التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود الخامس والثلاثون
في خطبته عليه السلام في إخلاص التوحيد، يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

{إنّ أوّل عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصّفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف وشهادة كلّ صفة وموصوف بالإقتران، وشهادة الاقتران بالحدث وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من حدثه، فليس اللهَ عرف من عرف ذاته، ولا له وحّد من نهّاه، ولا به صدّق من مثّله، ولا حقيقته أصاب من شبّهه، ولا إيّاه أراد من توهّمه، ولا له وحّد من اكتنهه، ولا به آمن من جعل له نهاية، ولا صمده من أشار إليه، ولا إيّاه عنى من حدّه، ولا له تذلّل من بعضه، كلّ قائم بغيره مصنوع، وكلّ موجود في سواه معلول.

بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول تعتقد معرفته، وبالفكرة تثبت حجته، وبآياته احتجّ على خلقه، خلق الله الخلق فعلّق حجاباً بينه وبينهم فمباينته إيّاهم مفارقته إنّيتهم وإيداؤه إيّاهم شاهد على ألاّ أداة فيه لشهادة الأدوات بفاقة المؤدين، وإبتداؤه إيّاهم دليل على أنْ لا ابتداء له، لعجز كلّ مبتدء عن إبداء غيره.

أسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم وذاته حقيقة وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه، قد جهل الله من استوصفه وتعدّاه من مثّله، وأخطأه من اكتنهه، فمن قال: أين فقد بوّأه، ومن قال فيم فقد تضمّنه، ومن قال: إلام فقد نهّاه ومن قال: كيف فقد شبّهه، ومن قال: إذ، فقد وقّته، ومن قال: حتّى، فقد غيّاه، ومن غيّاه فقد جزأه، ومن جزّأه فقد وصفه، ومن وصفه فقد ألحد فيه، ومن بعّضه فقد عدل عنه}.

للحق تعالى أسماء، ولكن ما هي طبيعة هذه الأسماء الالهية؟ وما هو الإعتبار الذي يمكن أنْ نجده ونطّلع عليه من الإسم؟ وما هي الجهة البيانيّة التي يمكن أنْ يكشف عنها الإسم؟

يقول (عليه السلام): {وأسماؤه تعبير}.

إنّ الاسم الإلهي غير مسماه، ولكن عندما نقول: زيد جالس، فليس الذي جلس هو الاسم اللفظي أو الكتبي بل نفس زيد جلس؛ نعم، الاسم تعبير عن الذات، وهو مبيّن للمسمى وكاشف عنه، ولكنّ الاسم ليس عين الذات، بل هو مَظهر المسمّى ومُظهر المسمّى.

عندما يقول تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}٣٢٥، ويقول: {سبّح اسم ربّك}٣٢٦، فنفس هذا التعبير قابلٌ للتسبيح، ونفس هذا الاسم التعييني قابلٌ للتسبيح، وأمّا ذاته فغير هذا الاسم.

يقول تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيّا ما تدعوا، فله الأسماء الحسنى}٣٢٧، كما يقول: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}؛ إنّ هذا الاسم بنفسه قابلٌ للتحميد والتعظيم والتكريم، فإنّ له مرتبة من مراتب التعظيم والإكرام من جهة إرتباطه بالمسمّى، ولكنّه غيره لأنّه مخلوق، والروايات والبيانات كثيرة تشير إلى أنّ كلّ الأسماء الإلهيّة مخلوقة ولكنّه غير مخلوق.

{أسماؤه تعبير}، إنّ الأسماء الإلهيّة تعبيرٌ عن المسمّى الربوبي؛ {وأفعاله تفهيم}، لو أراد الله أنْ يبيّن لشخص حالة من الأحوال الالهيّة فإنّما يبيّنها له بالفعل، فإفهام وتفهيم كلّ الحقائق بالفعل.

تقول فاطمة الزهراء سلام الله عليها في باب التوحيد، وهو أرفع كلام في هذا المجال: {وفعله قوله}، وعندما يقول (عليه السلام): {البلاء للولاء}، فلإفادة هذه المعنى.

عندما تصف آيات القرآن المؤمنين وتخبر عن بعض شؤونهم فهذه الأوصاف في المؤمنين قد وضعت على نحو الفعليّة والقرآن يتحدث عن أفعال المؤمنين، ولذا الصديقة الطاهرة تقول سلام الله عليها: {وفعله قوله}.

كلّ ما أراد الله أنْ يبيّنه، إنّما يبيّنه بالفعل والعمل بدل القول.

الكذب سيّء والتهمة سيّئة، ولكن لا يمكن أنْ يفهم الإنسان مدى سوء هذه الأفعال بمجرد أنْ يُخبر عنها، بل لا بدّ أنْ يدرك معناها بأنْ يكذّب عليه ويتّهم، فعند ذلك يمكنه أنْ يدرك مقدار سوء هذه الرذائل.

