الشهود الرابع
|
إنّ أعظم وأكبر عبادة لله هي معرفته، وأصل المعرفة هو توحيده، فلوْ لمْ يجد الإنسان الطريق نحو التّوحيد فلا طريق له نحو المعرفة، وإذا لمْ تكن عنده معرفة فهو بالتالي بعيدٌ عن عبادة الله.
|
في التوحيد، نقول أنّ مجرّد قول {لا إله إلا الله} لا يجعل الإنسان موحّداً، فكمْ تجد من يقول {لا إله إلا الله} في العالم ولكنّه في واقعه مشرك وكافر، فكلمة التّوحيد التي هي حصن الله {كلمة لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي}٥١-وهو أرفع بيان قدسي لكلمة التوحيد- هي غير تلك الكلمة اللفظيّة التي يقولها كلّ الناس.
|
إنّ كلّ ما يقال ويبيّن في كلام أمير المؤمنين عليه السلام، ويُشار إليه في هذه الخطبة التوحيديّة لأوّل موحّد وعارف في هذا العالم بعد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، كلّه إشارةٌ إلى حقيقة التوحيد.
|
هنا لا بدّ أنْ يشار إلى أنّ نفس التّوحيد يقتضي أنْ لا تكون أيّ إثنينيّة بين الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبين أمير المؤمنين عليه السلام، فلوْ أردنا في هذا الباب أنْ نتكلّم عن التّوحيد لا مجال لفرض القبليّة والبعديّة فيه، وهذا يعني أنّ الكلام في محمّد صلى الله عليه وآله وسلم هو الكلام في عليّ عليه السلام، والكلام في عليّ عليه السلام هو الكلام في محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا مجال لأيّ اثنينيّة بينهما على الإطلاق.
|
وقد ظهر سرّ التّوحيد لأهل ذاك الزمان حين أرادوا أنْ يباهلوا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فتبيّن لهم مقام {وأنفسنا}، وهذا المقام هو سرّ التّوحيد وهذه الأنفسيّة ليست بمعنى أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان ممثّلاً عن أمير المؤمنين عليه السلام، بل هو نفسه.
|
الملحوظ ههنا هو ذاك التّوحيد الذي تتمركز عليه كلّ الظهورات في هذا العالم، ولا ظهور لأيّ حقيقة غيره، فالتّوحيد المحمديّ العلويّ هو مورد النظر في كلّ هذا الوجود، وخصوصيّة هذا التّوحيد أنّه لم يترك مجالاً لفرض غيره في هذا العالم.
|
قوله تعالى {وهو الله لا إله إلا هو}٥٢، وقوله عز وجلّ {إنا لله وإنا إليه راجعون}٥٣ ليس مخصوصاً للقبر وما بعد القبر، بل {إنا لله وإنا إليه راجعون} هو حياة التوحيد، وكلّ أعيان عالم الوجود هي أشعة وجود الذات الإلهيّة المقدّسة.
|
إنّ الغوص في مباحث التّوحيد يحتاج إلى دقة وعناية، وأهمّ ما ينبغي مراعاته في مثل هذه الموارد عدم إنكار الحقائق التي تطرق السمع؛ ولقد كان عدم مراعاة هذا الأمر وإنكار الحقائق السبب الأساس في تكفير العرفاء الشامخين في هذا العالم، فكلّ من كان يرد موارد التّوحيد مثل مولانا وحافظ وبايزيد كان يُكَفّر من قبل الناس، بل وحتّى الأنبياء قد كُفّروا من الناس.
|
مسلمان، گر بدانستي که بـت چيـست
|
يقين کردي که دين در بت پرستـي است
|
درون هر بتـي جـاني است پنـهان
|
بـه زيـر کـفر ايمـانيـست پـنـهان
|
بدين خوبـي رخ بـت را که آراست
|
که ميشد بت پرست گر او نمـي خواست
|
هذا الجبر الذي نفرّ منه ونقول بالإختيار عوضاً عنه إنّما هو في مقام التكاليف، وأمّا في الخلقة والوجود فلا يوجد غير الجبر الربوبي.
|
مولانا جلال الدين البلخي يقول:
|
حمله مون از باد باشد دم بـدم
|
ما همـه شيريم شيـران علـم
|
جان فداي اون که ناپيداست باد
|
حمله مون پيدا ونا پيداست باد
|
هذه الريح لا تُرى، ولكنّها المحرك لكلّ حركات العالم.
