الشهود التاسع والثلاثون
|
يقول (عليه السلام):
|
{بتشعيره المشاعر عُلم أنْ لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر علم أن لا جوهر له}.
|
عندما تُشاهَد الموجوديّة في الممكنات، يلتفت الإنسان ويطّلع أنّ هذه الموجوديّة للممكنات لم تكن من نفس هذه الممكنات، أيْ أنّ الموجود الممكن يعلم بطبيعة حيازته لهذه الموجوديّة أنّ هذه الموجوديّة قد أخذها من مكان آخر، لو صحّ القول، على نحو الحيازة، كما لو أنّ صاحب مال ما حصل على ماله عن طريق تجارة ما أو صناعة قام بها أو ما شابه.
|
وهذا النحو من الوجود في الممكنات ليس وارداً في ذات الباري تعالى وتقدّس، بل إنّ الموجوديّة المتحقّقة في ذات الباري تعالى ليست مأخوذة من موجود آخر، فإنّ الوجود الكامن في الوجود الإلهيّ المقدس وجودٌ واجبيّ، ومن صفات هذا الوجود الواجبيّ أنّه لا يُؤخذ أو يُنتزع من مقام وجوديّ آخر، بل إنّ كلّ المقامات الوجوديّة إنّما تأخذ وجودها وتتصف بالوجود بهذا الوجود الواجبيّ المقّدس.
|
كلّ من يحصل على أيّ وجود من مقام خارج عن وجوده وذاته فهو ممكن، ولوْ لم يكن كذلك فليس ممكناً وهو غنيّ بالذات، وكلّ ما لديه هو من نفس ذاته، فهو تعالى {لمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ}٣٥٤.
|
كلّ ما يُشاهد في الخلق من الوجود هو من أشّعة الذّات وهو اسم للذّات، وكلّ الموجودات هي آياته تعالى وتقدس، فهو لم يلد بمعنى أنّه لمْ ينفصل عنه شيء، ولو يولد بمعنى أنّه لمْ يحز على شيء من مقام خارجيّ، فكلّ الموجودات في عالم الوجود هي أشعّته وأنواره، فلا الذّاتُ أخذت من مكان ما، ولمْ يأخذ أحدٌ من الذّات.
|
أشرف الموجودات وهي الذّوات المقدّسة للمعصومين عليهم السلام هم الأسماء الحسنى، ويعتبر الارتباط بالذات، كما تبيّن، عن غير طريق الإسميّة والوصفيّة إلحاداً، فإنّ الله تعالى لم يلد ولم يولد.
|
يقول المولى عليه السلام: {وبتشعيره المشاعر عُلم أنْ لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عُلم أنْ لا جوهر له}.
|
لا يتصور أنّ الذات المقدسة لها نحو مشابهة أو مناسبة بين الموجودات بنحو تكون هي أشرف الموجودات، فإنّ أيّ نوع من المناسبة مفقود في مرتبة الذات، وما يقال من الفناء في الله هو في مقام الإسم، وما يقال من الإستغراق في بحار التّوحيد هو باعتبار الإسم، ولكن من جهة أخرى، ليس للاسم أصالة من ذاته، بل هو مأخوذ من شعاع المسمّى.
|
ولو حاولنا أنْ نقرّب المطلب في هذا المقام، فإنّ أيّ تقريب ذهني لإدراك التّوحيد ليس حقيقة، بل هو مجرّد جولان فكري في هذا الباب حتّى يتحقّق التعظيم في نفس الموحّد تجاه ساحة قدس الحقّ، ويظهر العجز في المعرفة، وتظهر عند ذلك حقيقة: {ما عرفناك حقّ معرفتك}٣٥٥.
|
{بتشعيره المشاعر عُلم أنْ لا مُشعر له}؛ لأنّ الحقّ أعطى الشعور، عُلم أنّه لم يُعطَ الشعور، {وبتجهيره الجواهر عُلم أنْ لا جوهر له}؛ فلا يتوهّم أحدٌ أنّ الله تعالى له جوهريّة ذاتية.
|
{وبإنشائه البرايا عُلم أنْ لا مُنشئ له}؛ هو الذي أعطى الوجود لكلّ الموجودات، فيُعلَم أن لا مُنشئ وجوديّ له.
|
{وبمضادته بين الأمور عُلم أنْ لا ضدّ له}؛ هو الذي أعطى التضادّ في خلقة الأشياء من قبيل المرأة والرجل والنور والظلمة والسواد والبياض، وهذا يدلّ على أنّه لا يوجد تضاد في مقام صفاته، أيْ عندما يكون أرحم الرّاحمين فهو في عين هذا المقام أشدّ المعاقبين، وعندما يكون قابضاً، يكون في عين ذاك المقام باسطاً، فلا تضاد بين صفات الحق، فهو الذي يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، وهدايته عين إضلاله. ولكنّ الحكيم والفيلسوف لم يطّلع على هذا المطلب، فيتخيّل أنّ بين صفات الحقّ تضاد وتعارض.
