الشهود الثالث والثلاثون
|
يقول (عليه السلام) في خطبته في إخلاص التّوحيد:
|
{إنّ أوّل عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصّفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كلّ صفة وموصوف بالإقتران وشهادة الإقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالإمتناع من الأزل الممتنع من حدثه، فليس الله عرف من عرف ذاته، ولا له وحّد من نهّاه، ولا به صدّق من مثّله، ولا حقيقته أصاب من شبهه، ولا إيّاه أراد من توهمه، ولا له وحّد من اكتنهه، ولا به آمن من جعل له نهاية، ولا صمده من أشار إليه ولا إيّاه عنى من حدّه، ولا له تذلّل من بعضّه، كلّ قائم بغيره مصنوع، وكلّ موجود في سواه معلول}.
|
إحدى شواهد التّوحيد هي ملازمته مع صَرف وإخراج وبسط كلّ الوجود بالنسبة إلى نقطة توحيديّة، أيْ أنّ كلّ إنسان وكلّ موجود ومخلوق هو مشمول لكلّ صفات الحقّ تعالى، وهو معنى قوله: {ولا له تذلّل من بعّضه}.
|
كلّ من لمْ يصل إلى التّوحيد يتخيّل أنّ الرزق في هذا العالم هو الموجودات المتعددة الكثيرة بلا حساب وعدد، فيتخيل أنّ الرازق يقسّم الرزق بالنسبة للمرزوقين، أي أنّ الرازق يقسم رزقه الذي بين يديه على كلّ من له رزق عنده، وهذا التصوّر ناتج من عدم معرفة التوحيد، فيتخيّل أنّ تمام رازقيّته تعالى مصروفة لكلّ أفراد المرزوقين سواء كانت بنسب متساويّة أو متفاوفة.
|
ذاك الذي لم يصل إلى التّوحيد يتخيّل أنّ الله أرحم الراحمين بمعنى أنّه يعطي كلّ من لهم استحقاق الرحمة بنسبة ما، فيتصور أنّ رحمانيّته ورحيميّته هي بهذا النحو، ويتخيل أنّ غفّاريّة الحقّ مقسومة على المذنبين والمجرمين بنسب معيّنة، وحيث أنّ غفّاريّة الحقّ غير متناهيّة فهي تصل إلى الجميع.
|
ولكنّ الحقّ أنّ هذا الاعتقاد شرك حيث يُعتقد أنّ تمام غفّاريّة الحقّ تعالى مصروفة ومقسومة على الأفراد بحسب الاستحقاق لهذه المغفرة.
|
من المهم أنْ يتوجّه الإنسان إلى هذه النقطة بنحو دقيق، وهي أنّه في مقام ظهور الأسماء والصّفات الإلهية، ليس لدينا إلهٌ يقسّم الأمور على هذا النحو، بل الأمر على خلاف ما هو متصوّر.
|
عندما يريد الله أنْ يعطيك ويرزقك، فإنّ كلّ غفّاريته تأتي وتنصبّ عليك، ويضعك في مكان تتخيّل فيه بل تتيقّن- وإلاّ فالتخيّل هو لمن لمْ يصل إلى التّوحيد- أنّه لا يوجد عبد غيرك، فلا يوجد غير هذا الشخص مشمولاً للرحمة والمغفرة والعفو، بل يعتقد أنّ كلّ الألوهيّة منصبّة عليه لتغفر له وتعطيه وتلطف به.
|
إنّ التبعيض في العبوديّة موجبٌ للتشتّت في مقام السلوك المعنوي وهو موجب للإثنينيّة، كما أنّ التبعيض في المبدأ موجب للشرك.
|
عندما يظهر العالِِم، فإنّ كلّ علمه ينصبّ ويتعلّق بذاك المعلوم، وعندما يظهر الغفّار فإنّ كلّ غفّاريته تنصب على ذاك المغفور له.
|
وهذه الحقيقة لها ظهور وتجلّي حيث أنّ الله قد خلق شخصاً ليكون خليفة ومظهراً له؛ يقول تعالى في كتابه الكريم:
|
{وما أرْسَلْناكَ إلاّ رَحْمَةً للعالَمينَ}٣١١ فقد صار عالم الخلق والأمر واحداً في هذا المقام.
|
كلّ هذه الرحمة للعالمين مصروفة لكلّ فرد من هؤلاء المحتاجين لهذه الرحمة الإلهية، فليس ظهور الاأسماء الإلهيّة على نحو التقسيم والتبعيض، فإنّ وجود رسول الله رحمة الحقّ للعالمين.
|
عندما يشرق نور الشمس على عالم الوجود ويتصل بعالم الحسّ والطبيعة، فهل يقسّم هذا النور إلى أقسام بنحو يكون لكلّ موجود شمس ونور؟
|
قطعاً هي شمس واحدة ونور واحد وشعاع واحد ولكنّ المجالي والمجاري متعدّدة، فالكثرة في عالم الطبيعة ليست موجبة للكثرة في عالم الحقيقة، وعندما تسطع الشمس في ألف باب وألف نافذة فهذا لا يعني أنّ هناك ألف شمس وألف نور، بل إنّ هذه الأبواب والنوافذ هي المتعدّدة ولا يسري هذا التعدّد إلى الشمس والنور.
