الشهود الثامن والثلاثون
|
يقول (عليه السلام):
|
{قد جهل الله من استوصفه وتعدّاه من مثّله، وأخطأه من اكتنهه، فمن قال: أين فقد بوّأه، ومن قال: فيم فقد تضمّنه، ومن قال إلام فقد نهّاه، ومن قال: لِمَ فقد علّله، ومن قال: كيف، فقد شبّهه، ومن قال: إذْ فقد وقته، ومن قال: حتّى فقد غيّاه، ومن غيّاه فقد جزّأه، ومن جزّأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه، ومن بعّضه فقد عدل عنه}.
|
يبيّن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بياناً آخراً في التّوحيد، وهو أنّ طريق المعرفة المعهود لأهل المعرفة هو معرفة الأشياء بأضدادها، فإنّ الإنسان عادة ما يدرك البرد من الحرور، ويعرف النور من الظلمة، وكذا الحسن من السوء، والإيمان من الكفر، وهكذا.
|
إنّ طريق معرفتنا بالأشياء إمّا أنْ يكون عن طريق التضادّ المفهوميّ، وإمّا عن طريق التضادّ الواقعيّ العينيّ للأشياء.
|
وعلى هذا النمط من المعرفة، يبقى الإنسان مقيّداً في باب المعرفة، أيْ لو لم يكن هناك بردٌ فلن يتحقّق لنا مفهوم للحَرّ، ولو لم يكن هناك حَرّ، فلا يمكننا أن نفرض معنى للبرد؛ وقد جعل الله هذا التضادّ بين الأشياء وقيّد معرفتها بمعرفة ضدّها لأجل التوجّه إلى نقطة أساسيّة، وهي أنّ الله لا ضدّ له فهو متميّز عن الأشياء.
|
ولكنّ معرفة الحقّ في بحر التّوحيد من خلال ضدّه، وهو الشرك، باطلة؛ والإقرار بالله ووحدانيّته على أساس نفي الشرك باطل ومرفوض عند سلطان الموحّدين أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّه يمكن معرفة المخلوقات عن طريق التضادّ، ولكن لا يمكن معرفة الحقّ عن هذا الطريق، ولو أنّ شخصاً أراد أنْ يعرّف وحدانيّة الحقّ عن طريق نفي الشرك، فهو جزءٌ من الناس الذين قطعوا طريق الالحاد.
|
كما أنّ معرفة الحقّ في مقام الوحدانيّة والأحديّة من خلال تعدّد الأعداد ممنوعة، حيث أنّ الحقّ تعالى أحدٌ لا في مقابل الإثنين، وهو واحد لا في مقابل الثاني، كذلك لوْ أنّ شخصاً أراد أنْ يسلك طريق المعرفة، فلا بدّ أن يجدّد النظر أنّ معرفته لا يمكن أن تكون من خلال معرفة الضدّ.
|
نحن نعرف النور من الظلمة ونعرف الظلمة من النور، ولو لمْ يكن النور لا يكون عندنا مفهوم الظلمة، ولو لم يكن مفهوم الظلمة لم نفهم مفهوم النور.
|
لوْ أنّ شخصاً في هذا العالم أراد أنْ يعرف معنى "الله نور السموات والارض" عن طريق التضادّ، حيث يتصوّر الظلمة، ثمّ يقول أنّ الله نور، فلن يصل إلاّ إلى خلاف التّوحيد، ولو أراد أنّ يثبت التّوحيد من خلال نفي الشرك، فهو خلاف التّوحيد كذلك لأنّ فيه إثباتاً للشرك ولو مفهوماً، كما هو الأمر بالنسبة إلى الظلمة والنور.
|
يقول تعالى: {الله نورُ السّمواتِ والأرضِ مَثَلُ نورِهِ كَمِشْكاةٍ فيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزّجاجَةُ كأنّها كَوْكَبٌ دُرّيٌّ يُوْقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتونَةٍ لا شَرْقِيّةٍ ولا غَرْبِيّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمٍ تَمْسَسْهُ نارٌ نورٌ على نورٌ}٣٥١.
|
لو أنّ النار لم تصب هذا النور، فعندها يكون نور على نور؛ النار هنا هو الفكر والتعقّل والاستدلالات، فإنّ الاستدلال يحرق هذه المعرفة؛ هذا النور لا ظلمة فيه ولا تصور فيه للظلمة على الاطلاق.
|
الصادق هو الذي لا يفهم شيئاً من مفهوم الكذب في العالم؛ وعندما أقول أنّ الصادق هو الذي لمْ يفهم الكذب، فأنا كاذب لأنّي أفهم الكذب، ونفس الذي لا يكذب ولكن يفهم ما هو معنى الكذب هو كاذب، ولو بدرجة ما محدودة، وكلّ الأشياء الأخرى هي على هذا النحو.
