الشهود الأربعون
|
يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
|
{بتشعيره المشاعر عُلم أنْ لا مشعر له وبتجهيره الجواهر عُلم أنْ لا جوهر له وبإنشائه البرايا عُلم أنْ لا مُنشئ له وبمضادّته بين الأمور عُرف أنْ لا ضدّ له وبمقارنته بين الأشياء عُلم أنْ لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة والصّرد بالحرور مؤلفاً بين متعادياتها متقارباً بين متبايناتها، دالة بتفريقها على مفرقها وبتأليفها على مؤلّفها، جعلها سبحانه دلائل على ربوبيّته وشواهد على غيبته ونواطق على حكمته إذ ينطق تكونّهن على حدثهنّ، ويخبرن بوجودهنّ عن عدمهنّ وينبئن بتنقيلهنّ عن زوالهنّ ويعلنّ بأفولهنّ أن لا أفول لخالقهنّ، وذلك قوله جلّ ثناؤه: "ومن كلّ شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكّرون"٣٦٢)٣٦٣.
|
يبيّن أمير المؤمنين مولى الموحدين عليه السلام أنّ تلك الذات في مقام ذاتها لا مثيل لها ولا شبيه وليس لها اسم ولا صفة وإنْ كانت في مرتبة سافلة تقبل الاسم والصفة، ومن جملة الأدلّة المثبتة لهذا المعنى وهو أنّه لا شبيه له ولا مثيل أنّ كلّ مشاعر عالم الوجود أي كلّ احب شعور وإدراك يخبر ويعلم أنّ خالق هذا الشعور وخالق صاحب الشعور بنفسه غير محتاج إلى المشعر، وغير محتاج إلى من يشعره ويوقظه، وهو قوله (عليه السلام): {بتشعيره المشاعر عُلم أن لا مشعر له}.
|
هو يعطي الشعور ويعطي اليقظة والتنبّه أيضاً، ولأجل إدراك هذا المعنى، وهو أنّ كلّ شعور وكلّ صاحب شعور مخلوق ومظهر لتلك الذات التي لا مثيل لها حيث لا تحتاج إلى مشعر، يحرّكون الموحّد إلى أرض إسمها المشعر.
|
عندما ترجع من صحراء عرفات لا تتخيّل أنّك عرفت الله تعالى، ولا تتخيّل أنّك قد أنجزت عملك ووصلت إلى مرتبة معرفة التّوحيد، بل إنّ الحقّ يرجعك في الليل إلى المشعر ومن ثمّ إلى منى.
|
المشعر هو مقام التفكّر الذي يوصل الإنسان إلى هذه النقطة، ولكنّ الذي يعطي الشعور لأصحاب الشعور لا يحتاج إلى المُشعر، وهذا هو مقام إدراك المَشعر وهو ليلة العاشر من ذي الحجة وهي ليلة عيد الأضحى.
|
لا بدّ للإنسان أوّلاً أنْ يدرك هذا المعنى، ففي تلك الليلة التي تخمد فيها كلّ الأصوات، تحيّن الفرصة لعلّك تجده وتتعرّف عليه، ولكن لا بدّ من الإلتفات إلى أنّ معرفته لا تكون إلاّ بالعجز عن معرفته والتسليم له والإعتراف بعدم القدرة على الاطلاع على الحقيقة.
|
في عرفات لا يتخيل الإنسان أنّه وصل إلى تلك المعرفة وأنّ كماله قد تحقّق في ذاك الموطئ على نحو التمام.
|
لوْ اتّضح هذا الأمر للإنسان وقطع الطريق نحو المشعر على هذا الأساس، فإنّه يوفّق لفهم أنّ هذه الليلة إنّما خُلقت وجُعلت لأجل هذا المشعر، حيث يوجد ارتباط كبير بين الليلة والمشعر.
|
الكلام الشامخ لأهل المعرفة يسمى شعراً، والشعر إنّما يأتي من الشعور، وقد وضعوا لشعر الرأس المكمّل للحسن والجمال لفظ الشعر لأجل هذه النكتة.