|
وما ألطف أنْ يفهم الإنسان أنّ الهدايّة والإضلال واحد لدى الحقّ تعالى!
|
عندما يفهم الإنسان أنّ الحقّ تعالى يكون هادياً كما يكون مضلاًّ، فكما أنّ من هداه الحقّ قد وصل إليه، كذلك من أضلّه الحقّ أدبر عنه، وقد فعل الله نفس الفعل بهذين الشخصين لأنّ هدايته عين إضلاله وإضلاله عين هدايته، ولو فهم الإنسان هذا المطلب، فلن يهدأ لحظة واحدة من السّماع والرّقص، فلطافة هذه الحقيقة تجعل سامعها يطير إلى جهة الأفلاك الدائرة.
|
واز همه رو راه به تو
|
بس که هست از همه سو
|
اگـر راه را بي گردد
|
بـه تـو بـرگـردد
|
ورد في الحديث القدسي: {يا داود! لو يعلم المدبرون عنّي كيف انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقا إليّ وتقطعت أوصالهم من محبتي.}.٣٥٦
|
لو يعلم المدبر مدى شوق الله إليه، لحصلت له نفس تلك الحالة من الجذبة والوجد التي تحصل للعارف الكامل ولغلبت كلّ وجوده.
|
في الممكنات، تارةً تحصل حالة الحب وأخرى تحصل حالة النفور، ويوجد فرق بين الحالتين لدى الممكنات؛ وأما الحقّ تعالى فعندما يكون قابضاً فهو عين كونه باسطاً، ولو أنّ الله أعطى موهبة إدراك هذا المطلب لأحد فلا يجد ما هو أرفع منها.
|
الضالّ والمهتدي لهما حكم واحد في ارتباطهما مع الحقّ تعالى لأنّ منشأ ضلالته وهدايته واحد في الباطن، ولا يوجد تضاد بينهما كما يوجد في إدراكنا المفهومي والذهني.
|
والحقّ أنّه لا يوجد أرفع من هذا العرفان، ولمْ يضع شخص قدماً أرفع من هذه القدم في المعرفة بحيث يرى أنّ المتضادّات واحدة في ساحته المقدّسة.
|
هو الخير المطلق، وكلّ الخير منسوب إليه، ولا يصدر من ذات الحقّ إلا كلّ خير وحسن.
|
الآن نسأل: هل جهنّم خير أم سوء؟
|
لو سألت كلّ الناس يقولون إنّ جهنّم سيئة؛ ولكن يتكرّر السؤال: كيف يمكن لله الذي هو الخير المطلق أنّ يخلق غير الخير؟
|
هو الله خالق العالمين، وقد خلق مكاناً لا يوجد أسوء منه في هذا الوجود!! هل تظن أنّك تعرف الله جيداً؟!!
|
كلّ معرفتك واعتقاداتك، في هذا المورد، قد ذهبت هباءاً منثوراً.
|
الجنة والنار لهما حكم واحد؛ ولكنّ هذا الكلام غير مقبول عند الجاهلين وأهل البعد عن الحقّ حيث كانوا يكفّرون القائل بهذا القول على مرّ الأدوار.
|
إنّ عطر هذا الكلام فوّاحٌ ومثير لأصحاب الشامّة المعنويّة بنحو أنّ من يشتمّ هذا المعنى والحقيقة، لا يأتيه الغمّ أبداً وهو قوله تعالى: {ألا إنّ أولياء الله لاخَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنونَ}٣٥٧.
|
وقد وصلت رائحة هذا العطر الفوّاح إلى مشامّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك كان خطاب باطن النبي بلسان الوحي على هذا المنوال.
|
يقول تعالى: {لست عليهم بمصيطر}٣٥٨، ويقول تعالى في موضع آخر: {وما جعلناك عليهم حفيظاً وما أنت عليهم بوكيل}٣٥٩، وكذا: {إنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين}٣٦٠، وفي موضع رابع يقول: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}٣٦١، فهذا هو كلام خاتم الأنبياء صلّى الله عليه وآله حين جلس في هذه المرتبة، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يخاطب نفسه في هذا المقام، وهذا هو الوحي.
|
لا يوجد خارج وجود النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم أيّ شخص يحدثه، وهذا هو الوحي؛ وإنّما أتى جبرائيل ليبسط هذه الحقائق ويوصلها إلى أفهام الآخرين، وما لمْ يأت جبرائيل لبقي الكلام على حاله من الإختصاص بنفس شخص الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
|
وقد كانت شهادة أمير المؤمنين عليه السلام على هذا النحو، كما كانت شهادة الإمام الحسين عليه السلام يوم عاشوراء، فقد كان أمير المؤمنين عليه السلام يتصرّف مع كلّ الناس بحالة من التسليم المطلق، حيث كان ينجز عمله بنفسسه من دون النظر إلى غيره أصلاً.