|
إنّ من يفهم أيّ شيء في هذا العالم من خلال فهم الضدّ وإثبات ضدّه لم يفهم حقيقة هذا الباب ولم يتطرق إلى ذهنه طريق المعرفة.
|
لذلك، الصدّيقون والصادقون هم أولئك الذين لا يقولون عن أحد أنّه كاذب لأنّهم لا يفهمون ما هو الكذب في العالم، فالصادقون هم الذين لا طريق لمفهوم الكذب إلى وجودهم.
|
الإنسان عندما يريد أنْ يبرأ ذات باريه، يقول أنّ عنده إله لا يكذب، وكذا الأمر بالنسبة إلى النبيّ، فإنّ المعتقد بنبوّة النبيّ يعتقد بصدقه وعدم كذبه، ولكنّ هذا في الواقع أشدّ نقص يمكن أنْ ينسب للنبيّ.
|
لو أنّ شخصاً نفى عن الإمام المعصوم عليه السلام الأمور التي يعتبرها سيئة، فهو لم يعرف الإمام بعد.
|
إنّ نفي السوء نقص في مجال المعرفة، لأنّه إثبات للنقص ولو مفهوميّاً، ومن هنا، تنـزيه ذات الباري نقص في المعرفة، وهذا معنى "سبحان الله، سبحان الله"، أيْ لا تنـزه الحقّ تعالى بنفي الصّفات الناقصة عنه، فلا تقول إنّ الله لا يكذب ولا تقول إنّ الله لا يقوم بالأعمال القبيحة.
|
النور الذي يجده الإنسان مع عدم فرض الظلمة، والأحديّة التي يثبتها من دون فرض الأعداد هو طريق التّوحيد والمعرفة، ولذا قالوا أنّ العارف عندما يقطع الطريق في هذا المجال وينفي الصّفات السلبيّة عن الحقّ تعالى ويثبت الثبوتيّة له، فهذا أوّل الإنكار والإلحاد في طريق التوحيد؛ فكلّ من يصف الله فهو جاهل به، وهذا معنى قوله (عليه السلام): {جهل الله من استوصفه}، لأنّه وصف لله من خلال نفي الصّفات السلبيّة عنه، فعندما يريد أنْ يصف الله بأنّه عالم يقول أيْ ليس بجاهل، وعندما يريد أنْ يقول إنّه قادر يقول إنّه ليس بعاجز، وعندما يقول أنه عظيم فهو بمعنى أنه ليس ذليل، وكلّ هذا في الواقع جهلٌ به تعالى، وإلاّ فإنّ عظمة الله لا يمكن أنْ تعرف بما هو مضادّ لها من الصّفات وكذا باقي صفات الله.
|
هذه النقطة لطيفة جداً ولا بدّ أنْ تدقّقوا فيها كثيراً.
|
إنّ الله كريم، ولكن لا بمعنى أنّه ليس بممسك أو ليس ببخيل، فلا بدّ أنْ نخرج الصّفات الالهيّة عن باب التضاد، وإلاّ لزم علينا قول أمير المؤمنين عليه السلام: {قد جهل الله من استوصفه}.
|
هو كريم ولكن بدون أنْ معرفة معنى البخيل، وهذا في واقعه يؤدي إلى نفي البخل في هذا العالم، فلا يبقى بخيلٌ في هذا العالم لأنّ البخل منتفٍ فيه، والكذب على هذا النحو، ولو وصفت شخصاً ما أنّه كاذب فهو يكشف عن عدم وصولك إلى نقطة المعرفة.
|
آفرين بر نظر پاک خطا گوشش باد
|
پير ما گفت خطا بر قلم صنع نرفت
|
لو أنّ شخصاً نظر في كلّ موجود في هذا العالم بعين الحسن والجمال، فسوف ينتفي كلّ القبح في هذا العالم من نظره، بل لا ينبغي أنْ تقول إنّ القبح قد انتفى لأنّه لو قلت أنّ القبح قد انتفى، فهذا يعني أنّ القبح كان له تحقق في هذا العالم، وهذا في واقعه جهل.
|
العارف الكامل هو ذاك الذي انتفى القبح والسوء من كلّ نظره، ولم يدرك معنى القبح في هذا العالم في أيّ مورد في هذا الوجود حتّى الآن، فلا يعلم ما هو النقصان، وهذا هو الإنسان الكامل؛ ولا تفريق في مقام الإنسان الكامل بين المرأة والرجل.