|
شرق آفرين است تو غرب آفرين
|
نه شرق اسـت نـه غرب
|
ليس هو الشرق ولا الغرب بلْ هو خالق الشرق والغرب، فكلّ ما في هذا العالم من ظهوراته وظهور وجهه؛ وكما أنّ الجنة منه فالنار منه، وكما أنّ الثواب منه، كذلك العقاب منه، ولو قلنا غير هذا الحديث فسوف نبقى حتّى آخر أعمارنا مغبونين في المعرفة، فكلّ ما يظهر في هذا العالم هو بأمر الله وإذنه.
|
ابن عربي يشير في فصوصه في آخر مرحلة من الفصّ الموسوي إلى أمر موسى مع فرعون حيث يبيّن قول موسى عليه السلام بعد نـزاعه مع فرعون: {إنْ هي إلاّ فتنتك}٥٤.
|
إنّ موسى عليه السلام ينسب كلّ الابتلاءات التي ابتلي بها إلى الله تعالى.
|
موسى كليم الله يقول لله تعالى: أنت الذي خلقت فرعون وجعلته يفعل ما يفعل؛ وهل هذا غير الجبر التكويني الحاكم على كلّ عالم الوجود.!!!
|
لا بدّ لكلّ هذا العالم الذي بقيَ في صراع مع الجبر طوال سنين متماديّة أنْ يفهم هذه الحقيقة على الأقل.
|
يقول الله تعالى: {يضل من يشاء وييهدي من يشاء ١}٥٥، وهو الذي يعزّ من يشاء. سبحان الله.
|
أليس لله تعالى الحكم أنْ يفعل كلّ شيء في هذا العالم؟!
|
ورد في الحديث القدسي: {كلمة لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي}، وهذه ليست مجرد كلمة، بل ما لمْ يصل الإنسان إلى الفناء التوحيديّ في هذه الحقيقة، لا يتحقّق له شيء من تلك الحقيقة ولا يتعرف عليها، ولكنْ لا بدّ أنْ يلتفت الإنسان إلى أنّ مفتاح التّوحيد وشرط التّوحيد هو الإمام عليه السلام، وهو ما نُقل عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام: {بشروطها وأنا من شروطها}٥٦.
|
إنّ الدخول في وادي التّوحيد بقوله {فمن دخل حصني} يحتاج إلى سنخيّة ما بين التّوحيد والموحَّد من جهة والموحِّد من جهة أخرى، وإلاّ فلا يحصل أيّ توحيد ولا تتحقّق المعرفة، وهذا لا يكون إلاّ بالرجوع التامّ إلى نقطة التّوحيد وهي الله تعالى {إنا لله وإنا إليه راجعون}.
|
لا يتصور أحدٌ أنّ الأشياء المعنويّة يمكن أنْ تقاس مع الأشياء المادية، ولو قيس بينها في بعض الموارد فهو من باب ضيق الخناق في التعبير، كما قد يعبّر عن المحبّة بأمر مادّي، وكما قد يُعبّر عن الذات المقدسة بكلّ العالم، وإلاّ فليس العالم هو الذات المقدسة، ولكنّه حكايّة عن الله وهو آية واسم، وكلّ ما في العالم كلمات وجوديّة تحكي عن الذات الربوبيّة.
|
فالمظروف المعنوي لا بدّ أنْ يكون ظرفه معنوياً أيضاً، فإنّ المحبّة على سبيل المثال أمر معنوي ولا يكون ظرفها إلاّ القلب المستوعب لهذه المحبّة، وهذا القلب خارج عن بدن الإنسان وليس هو القلب الصنوبري المادي.
|
وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد٥٧.
|
الآن، في مقام ترقي السالك إلى نقطة التّوحيد والوحدة، لا بدّ من التمييز بين الواحد والأحد، فإنّ الواحد معنى وصفيّ، وأمّا الأحد فليس معنى وصفيّاً، بل هو اسم لذات الباري تعالى.
|
يوجد فرق بين الثاني والإثنين، فإنّ الثاني هو صانع الإثنين، والثالث غير الثلاثة، فإنّ الثالث عددٌ وصفيّ وهو الذي يصنع عدد الثلاثة، وكذا الرابع والخامس.
|
الواحد هو صفة تنشأ من الحق، أيْ أنّ الواحد هو صانع الوحدة في عالم الوجود، وقد جعل في هذا العالم خليفةً وجوده واحد وليس له قرين ولا شبيه، وهو الذي صنع الوحدة في هذا العالم؛ ومصداق هذا الواحد هو وتر الله الموتور الحسين عليه السلام.