|
لا يحقّ للحاجّ أن يزيل شعره حين إحرامه، ولو نـزع شعرة واحدة من بدنه يجب عليه أنْ يذبح شاة حيث لم يصل إلى حقيقة المعرفة والعرفان، وإلاّ فينبغي عليه أنْ يقتل نفسه ويذبحها.
|
إنّ خروج الحاجّ المحرم عن إحرامه يكون بحلق الشَعر أي أنّه لا بدّ أن يزيل كلّ إدراكاته، فالشَعر وهو رمز الشعور لا بدّ أن يزال بالكامل خصوصاً في السفر الأوّل، حتّى لا يبقى عنده أيّ شيء على الإطلاق.
|
لا تتخيّل أنّ مجرّد سفرك إلى ذاك المقصد قد تمّم لك عملك، بل كلّ من يذهب هناك لا بدّ أنْ يقول كلمة: (الله أكبر) عقب كلّ عمله، فإنّ الله أكبر من أنْ يوصف.
|
إنّ الشعراء تحدّثوا ونطقوا بالشعر، وليس هو الشَعر الذي هو رمز السفور، بل الذي هو رمز الشعور، ويعبّر عن الشَعر بالليل.
|
في الشِّعر، يعبّرون عن الوجه بالنهار وعن الشَعر بالليل، ومن هنا يحضر الحجيج في المشعر ليلاً، لأنّ الليل والمشعر متوافقان والشَعر والليل متوافقان.
|
اين نسخه سواد وبياض برابر است
|
رويم به موى موى به رويت فتاده است
|
عندما يحضرونك في النهار إلى عرفات فلأجل أنْ يكشفوا وجهك، وعندما يحضرونك في الليل إلى المشعر فلأجل أنْ يخفوا وجهك.
|
لو قلنا {وبتشعير المشاعر عُلم أن لا مَشعر له} فهو صحيح، ولو قلنا {وبتشعير المشاعر عُلم أن لا مُشعر له} فهو صحيح كذلك.
|
الآن توجهّت من فم المزدلفة، حيث كنت في جنب الحبيب إلى منى حيث انفصلت عنه، ولقد كانت لك في الليلة الماضيّة بيتوتة في ذاك المقام حيث وضعت رأسك في حضنه وعلى صدره، ولكنّه لم يكن أكثر من خيال، وأمّا في منى فلا بدّ أن تقدم قرباناً وترمي الجمرة، فكلّ ما ادخرته عرفات لا بدّ أنْ ترميه بالحجارة، وكلّ ما ادّخرته في المشعر الحرام، لا بدّ أنْ ترميه بالحجارة أيضاً، فلقد كان للشّيطان دخالة في كلّ ما قمت به.
|
{وبتشعيره المشاعر عُلم أن لا مُشعر- أو مَشعر- له}، لا يظنّ أحد أنّ عملنا قد تمّ في هذا الباب، ففي باب التّوحيد لا معنى للتناهي، فإنّ المقصد لا حدّ له ولا نهاية.
|
اين قدر هست بانگ که جرسي ميايد
|
كس ندانست كه منـزلگه معشوق کجاست
|
فما لم يأخذك تعالى إلى المشعر لا يمكنك أنْ تفهم هذا المعنى حتّى تأتي إلى منى وتعبر من حدّ المزدلفة.
|
ولكن ما هي الحقيقة في هذا المورد؟
|
الحقيقة هي الحيرة والسكوت، وكلّ من يتكلم في التّوحيد فهو يتحدّث من جهله يقيناً، ومن هنا {جهل اللهَ من استوصفه}، و{بتشعيره المشاعر عُلم أنْ لا مشعر له}.
|
بل الموحّد لا مشعر له ولا عرفات ولا قبلة، وليس له شيء، وحتّى اللاّشيء ليس بشيء عنده، فهذا اللاّشيء هو إظهار للوجود، وكلّ من يقول ليس عندي شيء يظنّ أنّ عنده كلّ شيء، ومن تجده يقول في عباراته (أنا الأحقر)، قد يعتبر نفسه مالكاً لكلّ شيء، فحاله حال من يقول: من بين كلّ هؤلاء المراجع والعلماء أنا الأحقر بينهم أيْ الأرفع بينهم.