|
زينب سلام الله عليها، وهي ابنة أوّل موحّد في عالم الوجود، بحيث أنّ كلّ الأنبياء حتّى ابراهيم لا يقدرون أنْ يدركوا حقيقة تراب نعاله، كانت مولوهة أمير المؤمنين عليه السلام، عندما دخلت قصر ذاك الملعون، قال لها: (كيف رأيت الله صنع الله بأهل بيتك؟)، فقالت سلام الله عليها: {ما رأيت إلاّ جميلاً}٣٥٢.
|
ولكن هذا من خصوصيّات العارف الكامل، وأمّا أنت فليست لديك تلك العين التي يمكن أنْ ترى فيها كلّ شيء جميلاً.
|
زينب سلام الله عليها عندما كانت في سنّ الطفولة الظاهريّة جلست مع أمير المؤمنين عليه السلام وسألته: يا أبي كيف يمكنك أنْ تحبّني كلّ هذا الحب الذي تبديه لي، مع أنّه لا يوجد في قلبك غير حبّ الله، فقال لها: يا زينب، إنّ محبّتك هي محبّة الله.
|
كلّ ما جرى في كربلاء لا يمكن أن يتحمله كلّ عالم الوجود، مع أنّ زينب سلام الله عليها قد تحمّلته كلّه، مع العلم أنّ معرفتهم (صلوات الله عليهم) لحوادث العالم غير معرفتنا نحن.
|
نريد منه أنْ يعتني بنا ويترّحم علينا ويلطف بنا بحق زينب سلام الله عليها وأنْ يعلّمنا كيف ننفي الأضداد في معرفة الحقائق، حتّى نعرف الصّدق بنحو نفسي من دون نفي الكذب، وحتّى نعرف العلم من دون معرفة الجهل، ومن يكون على هذا المنوال، لا يعتبر أيّ كاذب في هذا العالم، ولو قيل له ما قيل فلن ينفيه بل يقول عنه إنّه صحيح.
|
عن زيد الشحّام عن أبي عبد الله عليه السلام: {قال: قلت له إنّ عندنا رجلاً يسمى كليباً فلا نتحدّث عنكم شيئاً إلاّ قال: أنا أسلّم فسميناه كليب التسليم، قال: فترحّم عليه، ثمّ قال: أتدرون ما التسليم، فسكتنا، فقال: هو والله الإخبات قول الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات واخبتوا إلى ربّهم}٣٥٣.
|
هذا الجرح والتعديل والتحقيق للرجال يخرج الإنسان عن عالم المعرفة، ويسدّ باب المعرفة في وجه الإنسان.
|
كلّ ما ينقل عن الإمام فهو صحيح، وهذا يحتاج إلى كليب التسليم وهو من يصحح ويصدق كلّ ما وصل إليه من الإمام عليه السلام.
|
پير ما گفت خطا بر قلم صنع نرفت: قال شيخنا أنّ الخطأ لم يتطرّق إلى قلم الصنع الإلهيّ.
|
منم که ديده نيالوده ام به بد ديدم
|
منم که شهره شهرم به عشق ورزي
|
{ما رأيت إلاّ جميلاً}.
|
كلّ شيء لا بدّ أنْ يكون بهذا النحو، ولکن نفي الأضداد عن وجود الإنسان لا يتحقق إلاّ أنْ تتبدّل هويّة الإنسان، فهذه الهويّة مغموسة حتّى الآن بالجهل والهجران والبعد، ولا يمكن أنْ تتحقّق أي معرفة بالله إلاّ أن تتبدّل، ولا بدّ أنْ يشاهد هذا التغيير بنحو أنّ شخصاً قد يصاحب شخصاً طيلة سنوات عديدة، ولكنّه يجده بعد فترة قد تغيّر وشملته الرحمة الإلهيّة وهبّت عليه نسائم الولاية، فيقول عندها إنّي لا أصدق أنّ هذا الشخص صار على هذه الحال.
|
العارف والمؤمن والموحد يصل إلى مستوى لا يحتمل كذب أيّ شخص على الإطلاق في كلّ ما يقال، وهذا موجود في بعض الناس حيث يقولون إنّي لا أعلم إنْ كان يوجد كذب في العالم أو لا يوجد؛ ومعرفة هذا الشخص لم تتحصّل من باب التضاد، بل حصلت وصارت بالاطلاع المباشر على الحقائق.
|
أمير المؤمنين عليه السلام في نهاية المقام يقول إنّ الله لا بدّ أنْ يعرف على نحو لا يفرض فيه التضاد، فتمام الصّفات التي تتجلي في الحقّ لا بدّ أنْ تعرف عن غير طريق التضاد، وعندما تثبت لا بدّ أنْ تثبت بالعجز عن المعرفة والإثبات.
|
ولا تحصل المعرفة بالدرس والتدريس والمطالعة، بل لا تحصل إلاّ بلطف الوليّ المطلق؛ نسأل الله أنْ تنالنا هذه العناية.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
|