|
كلّ الشمس وكلّ أشعتها تُصرف لكلّ موجود، ولوْ فتحت عينك بأنْ شاهدت حقيقة هذه الشمس لوجدت داخل كلّ ذرّة مئة شمس مشرقة، ولوجدت داخل كلّ قطرة مئة بحر صاف، فقطرة الماء مستغنيّة بنحو أنّه يوجد داخلها ألف بحر زاخر، والذّرة مستغنيّة عن الشّمس حيث يوجد في داخل ذاتها آلاف وملايين الشموس الطالعة.
|
وفيك انطوى العالم الاكبر
|
أتزعم أنّك جرم صغير
|
درون قطره صد بحر صافى
|
درون ذره صد خورشيد تاب و
|
خداوند دو عالم راس منـزل
|
به دين خورديك آمـد حبه دل
|
عندما يقول تعالى إنّه غفّار، فليس على نحو التبعيض، بل إنّ كلّ غفّاريته تُصرف لك أيّها المذنب وأنت لا تعلم هذا!!
|
ألا ينبغي أنْ تتعرّف على التوحيد!؟
|
كلّ ما للحقّ من غفّاريّة في عالم التكوين مصروفة بتمامها لكلّ مذنب مذنب، وهذا هو الفناء الإجباري، فهو فانٍ بالجبر في غفّاريّة الحقّ تعالى، وتمام عالم الوجود قد أخذ رشحات الفيض الإلهي بالكلّ.
|
وهذا هو معنى دعاء كميل: {اللهم إنّي أسئلك برحمتك التي وسعت كلّ شيء}٣١٢، أيْ الّلهم إنّي أسألك برحمتك التي أخذت كلّ الوجود فرداً فرداً، فكلّ مقدار من الرحمة الإلهيّة غير متناه، ويصل لكلّ فرد مستحقّ لهذه الرّحمة.
|
في هذا المورد نريد أنْ نبيّن أمراً في حقيقة التجلّي والظهور، ولبيانها نحتاج إلى ضرب مثال ما.
|
لو لمْ يُجعل خلف المرآة لوحاً مظلماً، فإنّه لا يشار إلى تلك الرّحمة النازلة؛ لوْ لمْ يكن لوحٌ مظلمٌ، فإنّ النور يعبر من اللّوح الزجاجي ولا ينعكس، ومن هنا يضعون خلف الزجاج ما هو كدِرٌ حتّى تنعكس الصورة.
|
في تجلّي وتلقّي الحقائق والأسماء الإلهية، كلّما كان الإنسان منغمراً في المعصيّة أكثر كان احتياجه إلى الرحمة أكثر، ممّا يؤدي إلى إنعكاس الرحمة وتجلّيها عليه بنحو أكبر.
|
يقول تعالى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب جميعاً}٣١٣، ولكن لماذا يغفر الله الذنوب جميعاً؟
|
لأنّ كلّ رحمته تنصبّ عليك، وإلاّ لو كانت بعض مغفرته تنصبّ عليك لغفرت بعض ذنوبك وتُركت الأخرى بلا مغفرة.
|
عندما تنعكس صور المحبوب ومظاهره المتعددة من الستّاريّة والغفّاريّة في المرآة، فلوْ لمْ تكن المرآة مكدّرة فإنّ النور يمرّ عليها ولا ينعكس، ولذا ورد في بعض الروايات أنّه لو لم يعص البشر، بمعنى أنّه لو لم يوجد كدر وراء هذا الزجاج، لخلق الله بشراً يذنبون حتّى يغفر لهم وتظهر مغفرته ورحمته.
|
ولذلك ذاك المنغمس في الذنب هو الذي يدرك حقيقة المغفرة وهو الذي يتذوّقها، فعندما يكون الإنسان عطشاناً ويصل إلى الماء يشعر أنّه شرب كلّ الماء من المنبع، ولوْ لمْ يعطش لا يمكنه أنْ يدرك معنى الإرتواء، فالعطش هو تلك اللّحظة الفاصلة بينه وبين الهلاك، وفي تلك اللحظة يدرك الإنسان معنى الإرتواء.
|
كنت مرة متوجهاً إلى زيارة الإمام الرضا عليه السلام مشياً مع بعض الشباب، من التربة الحيدريّة إلى مشهد، وقد وصل العطش بي إلى مستوى أحسست فيه أنّ كلّ ماء العالم لا يمكنه أنْ يرويني.
|
يقول تعالى: {لو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله}٣١٤، كلمات الله هنا هي رحمة الحقّ ومغفرة الحقّ تعالى، ولكن لا بدّ أنْ يأتي ذاك العطش، ولذلك يقول المثنوي:
|
تا بجوشد آب از بالا وبس
|
آب كم جو تشنگى آور به دست
|
ورد في دعاء كميل: {اللهم إنّي أسألك برحمتك التي وسعت كلّ شيء}٣١٥.