|
وهي نفس حالة سيد الشهداء عليه السلام يوم عاشوراء حيث يقول: {يا إلهي صبراً على قضائك ولا معبود سواك، يا غياث المستغيثن}، فكان يرى أمر الله في كلّ شيء ولم يكن يرى غيره.
|
إنّ الله تعالى قد صوّر الحقائق على هذا المنوال وقد تجلّت هذه الحقائق التوحيديّة تامّة يوم عاشوراء بالحسين عليه السلام.
|
يا حسين! أنت المصوّر في هذا العالم ولا مصوّر سواك، وقد صوّرت وجمعت كلّ حقائق التوحيد في يوم عاشوراء: وكلّ يعمل على شاكلته:
|
مسلمان گر بدانستي که دين چيست
|
يقـيـن کـردي کـه ديـن در بت پرستي
|
درون هر بتي جانـيست پـنهـان
|
بـه زيـر کـفر ايـمـانـيست پـنـهان
|
به دين خوبي رخ بت را که آراست
|
که مي شد بت پرست گر او نمـي خواست
|
نسأل الله أنْ يخلّصنا من هذه الاثنينيّة في النظر إلى الحقائق ومن هذا الحَوَل في النظر إلى الأشياء.
|
{وبمضادّته بين الأمور عُرف أنْ لا ضدّ له، وبمقارنته بين الأشياء عُلم أنْ لا قرين له}؛ هو الذي لمْ يتّخذ صاحبة ولا ولداً ولا تأخذه سِنة ولا نوم.
|
إنّ قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} واحد مع قوله: {لم يتخذ صاحبة ولا ولداً}، وتصل هذه الوحدة إلى مستوى لا يوجد معه مؤنس، بل يكون هو مؤنس نفسه، فكلّ شيء منه أنيس معه، وكلّ شيء معه مقترن به، فهو لم يتّخذ رفيقاً ولا أنيساً.
|
في هذا المقام، يصل التوحيد إلى حدّ من الكمال والوحدة بنحو أنّ الاله لو أراد أنْ ينتخب شخصاً ما له، فإنّه يفنيه إلى حدّ لا يبقي له أيّ حيثيّة فلا تبقى مع ذلك أي إثنينيّة له مع الحقّ، فعند ذلك لا يفرض للحقّ قرين وشريك، فتظهر عند ذلك حقيقة: {شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو}، ويظهر أنّه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ويحصل الموحّد في ذاك المقام على مقام توحيديّ خاص؛ وأمّا لو أراد شخص أنْ يتوجّه إلى الله بنفسه فإنّ حيثيّة وجوده تبقى ولا تفنى إلاّ بإفناءٍ منه تعالى.
|
لو أراد أيّ سالك وأيّ مجذوب وعارف وحكيم وموحّد أنْ يسلك إلى الحقّ تعالى من جهة نفسه، فإنّ حيثيّة نفسه تبقى موجودة ولا تفنى من البين؛ وهذا شاهد على الإثنينية؛ وأمّا لو أراد بنفسه تعالى وتقدّس أنْ يجذب شخصاً إليه، فلن تبقي له أيّ حيثيّة، كما لم يبق للأنبياء أيّ حيثيّة.
|
{وبمقارنته بين الأشياء عُلم أنْ لا قرين له، ضادّ النور بالظلمة}؛ هو بنفسه ضادّ النور بالظلمة، وكم لهذا التضادّ مصاديق كثيرة في الخارج!
|
{والصرد بالحرور}؛ وجعل البرد مع الحرّ، فكما عنده شراب كافور، عنده كذلك شراب زنجبيل، وقد جعلا مع بعضهما البعض.
|
انتهى البحث إلى هنا أنّ كافة الحقائق قد جُمعت في الوليّ المطلق، فقد جُعل إشارة إلى تلك الذات الغيبيّة وجعلت فيه الصّفات المتضادة؛ تجده في ميدان الحرب يشهر سيفه، ولو نظر إليه الناظر لما ظنّ أنّه يوجد من هو أشدّ قسوة منه، ولكنّك تجده في زاوية الخربة يبكي ويتلطف بالأيتام، بحيث يقال أنّه لا يوجد من هو أوسع رحمة منه، وهاتان الحيثيتان موجودتان فيه، وهذا هو معنى أنّه جمع الأضداد.
|
كلّ أصحاب الفكر والنظر تحيّروا في أمير المؤمنين عليه السلام حيث جُمعت في الأضداد لأنّه مظهر الحقّ وخليفته، ومنشأ كلّ هذه الأضداد واحد وليس متعدداً.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|