التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود الرابع والثلاثون
إحدى المسائل التي نعتقد بها في التّوحيد، وهي جزء من مباني التّوحيد، هي مسألة الدّور والتسلسل في القواعد الكلاميّة والفلسفيّة والحكميّة حيث نذكر لها جواباً صحيحاً إن شاء الله.

لا بدّ من التنبّه أن مسائل التّوحيد لا تتمّ لو لم تحلّ مسألتي الدور والتسلسل، وحقيقة الأمر أنّه في كلّ باب نُنْهي المعلول إلى علّة ما، لا بدّ أنْ تقف العلة عند حد حتّى لا يقع إشكال الدور أو التسلسل، فالولد معلول وجود الأب والأم، ونفس الأب على سبيل المثال من جهة كونه ولداً معلول لأمّه وأبيه حتّى يصل الأمر إلى حدّ لا بدّ أن يقف عنده، فلا بدّ أن يصل هؤلاء الأولاد إلى حدّ نقول فيه إنّ هناك أباً أخيراً لم يتولّد كآدم أبي البشر على سبيل المثال.

كلّ الأمهات تصل إلى حوّاء حتّى يصلن إلى مورد تكون فيه حواء بلا أمّ ولا أب، ومن هنا لو قال أحدٌ لشخص إنّك بلا أب ولا أم ففي ظاهر الأمر والعرف الاجتماعي هذه كلمة سوء تقال له، ولكنّ الواقع أنّ هذه رفعة له لأنّ من لا يكون له أب ولا أم له شباهة ومشاكلة بالشؤون الربوبيّة، طبعاً هذا مع التوجّه إلى هذه المسألة.

الهدايّة لها سلسلة مراتب في وضعها الذاتي، فكلّ هدايّة تستمدّ أمرها من هادٍ ما، ولكن من أين يأخذ هذا الهادي هدايته؟

هنا لا بدّ أنْ يوجد منبع هدايّة في وجود الهادي وهو العلم الّلدني؛ رسول الله صلى الله عليه وآله كان أميّاً بمعنى أنّه لم يكن له معلّم لا أنّه لم يكن له علم ولم يكن يعرف القراءة والكتابة كما يقول البعض.

كلّ العلماء يتلمّذون عند من هو أرفع منه وهو بدوره قد تلمّذ عند غيره، وأمّا نفس النبي الأميّ صلى الله عليه وآله وسلم فلم يتلمّذ عند غيره، بل ما كان عنده كان من ذات وجوده.

الذات الربوبيّة هي مبدأ ومنتهى كلّ الحقائق من الأسماء والصّفات، فهو تعالى وتقدّس الأوّل بلا أوّل والآخر بلا آخر وإليه يرجع الأمر كلّه.

هذا المعنى وهذه الحقيقة تحتاج إلى ظهور في الخارج كبقيّة أسماء وصفات الحقّ تعالى، فأسماء وصفات الحقّ لا بدّ لها من تعيّن وجودي خارجي حتّى يشار إليها، فهذه الأوليّة لا بدّ أنْ نراها في موجود ما، ولا بدّ أنْ نرى هذا الحدّ اليقفي لإبطال الدّور والتسلسل في موجود ما تنتهي كلّ الأشياء إليه وهو بنفسه لا ينتهي إلى شيء.

{وإياب الخلق إلينا}، مآل كلّ الموجودات إلينا، فكلّ الوجود على الإطلاق يرجع إلينا، فلو بدأنا من أيّ موجود نقول إنّه يرجع إلى ما هو أرفع وهكذا حتّى ينتهي الأمر إلى موجود وهو المخزن والمعدن والمنبع لهذا الحسن ولكنّه بدوره لا يرجع إلى شيء.

في الزيارة الجامعة {وإياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم}، وبقول بابا كوهى: إنّ كلّ من يريد أنْ يطوي هذا الطريق بالتفكّر والتعقّل يحترق ويذوب؛ إلهي فما هو الطريق الذي لا بدّ أنْ يطويه الإنسان حتّى لا يتحيّر فيه ويطويه؟

خدا مى دونه آن كس كه رفته

قدمها مومى و اين راه تفته

الأقدام الشمعيّة تصبح ماءً، وفكرنا على هذا النحو.

خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم زهرة عالم الوجود يقول: {ربّ زدني فيك تحيراً}.

التحيّر من الوله، وكلّ من له وله فهو متحيّر، فالوله يورث التحيّر والتحيّر ينتج من الوله، وفي هذا المقام يظهر الله، وما لمْ يصل الإنسان إلى مقام التحيّر ولمْ ينته وجوده إلى الوله لا يمكنه أنْ يعرف الله لأنّ الله من الوله بمعنى المألوه.

التحيّر يتّكئ على الوله والوله يُظهر ويورث التحيّر، وما يصدر من البين هو الإله، فالإله من الوله.

لو كان من أله فهو بمعنى اتّكأ، ولو كان من وله فهو نفس حالة التحيّر التي ذكرناها.

{ربّ زدني فيك تحيراً}، ولكن لماذا؟ حتّى يظهر الوله، ولكن لماذا؟

حتّى أدرك مقام الله، فالله هو الإله وهو الذي يزرع الوله في وجود الإنسان، وعندما نفخّمه يصير الله وهو الذي يزرع الوله غير المتناهي، فهو الله.

يقول تعالى: {الله لا إله إلاّ هو}٣٢٢؛ ولكن من يمكنه أنْ يقول هذا القول؟ من وصل إلى مقام التحيّر والوله يمكنه أنْ يقول {الله لا إله إلاّ هو} ولا أحد سواه.

ذكروا مراتب عديدة للسالك منها الجذبة والصّبر والإرادة والرّضا والتسليم والتوكلّ إلى كثير من المراتب الكثيرة الأخرى التي لا نهايّة لها، وآخر هذه المراتب التحيّر والتحيّر من الوله.

الله أكبر الله أكبر!!

الوله -الذي يرفع الإنسان إلى مقام التحير- يخرج ويظهر منه الله الذي هو أكبر من كلّ شيء، ولا يوجد ما هو أكبر منه وأرفع منه، فهو أكبر من أنْ يوصف.

كلّ الموحدين وعلى رأسهم خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم عندما وصلوا إلى نقطة الوله وجدوا وشاهدوا الله.

{اللهمّ إنّ قلوب المخبتين إليك والهة}٣٢٣، فإنّ الإخبات هو حالة معنويّة يحصل من ورائها الوله، والرابطة بين هذه الحيرة والوله هي الإخبات، فالإخبات هو حالة يصفها السيد رضي الدين آرتماني:

به عقل آفرينان ديوانه ات

إلهي به مستان ميخانه ات

هذا هو الإخبات، وقد ورد أنّ جابر بن يزيد الجعفي كان من المخبتين.

ثمّ إنّ الناس لا تقبل إعتقاد وفكر من تحصل له هذه الحالة، بل ولا يقبلون مسلكه أيضاً.

لو أنّ شخصاً صار يدور ويتحرّك على مدار التّوحيد من الصباح حتّى المساء على أثر جذبة تلقّاها، فتمام الناس يجتمعون عليه ليأخذوه إلى دار المجانين، بل ويتأمّلون فيه كيف يأكل ويشرب ويجلس وكيف يسلّم ويلبس وكيف يعبد وكيف وكيف؟.

لو أنّ شخصاً على مدار الأربع وعشرين ساعة تحرّك على هذا المنوال، فإنّ أقرب الناس إليه يذهبون به إلى دار المجانين؛ ولو رأوه يحرّك شفتيه بذكرٍ يقوله، يتّهمونه بأنّه يتكلّم مع نفسه، فيسألونه عن حاله، هل أنت جيّد؟ هل أصابك مكروه؟ وقد يصل الأمر إلى حدّ يشكّ هو في نفسه لعلّه خولط أو ما شابه.

لو أنّ جذبة إلهيّة جذبت شخصاً واحداً ساعة واحدة، سوف تنصبّ عليه كلّ نظرات الناس وكلّ كلام الناس واتّهاماتهم.

فرزند وعيال وخانه مون را چه كند

آن كس كه تو را شناخ چون را چه كند

ديوانه تـو هر دو جهان را چه كند

ديوانه كنيـد هر دو جـهان را بخـشيد

{اللهمّ إنّ قلوب المخبتين إليك والهة، وسبل الراغبين إليك شارعة}، كلّ من له رغبة وميل نحو الحقّ تعالى فالطريق مفتوح أمامه، وأمّا الطريق المقفل فهو لمن لا رغبة لديه.

