو الذي لا يمكن لمس أيّ آيّة من آيات القرآن، فكذلك إبليس القرآن لا يمكن لمسه لأنّه حجاب الظلمة، والظلمة كما النور ظهور الذات.
|
قد رأيت وجه النور، ولكنّك لم تر حتّى الآن وجه الظلمة مع أنّ الظلمة هي شعاع الذات كذلك.
|
نظر بگذار که اينجـاي نظر نيـست
|
سياه جز قابض نور بصر نيست
|
که ادراک عاجزست از درک ادراک
|
چه نسبت خاک را مع عالم پاک
|
الإدراك يرى المدرك، ولكنّ الإنسان لا يلتفت إلى نفس الإدراك، العلم يكشف عن المعلومات ولكنّ لا تجد أحداً يلتفت إلى نفس العلم، وكذا العقل يكشف عن المعقول ولكن لا تجد أحداً يلتفت إلى العقل.
|
جدا هرگز نشـد والله اعلـم
|
سياهي روي ز ممکن در دو عالم
|
كلّ ما تقوله فأنت ممكن وأسود الوجه، والعجز حاكم عليك في العالم العلويّ والسفليّ.
|
سواد أعظم آمد بي کم وبيش
|
سواد الوجه في الدارين درويش
|
ورد في الحديث: {عليكم بالسواد الأعظم}٣٧٩، وقد فسّره البعض بالنـزوح من القرى إلى المدن حيث السواد الأعظم، ولكنّ الحقيقة أنّ السوّاد الأعظم هو نفسك، وكلّما كانت الآيّة أكبر والعلامة أكبر كان السواد الأعظم أكبر: {ما لله آيّة أكبر مني}؛ السواد الأعظم هو أمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول الرسول صلى الله عليه وآله: {أنا مدينة العلم وعلي بابها}٣٨٠، السواد الأعظم هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
|
تلك هي المدن التي أمرونا أنْ نسكنها، وأنتم جئتم إلى مراكز انتشار الناس، فلم تفهموا معنى السواد الأعظم وأين هو السواد الأعظم؟
|
لو أردت الغوص في هذه الحقائق والمعاني لا بدّ أنْ تغوص في الآيات والأسماء والصّفات، وانتخب من بين هذه الأسماء والصّفات أعظمها ولا يوجد ما هو أعظم من ذات الوليّ من بين الأسماء والآيات والصّفات.
|
سواد أعظم آمد بـي کم وبيش
|
سواد الوجه في الداريـن درويـش
|
شبي روشن ميان روز تاريک
|
چه مي گويم که هستي نقطه باريک
|
ولكن عندما لا يكون الحجاب النوري ميسّر الفهم للسالك والعارف، فكيف يمكن له أن يدرك حجاب الظّلمة.
|
سخن دارم ولي ناگفتن اولاست
|
در آن مشهد که انوار تجلاست
|
وصلى الله على محمّد وآله وسلّم.
|