|
من يقول أنّ يدي خاليّة وليس عندي أيّ شيء يريد أنْ يقول أنّ عندي كلّ شيء، فإنّ إظهار العجز في ساحته نقص لأنّه إظهار للوجود.
|
{وبتشعيره المشاعر عُلم أنْ لا مشعر له}، ليس للموحّد مَشعر ولا مناسك، وقد يصل به المطاف إلى موطن لا مُشعر له كذلك، فلا مُشعر له ولا مَشعر له؛ إنّ الموحد لا دين له أصلاً، فإنّ الدين قيد وتقيّد، ومن هنا إذا أردتم أنْ تعطوا هذا الكتاب لمن يقرأه فاعطوه لمن لا دين له، وأمّا من له دين فلا يمكنه أنْ يفهم هذه المعاني والحقائق.
|
كلّ من يطوي طريق التّوحيد لا يمكن أنْ يكون له دين، فالدّين قيد وتقيّد، ولذا أبو الفضل العباس يوم عاشوراء يقول: {والله إن قطعتم يميني إنّي أحامي أبداً عن ديني}٣٦٤، وهذا الدين ليس هو الدين الذي صنعوه لي بل هو ديني، ودين أبي الفضل العباس هو الإمام الحسين عليه السلام لأنّه يحامي عن الإمام الحسين، ولأجل هذا بقي اسمه عليه السلام، فلا يوجد غيره حامياً للدّين، وليس لغيره شرف السقايّة ورونقها.
|
ساقي بيت التّوحيد أبو الفضل العباس، وهو القائل: {والله إن قطعتم يميني إنّي أحامي أبداً عن ديني}؛ ليس للموحّد ذاك الدّين الذي أخذه من الآخرين، فدين باب التّوحيد هو العشق، وهو الدّين الذي ينتهي بالإمام الحسين عليه السلام وهو دين سلطان العاشقين وسلطان العارفين.
|
في صحراء عرفات، يقول الإمام الحسين عليه السلام في دعائه:
|
{إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي}٣٦٥، إلهي من كان علمه بك وبمعرفتك جاهل، فكيف لا يكون جهله جهلاً؟!
|
{إلهي أنا الفقير في غناي فكيف لا أكون فقيراً في فقري}٣٦٦، هذا هو العجز الحقيقي.
|
الإمام الحسين، وهو صاحب عرفات وهو صاحب كلّ هذه المواقف حيث يقول: {أنا ابن مكة ومنى أنا ابن زمزم والصفا، أنا ابن المشعر الحرام، أنا ابن البيت الحرام}، يتحيّر في معرفته ويقول لا أعلم.
|
إنّ الموحّد الذي وصل إلى التّوحيد لا دين له -وهذا توجيه لمعنى لا دين للموحّد- بمعنى أنّ دينه ليس تقليداً أخذه من الآخرين، بل دينه الإمام الحسين عليه السلام.
|
{والله لو قطعتم يميني إني أحامي أبدا عن ديني} لا عن دين الناس، وأمّا دين الناس فهو الذي قتل الإمام الحسين عليه السلام، ولكن لا بدّ أن يعلم أنّ قتل الإمام الحسين عليه السلام موجود ومستمر حتّى الآن، فكلّ من يظلم ويقتل فهو يقتل الإمام الحسين، وهذا هو دين الناس.
|
قد يصلي الإنسان ويظلم وقد يصوم ويظلم، وظلمه هذا هو قتل مستمر للإمام الحسين عليه السلام، ومن هنا تجد أنّ كلّ مظلومي العالم لهم ارتباط بالإمام الحسين عليه السلام ولهم جذور عميقة بكربلاء.
|
هل تريدون هذا الدين؟!!
|
الموحّد والعارف بالله ليس له هذا الدين، بل له دين الحسين عليه السلام ودين الحسين ضد الظلم.
|
لا يقع هذا الكلام في يد جاهل ويفسر معنى لا دين له على هواه وتخيله؛ معنى أنّ الموحّد لا دين له ما تبيّن.
|
اللهم صلّ على محمّد وآل محمد.
|