الحيرة مرتبة في السلوك، وهي أعلى المراتب في هذا الباب لأنّ فيها ولهٌ حيث يترنّم السالك في هذه المرتبة بذكر الله، فالواله هو الذي وجد الله.

وهذا التحيّر يعمّ ويشمل كلّ الناس يوم القيامة، ففي أعقاب أخذ الروح يتعرّض الناس لجذبات معنويّة تؤدي بالإنسان إلى حالة من السكر والتحيّر، وهو ما يسمّى بسكرات الموت.

أنظر إلى عظمة اللطف الإلهي حيث أنّ الأولياء يقطعون ما يقطعون من الطريق للوصول إلى مرتبة الوله والتحيّر ويجدون فيها الله، ولكنّ الله تعالى يهب الناس، يوم القيامة، السكر والحيرة التي هي أرفع المراتب المعنويّة التي يمكن أن يتذوقها السالك ويشاهدها ويجدها في وجوده، وهذا كلّه مشاهدة لله تعالى ومشاهدة لأسمائه وصفاته.

وقد أصابت هذه الحالة الحرَّ يوم عاشوراء، حين ورد ميدان المعركة سكراناً متحيّراً غير قادر على التقدّم.

أولئك الذين شربوا يعلمون أنّ السكران لا يمكنه أنْ يقطع الطريق وحده فيحتاج إلى من يسنده، وهذا على عهدة من شرب، وأمّا نحن فلم نشرب لا ظاهراً ولا باطناً فلا نعلم ما هو أثرها، فأولئك الذين شربوا يعلمون أثرها، وأمّا نحن فمن أولئك الذين سكروا من دون خمرة.

في حالة السكر، لا تراعى حرمة الساقي، وإلاّ فلا يكون سكراً؛ يوم القيامة، لا يراعي المجرمون حرمة الساقي، ولكنّ ساقيهم يوم القيامة هو الله.

إلهي ندعوك ونتوسّل إليك بسكارى بيتك إذا جاءتهم سكرة الموت.

عند ذلك، يصبح كلّ شراب العالم قطرة واحدة، ثمّ تصبّ هذه القطرة على التراب، ولو أنّ شخصاً أدرك ووجد سرّ السكر حيث تصبح كلّ مادة السكر في عالم الطبيعة قطرة مصبوبة على التراب، فيكون قد طالع حقيقة هذا السكر.

اگر شراب خورى قطره فشان بر خاك

از اون گناه كه نفعى رسد به غير چه باق

به عـقل آفرينـان ديـوانه ات

الهى بـه مستـان ميخــانه ات

نـهـان از دل وديـده مردمـن

الهى به آنــان كـه در تو گمن

دل زنــده وجــان آگـاه ده

به ميخـانـه وحـدت ام راه ده

کند لايقم بـحر بزم وحـضور

مگر جرعه اي زون شراب طهور

به هر جا شدم سر به سنگ آمدم

که از هستي خـيش تنگ آمـدم

أمير المؤمنين عليه السلام يوصي الإمام الحسين عليه السلام:

{أي بني حسين، لا تؤيس مذنباً}٣٢٤، لأنّك بناء عالم الوجود وبناء الرّحمة والمكرمة والرجاء فيه، ولا تكن خلاف ما خلقك الله لأجله.

حالة الحيرة هذه، التي هي مقدمة السكر تأخذ الإنسان إلى الوله، وعندما يظهر عليه الوله، فعندها يقول الله أكبر، و {من كان آخر كلامه لا إله إلاّ الله دخل الجنة}، ولا يحتاج إلى شيء آخر غير هذا الكلام الحاصل من الوله، وهذا هو المنتهى إليه.

في مقام الوحدة، الأمر على نحو أنّ الواله يجد الله، فتسقط الصفة عنه وتسقط كلّ إضافة ولا تبقى عند ذلك إلاّ الذات الربوبيّة وهو الله، ولا يبقى للواله أيّ نقش أو رسم وجوديّ.

وصلّى الله على محمّد وآل محمد.