الشهود السابع والثلاثون
|
ورد في الحديث القدسيّ:
|
{كنت كنـزاً مخفيّاً فأحببت أنْ أُعرف فخلقت الخلق لكي أُعرف}٣٣٧.
|
يقول تعالى: {شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو}٣٣٨.
|
إنّ الأوّليّة في شهود توحيد الذات هي للحقّ تعالى، فالذات الربوبيّة شاهدة على وحدانيّة ذاته في ذاك المقام الذي كان ولمْ يكن معه شيء، وهذه الكينونة للحقّ تعالى هي بنحو أنّه لا يوجد ما هو غيره على الإطلاق، فهو وحده ولا أحد معه، وهو قوله عليه السلام: (سبق الأوقاتَ كونُه)، فكينونيّة الحقّ تعالى حيث كان ولمْ يكن معه شيء قد سبقت كلّ الأزمنة.
|
ونعم ما يقوله الخواجه في هذا الباب:
|
که نه از تاک نشان بود ونه از تاک نشان
|
من همان دم به دم از طايفه دورد کشان
|
لأجل إدراك مراتب التوحيد، لا بدّ من الغوص في نفس هذه المراتب، فليس إدراك مراتب التّوحيد بالكلام، ولا يطوى الطريق بالقيل والقال، وإلاّ فالكلّ يعرفون الكلام والتكلّم.
|
يقول الله تعالى: {وإنّ الدين لواقع}٣٣٩.
|
لا بدّ أنْ توضع قدم الإنسان في مقام {لا إله إلاّ أنا} حتّى يمكنه أنْ يقول {لا إله إلاّ أنا}، وما لم يصل الإنسان إلى حقيقة {لا إله إلاّ أنا}، لا يمكنه أنْ يفهم هذا المعنى ويطّلع عليه، ونفس الأمر يجري في مقام {لا إله إلاّ الله} ومقام {لا إله إلاّ هو} ومقام {لا إله إلاّ أنت}.
|
لا بدّ أنْ يطوي الإنسان مراتب التّوحيد حتّى يدركها وبالتّالي حتّى يقرّ بوحدانيّة الحقّ تعالى.
|
عندما نقول أنّ الحقّ كائن، فبمعنى أنّه كان ولم يكن معه شيء.
|
غير از خدا هيجگي نبود
|
يکي بود يکي نبود
|
يا راوي قصة التّوحيد هذه حيث تقول كان أحداً حيث لم يكن أحدٌ، كيف صار لديك خبر عن هذه الحقيقة؟
|
إمّا أن تخبر عن هذه الحقيقة وتتحدث عنها بلسانك، فلست من الحقيقة في شيء، ولو وجدت هذه الحقيقة فأين كنت أنت حتّى تقول كان أحداً حيث لم يكن أحدٌ؟
|
هو وحده ولا يوجد أحدٌ غيره.
|
عندما يذكر المعصومون عليهم السلام، يقال إنّه لم يكن فلك دوّار ولا بحر جار ولا جنّة ولا نار ولا أيّ شيء آخر، ولكنّهم كانوا (صلوات الله عليهم)؛ ولكن ههنا يطرح سؤال: كيف يمكن أنْ يتوافق وجودهم مع وجود الحقّ تعالى؟
|
لو أنّ شخصاً وجد وجوده في مقابل وجود الحقّ تعالى، فلا بدّ له أنْ يستغفر الله تعالى بعد طعامه وشرابه ونومه وعبادته، فوجودك ذنب لا يقاس به ذنب، وينتج عن هذا أنّ نفس الاعتقاد بوجودٍٍ في قبال وجود الحقّ تعالى ذنب لا يمكن أنْ يقاس به ذنب.
|
لا بدّ أنْ يكون من دون أيّ إدراك وجوديّ، ولو كان لا بدّ أنْ يكون واحداً لا إثنين، وهذا إنّما يحصل عند فناء الاسم في المسمّى وانتفاء التشخّص والتعيّن، فعند ذلك يمكنه أنْ يدرك الوجود.