|
مقام التّوحيد المعنويّ التام لا يتحقّق للعارف الكامل في مرتبة الواحدية، بلْ يكون بتحقق التّوحيد في رتبة الأحدية، فإنّ الواحديّة هي مرتبة الصفة وأمّا الأحديّة وهي مطلوب العارف، وهي مرتبة الذات، والعارف الكامل هو من عبر مرتبة الواحديّة وهي صفة الوحدة، ووصل إلى مرتبة الأحديّة واطّلع على حقيقتها؛ ومن هنا قوله تعالى: {قل هو الله أحد}٥٨ ولم يقل: قل هو الله واحد.
|
سُئل عليّ بن الحسين عليه السلام عن التوحيد، فقال: {إنّ الله عز وجل علم أنّه يكون في آخر الزمان قوم متعمّقون فأنـزل الله {قل هو الله أحد} والآيات من سورة الحديد إلى قوله: {عَليمٌ بِذاتِ الصّدورِ}٥٩ فمن رام وراء ذلك فقد هلك}٦٠.
|
هذه الوحدة التي يطّلع عليها العارف هي تلك الوحدة التي تستهلك فيها كلّ التعينات استهلاكاً تامّاً، ولا يوجد غير هذا الواحد شيء {وحده لا إله إلا هو}؛ ولكن كما بيّنا فإنّ الدخول في كلمة التّوحيد التي هي حصن الله يحتاج إلى سنخيّة بين الأمرين، وما لم يصبح الإنسان بنفسه فانياً في حقيقة {لا إله إلا الله} عارفاً بها لا يمكن أنْ يكون موحداً.
|
إنّ قشر وظاهر {لا إله إلا الله} هو اللفظ المتداول على اللسان، وأمّا روح {لا إله إلا الله} فهو الموحّد.
|
قدْ يجد السالك الغوّاص في عالم التّوحيد هذه الكلمة وحقيقتها في نفسه، ولكنّه قد يتوجه في هذا السلوك التوحيديّ الخاص إلى شخص واحد كبير وهو الشيخ والمرشد أو المراد والأستاذ.
|
ولذلك تجد أنّ الإنسان في كلّ حياته بتمام أدوارها كان يتوجه دائماً نحو هذا الشخص الواحد وهو المراد أو الشيخ أو المرشد، وهذا أمر فطري، ونفس هذه الفطرة هي التي تطلب الأنبياء وتريد الأولياء.
|
منْ يشمّ رائحة التّوحيد يتّوجه دائماً إلى مصداق لكلمة {لا إله إلا الله}، ويريد أنْ يرى صاحب هذه الحقيقة الكامنة وراء قوله {لا إله إلا الله}، وعندما يصل إلى هذه المرتبة من اليقين يقول أنا موجود، عندها يقول كما قال البسطامي: (سبحاني سبحاني، ما أعظم شأني).
|
إنّ الوجود الواقعي للحقائق الولائيّة والتوحيديّة ليس مقيّداً بجبرائيل ناقل الوحي، بلْ إنّ جبرائيل كان كاشفاً للوحي ولتلك الحقيقة للناس، وهو أبرز مصداق لحامل الفقه إلى من هو أفقه منه٦١، فجبرائيل إنّما جُعل من الله لتنـزيل هذه الحقائق التوحيديّة والولائية.
|
إنّ خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم كان التحقّق الواقعي لـ {لا إله إلا الله}؛ وجبرائيل عليه السلام هو مجرّد ناقل هذه الحقيقة ومنـزلها إلى أفهام الناس عبر الوحي.
|
وكمْ له نظير أنْ تجد المحمول له الفقه أفقه من حامل الفقه وأفضل منه، فقد تجد عالماً كاتباً لرسالة عمليّة فقهيّة ليعمل بها المكلفون المقلِّدون في حين أنّ المقلِّد يكون مقدَّماً على نفس صاحب الرسالة العملية، فقد تجد أنّ الحقائق تنتقش في ذوات العوام الذين لم يقرأوا شيئاً من العلوم أكثر ممّا هي منتقشة في أولئك الذين درسوا العلوم وحصلوا ما حصلوا من العلوم الحصولية.
|
الحديث ليس بالتعليم والتعلم، بل الحديث هو بالوجدان والشهود والصيرورة نفس الحقيقة المخبر عنها والمطَّلع عليها، ولكنْ لا بدّ من الالتفات إلى أنّ صيرورة الحديث وهو الحقيقة الكامنة وراء الحديث لا تكون بالعبادة، بلْ تكون بالعبوديّة كما تبيّن معناها.