عندما يقول تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}٣٢٨، فهذه المعيّة هي الإيجاد وتحقيق الفعليّة لا مجرّد القول أنّه معكم، فعندما يقول أنّه معكم فهذا يعني أنّه معكم على نحو الفعليّة التامّة، فهذه المعيّة هي دائماً مع الخلق وليست مجرد كلام وقول.

{أسماؤه تعبير وأفعاله تفهيم وذاته حقيقة}؛ ذات الحقّ حقيقة خارجة عن الاسم والصّفة، {وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه}.

مگر رسد خس به قعر دريا

به کنه ذاتش خرد برد پي

عندما يجد الإنسان ويشاهد كمال التّوحيد، الذي هو الوحدة حيث لا موجود غيره، عند ذلك يدرك هذه المعيّة مع الحقّ، فيرجعه أمير المؤمنين عليه السلام إلى مقام لا يُقال معه بأيّ حدّ وقيد، فهو بلا نهايّة ولا حدّ وغير قابل للتشخيص.

هنا يصل الموحّد إلى مرتبة يدرك فيها هذه الوحدة، حيث يطّلع على حقيقة أنّ الذات الربوبيّة ليست ما وصل إليه الواصل؛ في هذا المقام يدرك السالك أنّه لمْ يصل بعد إلى المقصد.

کــه منـزلگه معشوق کجاسـت

کــس نــــــدانـســــت

موسي اينجا به اميد قبسي مي آيد

اين قدر هست که بُنگ جرس نمي آيد

{وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه}؛ إنّ إنتهاء الأمر بالإستغراق في بحار الوحدة لا يعني الوصول إلى كنه الذات، بل وكنهه تفرقة بينه وبين خلقه.

لذا يقول سيد الساجدين عليه السلام، وهو لسان كلّ المعصومين عليهم السلام: {ربّ زدني فيك تحيراً}٣٢٩، ويقول في موضع آخر: {زدني فيك معرفة}٣٣٠.

لا يوجد من هو أرفع من حضرة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم ومن سيد الواصلين أمير المؤمنين عليه السلام، مع أنّهما قد جلسا في هذا المقام مجلس العجز، حيث يقول (صلّى الله عليه وآله): {ما عرفناك حقّ معرفتك}، أيْ أنّنا لم ندرك حقيقة هذا الأمر.

في هذا المقام، لا بدّ من تفريق الخالق عن الخلق، فالخلق لا يمكن أنْ يصير خالقاً، كما لا يمكن أنْ تكون الهداية ضلالاً.

{قد جهل الله من استوصفه}؛ كلّ من وصف الله لمْ يعرفه، لأنّ معرفة الله تكون لمن وضع قدمه في وادي الحيرة ويقول على الدوام لمْ أعرفه، وأمّا من يتحدث عن معرفة الحقّ فهو جاهل به.

أمير المؤمنين عليه السلام بعد أنْ يتكلم بكلّ تلك الكلمات، يقرّ في النهايّة بالجهل في مقام الذات الربوبيّة.

{قد جهل الله من استوصفه وتعدّاه من مثّله}؛ كلّ الأمثال التي نضربها لبيان مقام ذات الحقّ هو تعدّي وتجاوز عن حقّ المعرفة، فلا يمكن معرفته تعالى بضرب المثل.

{وأخطأه من اكتنهه}؛ من يدعي أنّه وصل إلى كنه المعرفة فقد أخطأ، وهو ناشئ من زعمه وخياله.

{فمن قال: أين فقد بوّأه}، فالذات الربوبيّة منـزهّة عن أيّ مكان وظرف.

{ومن قال: فيم فقد ضمّنه}؛ قد جعل الحقّ تعالى مع غيره، والحقّ تعالى منـزّه عن أنْ يكون مضمّناً في شيء.

{ومن قال: إلام فقد نهّاه}، فمن أشار إلى الذات الربوبيّة بإلام فقد نهّاه.

{ومن قال: لم فقد علّله}، وأمّا الحقّ تعالى فهو منـزّه عن التعليل ومنـزّه عن تحصيل العلة له، فقبول العلة في ذات الحقّ تعالى محالٌ.

{ومن قال: كيف فقد شبّهه}؛ الكيفيّة للحقّ هي تشبيهه بالموجودات، وهو تعالى منـزّه عن التشبيه.

{ومن قال: إذ فقد وقّته}؛ والذات الربوبيّة منـزّهة عن الوقت والحين.