|
في زيارة الإمام الحسين وزيارة أمير المؤمنين عليهما السلام وزيارة باقي الأئمة عليهم السلام نقول:
|
{السلام عليك يا وتر الله الموتور}٣٤٠.
|
هذه الوحدة التامّة التي يعبّر عنها بمقام الوتريّة هي الوحدة التّي لا نظير لها ولا مثيل.
|
أنظروا هنا كيف أنّ وتر الله الموتور ينسب إلى نفسه وجوداًَ، ولكن كيف يمكن أنْ ننفي الحيثيّة في قبال الحقّ؟
|
في هذا المقام، ما لم نقرّ بالتّوحيد لا يمكن نفي الحيثيّة، فلا بدّ أنْ نقرّ بالتّوحيد أولاً، وعند ذلك يتبيّن كيف تنتفي الحيثيّة؟
|
ولكنّ الوادي خطيرٌ حيث أنّ العبور من هنا يحتاج إلى المدد، ومن دون مدد الحقّ لا يمكن العبور ولا يتيسّر الطريق.
|
إلهي ما هي هذه الحيثيّة التي لا بدّ أنْ تنتفي حتّى يصل الموحّد إلى التّوحيد ويقرّ به؟
|
أولاً لا بدّ من التمسك بجناب محمّد وآل محمّد للوصول إلى التوحيد.
|
ولكن ما هي حقيقة ظهور الاسم فيهم بحيث نجد التّوحيد ونشاهده فيهم، ومن ثمّ ننفي الحيثيّة الإنفصاليّة عن هذه الذوات المقدسة في منطقة التوحيد.
|
الوجود واحد ولا يوجد وجودين ولا ثلاثة وجودات ولا أربعة، فالذات الربوبيّة لا تقبل التعداد والتكثّر، فهو وجود واحد.
|
وفي ذاك الوجود الواحد يقول الإمام الصادق عليه السلام نقلاً عن أمير المؤمنين عليه السلام:
|
{كنّا بكينونيّته قبل الحلول في التمكين وقبل مواقع صفات التمكين في التكوين كائنين غير مكونين ناسبين غير متناسبين أزليين لا موجودين ولا محدودين}.٣٤١
|
نحن أهل بيت النبي كنّا قبل أنْ يتحقق مفهوم التكوين في عالم الوجود، ولكنّنا كنّا بكينونيّة الحق.
|
أوّل مرتبة في التّوحيد هي الإقرار بهذه الحقيقة، وهي آخر مرتبة كذلك، وهي أنّ هؤلاء (صلوات الله عليهم) كانوا عندما كان الله ولم يكن معه شيء، وهذا هو التّوحيد التام.
|
{فعلّق حجاباً بينه وبينهم، فمباينته إيّاهم مفارقته إنيّتهم}؛ إنّ نفي الوجود هو نفي إنيّتهم، وقد نفوا أيّة حيثيّة لهم في ذاك المقام، فقد كان هو ولم يكن أحدٌ. فافهم.
|
قال الشاعر:
|
در هما ميخ رنده جام ومدام
|
اين قدر از صفاي مي و لطافت جام
|
وقال كذلك:
|
رقّ الزجاج ورقّت الخمر فتشاكلا وتشابه الأمر
|
فكأنّما خمر ولا قدح وكأنّما قدح ولا خمر
|
فهو شفاف ولطيف إلى حد أنّ الإنسان يتحيّر ما هو؟ هل هو الخمر أم هو القدح؟
|
عندما يقول: {كان الله ولم يكن معه شيء}٣٤٢، فمعناه وجود موجود بدون أيّة حيثيّة له.
|
كلّ ما نقوله من الحديث إنّما يصل إلى السامع بقدر وجوده، إلاّ أنْ يصل الإنسان إلى الاضمحلال والفناء الوجوديّ التّام.