|
لوْ أنّ الحقّ تعالى انتخب شخصاً وخاطبه بخطاب العبودية، فإنّه يصل إلى تلك النقطة من التوحيد، في حين أنّ العابد قدْ يعبد مدة دوران الأفلاك ما يعبد، ولا يتحقّق له خطاب العبوديّة من الحقّ تعالى وتقدّس.
|
وهذا الاصطفاء العبوديّ لا يحتاج إلى مقدمات، بلْ إنّ الله فعّال لما يريد وهو خالق للأشياء من العدم، فلا حاجة للنظر إلى القابل حتّى يخلق الله فيه ما يريد، بل هو جاعل القابل وخالق كلّ شيء، وهذا هو معنى خلق الأشياء من العدم؛ فإنّ الحقّ خالق خلاّق من العدم، ولا حاجة لمادة الخلقة أصلاً حتّى يوجِد منها أيّ شيء.
|
عرصة الحقّ تعالى وساحة الكبرياء الإلهي ليست عرصة الأعمال والأفعال، بل إنّ الحقّ تعالى قد أعطى كلّ شيء لمن هو لا شيء، ومن هنا تجد أهل المعرفة يطلبون أنْ يكونوا لا شيء حتّى يأخذوا من الحقّ كلّ شيء.
|
أيّها السالك، ما دمت تحس أنّ لك وجوداً وأساساً ما، وما دمت تحس أنّ لك علماً وقدرةً، وما دمت تعتقد أنّ لك عبادة يمكن أنْ تقرّبك من الله، فلم يصلك خبرٌ حتّى الآن عن العبوديّة والتوحيد، فلا بدّ أنْ تريق كلّ ما عندك على قدمك، وعندما يصير الإناء خالياً، عندها يأتي قول الله تعالى: {هل أتى عَلَى الإنسان حينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكوراً}٦٢.
|
ففي ذلك الحين، يتنبّه الإنسان أنّه لا ينبغي له في مجال فكره وعقله أنْ تكون له أيّ أنانية؛ وما دامت الأنانيّة نصيب الإنسان في مقام ذاته وفكره، فليس له أيّ نصيب من حقيقة {إنا لله وإنا إليه راجعون}؛ ومن أراد أنْ يكون له هذا المقام، لا بدّ أنْ تكون له سنخيّة {لا إله إلا الله} حتّى يمكن أنْ يقال أنّه أدرك هذه الحقيقة.
|
إنّ وضع الحيثيات الماديّة من الثروة والمال والمقام جانباً في وجود الإنسان هو القدم الأولى في عالم السلوك، وإلاّ فما ينبغي أنْ يوضع جانباً هو نفس وجودك، فوجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنب.
|
فكلّ هذه الأمور التي نسعى ونجهد للتخلّص منها من ترك التعلق بالثروة والمال والمقام هي في المرتبة الأولى للسلوك، وأمّا الحقّ فهو أنْ ترفع وجودك من البيْن.
|
لأجل تفهيم هذه الحقائق تضرب أحوال العاشقين كأمثلة لبيان هذه الحالات والمقامات، ومَنْ لا يقدر على فهم شؤون العاشقين لا يمكنه أنْ يدرك هكذا حقائق.
|
مجنون ليلى أتى لزيارة ليلى فدقّ الباب، فسألتْ من الطارق؟ فقال: أنا، قالت: إذهب من حيث أتيت فنحن لا نفتح باباً لمن يقول أنا.
|
فذهب وبقي سنوات يحترق قلبه بالحبّ والعشق، ومن ثمّ أتى من جديد ودقّ الباب، فسألتْ: من الطارق؟ فقال: أنتِ، ففتحتْ الباب عند هذا الجواب.
|
{لا إله إلاّ أنت}، {لا إله إلاّ هو}؛ فلا يوجد غيرك، ولا يوجد غيره.
|
به دريا بنگرم دريا تو بينم
|
به صحرا بنگرم صحرا تو بينم
|
نشان از روي زيبا تو بينم
|
به هر جا بنگرم کوه ودر دشت
|
وهذا هو التّوحيد وهذا هو باب تحققه، فإنّ التّوحيد لا يتحقّق في عالم الحسّ واللمس بل هو صيروة الموحّد نفس الحقيقة المطلوب توحيدها مع نفي الحيثيات، وكمال التّوحيد هو الوحدة، وباب هذا التّوحيد هو الوحدة مع الخلق.
|
والصلاة على محمّد وآله الطاهرين.
|