{ومن قال: حتّى فقد غيّاه}، فكلّ من قال بـ(حتّى) و(إلى) للحقّ تعالى فقد جعل له زماناً ومكاناً ونهايةً، فالحقّ لا يقبل الحتّى ولا يقبل الغايّة والنهاية.

الحقّ تعالى ليس له نهايّة، لا نهايّة "إلى" ولا نهايّة "حتّى"، ومن قال: حتّى، فقد جعل له غايّةً وتماماً.

ولو وصفه المخلوق فقال: بلا نهايّة، فنفس هذا الكلام من لسان المخلوق نهاية، وأمّا اللاتناهي الصحيح، فلا بدّ أنْ يكون بلسان الذات الربوبيّة.

{ومن غيّاه فقد جزّأه}؛ من جعل للحقّ تعالى غايّة فقد جزّأه، لأنّ لازم الغايّة والنهايّة هو وجود الإبتداء والأوليّة له، فإنّ لازم قبول النهايّة الإقرار بالإبتداء الذي له غاية، في حين أنّه الأوّل بلا آخر، وهو الآخر بلا أوّل، وهذه الأوليّة والآخريّة هي غير ما يطرأ على ذهن البشر، فهي الأوليّة التي لا يفرض لها أيّ انتهاء؛ ومعرفة هذا لا تكون إلاّ لمن صار مرتبطاً بهذه الأوّليّة.

لو أنّ شخصاً قال للحقّ بالنهايّة، فقد قال له بالأوليّة وهذا تجزئة لأنّه فصلٌ للأوّل عن الآخر، وأمّا أوليّة الحقّ وآخريّته فهي تلك الأوليّة من دون آخر، والآخريّة من دون أوّل.

{ومن جزّأه فقد وصفه}؛ من يجزّأ الله بنسبة صفات له على نحو التجزئة من قبيل الأوّل والآخر والظاهر والباطن والغيب والشهود فقد وصف الله، وأمّا الحقّ تعالى فليس قابلاً للوصف ولا التفهيم.

{ومن وصفه فقد ألحد فيه}؛ الملحدون يصفون الله، في حين أنّ الألسنة هنا كلّها بكماء، والأعين كلّها عمياء والأيدي والأرجل كلّها مقطوعة، والعقول والأفكار كلّها متوقفة، ولا يوجد أيّ طريق لوصفه ومعرفة قدره.

{ومن بعضّه فقد عدل عنه}؛ من ذكر هذه الأوصاف للحقّ تعالى فقد قال بالتبعيض، ومن قال بالتبعيض فقد عدل عن الحقّ تعالى وعن الذات الربوبيّة.

مگر رسد خس به قعر دريا

به كنه ذاتش خرد برد پي

ورد في دعاء الصباح عن المولى أمير المؤمنين عليه السلام: {يا من دلّ على ذاته بذاته وتنـزه عن مجانسة مخلوقاته}.

إنّ الحقّ تعالى منـزّه عن كلّ الأجناس التي نعطيها إيّاه، فلا المتكلم يعرفه ولا الفيلسوف يعرفه ولا العارف يعرفه، فكلّ من يصفه فهو يصف حال المتكلم لا غير، ولا يعرف إلاّ نفسه.

ومن هنا ورد عن الإمام الصادق عليه السلام في معنى "الله أكبر" أنّ الله أكبر من أنْ يوصف.

ومن هنا، بالمقدار الذي ترتبط به برابطة المحبّة والعاطفة فهذا يكفيك، ولكن ماذا نفعل لحصول كلّ هذه المطالب التي نوجّهها؟

الله تبارك وتعالى جعل حجاباً بينه وبينهم، وهذا الحجاب النوريّ هو الحقيقة المحمديّة والعلويّة والفاطميّة وحقيقة الأربعة عشر معصوماً، وحصول هذا الإرتباط لا بدّ أنْ يتمّ بهؤلاء الكمّل عليهم السلام، ولا بدّ من التوجه إلى تلك الحقيقة بهؤلاء، وإلاّ فلا مجال للوصول إلى ذاك المقام ولا وضع اليد في ذاك الموضع.

كلّ الأحاديث التي تقال حول مقاماتهم (صلوات الله عليهم) وشؤونهم، وهي خارجة عن الفكر والتعقل والظاهر والباطن، هي لأجل أنْ لا تنسى أمير المؤمنين عليه السلام ولا تنسى صاحب الزمان عجّل الله فرجه الشريف، فكلّ ما تريده، يا طالب الله ومريده، موجودٌ في هذه الأنوار الأربعة عشر الطاهرين.

يقول تعالى: {وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة}٣٣١، هنا يقول الله تعالى أنّ كلّ ما تريدونه منّي موجود في هؤلاء فاطلبوه فيهم.

وصلّى الله على محمّد وآل محمد.