|
قال تعالى في الحديث القدسي: {كنت كنـزاً مخفياً فأحببت أنْ أعرف}.
|
إنّ أوّل ما شرّع من الحقّ تعالى وظهر هو المحبّة، وعندما ظهر العشق أحرق كلّ العالم.
|
ثمّ قال: {فخلقت الخلق لكي أُعرف}، وقد ورد في كلام أمير المؤمنين عليه السلام: {خلق الخلق فعلّق حجاباً بينه وبينهم}.
|
هذا الحجاب هو الحقيقة المحمديّة، وهي واحدة مع الحقيقة العلويّة والفاطميّة وباقي حقائق الأئمة عليهم السلام، وقد جعلهم الله حجاباً، وكلّ من يريد أنْ يشاهد الله لا يمكن أنْ يعبر من هذا الحجاب، ومن هنا، فإنّ مشاهدة جمال هؤلاء هي مشاهدة جمال الحقّ والإرتباط معهم هو الإرتباط مع الله، والاتصال معهم هو الاتصال معه تعالى، إلى أنْ نقول أنّ العبوديّة لهم هي العبوديّة للحقّ.
|
في زيارة الإمام الحسين عليه السلام نقول:
|
{السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا ابن رسول الله، عبدك وابن عبدك وابن امتك المقرّ بالرقّ}٣٤٣، كما ورد: {اللهم فصلّ على محمّد وآل محمّد أولي الأمر الذين فرضت عليهم طاعتهم}٣٤٤.
|
إنّ طاعة الأئمة عليهم السلام هي طاعة الله.
|
روي عن الرضا عليه السلام: {يا أبا الصلت من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه صلوات الله عليهم، هم الذين بهم يتوجه إلى الله وإلى دينه ومعرفته}٣٤٥.
|
يقول تعالى: {شهد الله أنّه لا إله إلا هو}٣٤٦.
|
كلّ من يصل إلى مقام شهود التّوحيد، يتحصّل له نفس الشهود التوحيديّ للحقّ تعالى، ويتدرّج في شهود مراتب التّوحيد من {أشهد أن لا إله إلاّ الله} إلى {أشهد أن لا إله إلاّ هو} و{أشهد أن لا إله إلاّ أنت}، فكلّ من يشهد هذه الحقائق في هذه الموارد والمقامات، إنّما يشهد شهود الله لهذه الحقائق: {شهد الله أن لا إله إلا هو}، ولا يمكن لأيّ شخص آخر أنْ يصل إلى هذا الشهود.
|
ولكن هناك مرتبة أرفع من هذا الشهود بكافّة مراتبه، وهو وجود الموحّد المبيّن للتّوحيد، فإنّ ذاك الموحّد يشهد بوجوده بأن {لا إله إلاّ الله} لا بلسانه.
|
عندما يقول (صلّى الله عليه وآله): {من كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله دخل الجنة}،٣٤٧ فمعناه أنْ لا يتكلّم بغير هذا الكلام، لا أنّه يقول هذا القول في آخر حياته في هذه الحياة الدنيا، وإنْ كان نفس هذا القول جيّداً، ولكنّ المقصود هو الشهود الوجوديّ التوحيديّ بأنّه لا إله إلاّ الله.
|
إنّ هذا الموحّد يعاين شهود {لا إله إلاّ الله} في تمام وجوده وذاته.
|
إنّ تمام خطبة التّوحيد في أرفع إشاراتها هي لأجل أخذ البشر إلى مكان "كان ولم يكن معه شيء".
|
لو كان هناك خالقٌ واحدٌ، ومخلوقٌ شاهدٌ بوحدانيّة الحقّ مشهوده، ففرض الشاهد والمشهود هنا شركٌ، وقد بيّنت كلّ هذه الكلمات الشامخة في التّوحيد حتّى يرتفع الشرك من البين.
|
{هو ظاهر لا بمزايلة}، أيْ لا يزول عن مظاهره.
|
في ذاك المقام، لو أقررنا بحيثيّة الأشياء فنحن نقرّ بالشرك لا بالتوحيد.
|
في مقام "كان ولم يكن معه شيء"، لو أقررنا بالظهور الأوّلي وهو العقل الأوّل والصادر الأوّل، وأقررنا بوجودهم (صلوات الله عليهم) مع وجود الحقّ فهو إقرار بالشرك لا بالتوحيد، فلا بدّ أنْ نؤسّس أساساً يكون فيه الاسم واحداً مع المسمّى، وهو الإقرار بالتوحيد؛ وبعبارة أخرى، الحلّ هو أن يكون الإقرار متعلقاً بمحمّد وآل محمّد حتّى نجد الطريق إلى التوحيد، فعندما يتمّ الرجوع إلى الحقّ تعالى، {إنا لله وإنا إليه راجعون}٣٤٨.
|
وقد ورد في الدعاء الرجبي: {لا فرق بينك وبينها إلاّ أنّهم عبادك وخلقك}.
|
إلهي، لا يوجد بينك وبين هذه الذوات المقدسة فرقٌ إلاّ أنهم عبادك وهو معنى قوله (عليه السلام): {العبوديّة جوهرة كنهها الربوبية}٣٤٩.
|
ومن هنا يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {أنا الأول أنا الآخر أنا الظاهر أنا الباطن}٣٥٠، والنطق بهذه الكلمات يحتاج إلى جرأة لا يملكها أحدّ غير سيد الموحّدين، وهذه الحقيقة، وإن كانت موجودة في الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وموجودة في الأئمة عليهم السلام، ولكنّها ظهرت في أمير المؤمنين عليه السلام، وهو إعتبار توحيديّ.
|
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام أوّل لأنّه أدرك بالتوحيد الأوليّة، وهو آخر لأنّه أدرك بالتوحيد الآخرية، وهي الأوليّة التي لا يفرض لها آخرية، والآخريّة التي لا يفرض لها أوليّة، والأمر سيّان بالنسبة إلى الظاهر والباطن.
|
عندما يبيّن أئمتنا عليهم السلام مراتب التّوحيد، فهم يبيّنونه بالنظر إلى وجودهم وإدراكه، وبيانه لنا يحصّل لنا القرب، وأمّا إدراكه فلا يتحقّق إلاّ بالفناء الكامل فيهم (صلوات الله عليهم).
|
لا يتحقق الفناء في الله لأحد إلاّ أنْ يكون فانياً في محمّد وآل محمد؛ (يا رب الحسين، يا رب الحجّة، يا رب أمير المؤمنين).
|
او كه مى رفت مرا هم به دل دريا برد
|
من خس بي سرو پايم که به سيل افتادم
|
إنّ الصلوات هي التي تحقّق هذا الأمر وتنجزه، فالصلوات هي الإرتباط مع هذه الحقيقة التي وصلت إلى التوحيد، وهي طلبٌ من هذه الحقيقة أنْ تحملنا معها.
|
مقتضى السلوك أنْ تقول: أينما كنت خذني معك حتّى يكون يصحّ السلوك، وأمّا المعرفة والعرفان فيقولان: متّى كنت منفصلاً عنّي حتّى تكون الآن معي ومتصلاً بي؟
|
هذا هو العرفان وهذا إنّما ينكشف للسالك في آخر المطاف حيث يقول: لو لم أكن معه لما أمكنني أنْ أقول من الأوّل خذني معك، وهذه هي المعرفة.
|
أيْ أنّ جواب الصّلوات هو معرفة الصّلوات، فالجواب أنّه قد كنت معنا من الأوّل، بل ونفس وجودك صلوات.
|
أيّها الشّيعي الذي تترنم بالصلوات، لقد كنت متّصلاً من الأوّل، ولكن لم يكن لديك خبر عنه حتّى الآن، ولكنّ وجودك ذنبٌ لا يُقاس به ذنب.
|
وصلّى الله على محمّد وآل محمّد.
|