|
وورد في الحديث القدسي: {عبدي خلقت الأشياء لك وخلقتك لأجلي}٣١٦، وهذا يعني أنّ الله يعطي حين عطائه كلّ ما لديه، بحيث يفني عبده في مغفرته.
|
إنّ الله يصبّ رحمته على عبد مذنب واحد بقدر ما يمكن أنْ يملأ عالم الوجود بأكمله، بل الأمر أعظم من هذا، ونفس هذا الكلام ناشئ من فكرنا الناقص.
|
كلّ هذه الحقائق تضجّ بنداء التوحيد، ولوْ لم يكن الإنسان متوحداً مع المبدأ وواحداً معه، كيف يمكن أنّ تُصَبّ كلّ هذه الرحمة عليه؟!
|
إنّ هذه الرحمة لا تصبّ إلاّ أنْ يكون الإنسان واحداً مع المبدأ، وهو قوله تعالى: {إنا لله وإنا إليه راجعون}٣١٧.
|
فلنقرأ مجدداً المناجاة الشعبانيّة ولنر ماذا يقول أئمتنا عليهم السلام؛ الأئمّة عليهم السلام يبيّنون أنّ كلّ رحمة الله مصروفة لكلّ فردٍ من الموجودات ولا يظنّ أحد أنّها مصروفة فقط للأنبياء الذين بلغوا في القرب والتّوحيد ما بلغوا، وليست كذلك مصروفة فقط للناس، بل هي مصروفة لكلّ الموجودات من جمادات ونباتات وحيوانات، بل إنّ الذرّة التي لا يحسب لها أيّ حساب تُصرف وتُصبّ عليها تمام ألوهيّة الحقّ في تمام الأسماء والصّفات؛ لا تحتقر الذرة فإنّها عظيمة جداً.!
|
قد يأتي على الإنسان حال ما يكتشف فيها هذا الإرتباط وهذه الرحمة الإلهيّة النازلة بتمامها.
|
بشر الحافي عندما وضع قدمه على الأرض شاهد إرتباط التراب مع المبدأ، فعند ذلك شاهد المبدأ، وهذا شاهد على أنّ الحقّ تعالى متجلٍ في كلّ عالم الوجود من أرفع مراتبه إلى أعلاها، فخلع نعليه حتّى آخر عمره ومشى حافياً ولذا سُمّي بالحافي.
|
ما ترونه تراباً وتحتقرونه ليس تراباً بل هو طور سيناء عالم الوجود، ولذلك عباد الرحمن المطّلعين على العشق والرحمة في عالم الوجود يمشون على الأرض هوناً، ويعشقون كلّ شيء في هذا العالم، ولو أنّ الناس فعلوا بهم ما فعلوا من الأفعال القبيحة والسيّئة فإنّهم لا يتركون العمل بل يصرّون على حركتهم في عالم التكوين لأنّهم يرون كلّ هذا العالم رحمة الحقّ تعالى، فعباد الرحمن لا غرض لهم من وراء عملهم، بل ينجزون كلّ أعمالهم في هذا العالم ويتعاملون مع الناس في هذا العالم على أساس المحبّة، وصفاتهم أنّهم يمشون على الأرض هوناً لأنّهم يعلمون أنّ هذه الأرض كانت مورد عنايّة الحقّ تعالى حيث مشى عليها الأولياء قبلهم.
|
كلّ رحمة الحقّ مصروفة في وجود كلّ ذرة في عالم الوجود وهذا هو معنى قوله عليه السلام: {ولا له تذلل من بعضّه}، أيْ كلّ من يقسم صفات الحقّ تعالى لم يخضع في قبال عظمة التّوحيد.
|
هذا الظهور الأتمّ في الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وهو قوله تعالى {وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين}٣١٨ قد لا يراه البعض على نحو التعميم والكليّة فيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن هنا تظهر هذه الرحمة الواسعة الكليّة في وجود الإمام الحسين عليه السلام.
|
يا رحمة الله الواسعة! ولهذا تجدون أنّ الروايات الموجودة في باب زيارة الإمام الحسين والبكاء عليه والارتباط به (عليه السلام) تبيّن أنّ كلّ ما لديك من القبح والسوء ينقطع وينعدم لو طويت هذا الطريق؛ ولكن لماذا؟ لأنّه رحمة الله الواسعة، وهذه الرحمة الواسعة تُصرف على نحو الكليّة على الملوّثين والعاصين.
|
يک فروغ رخ ساقيست كه در جام افتاد
|
اين همه عكس مى ونقش نگارين كه نمود
|
بسـيار بجويند، گنـاهکار نيـابـند٣١٩
|
در قيامت گر لطف تو خيزد به شفاعت
|
هذا البيان نتمّمه بكلام وهو أنّ الرّحيم والرّحمن والغفور والودود وكلّ الأسماء والصّفات من الجماليّة والجلاليّة للحقّ تعالى قد صُرفت في كلّ موجود، ومن هنا، أيّها الإنسان أنت مظهر كلّ أسماء وصفات الحقّ تعالى بالكلّ ولا بدّ أنْ يعرف الإنسان قدره.
|
وفيك انطوى العالم الأكبر
|
أتزعم أنّك جرم صغير
|
وليس الإنسان وحسب، بل الذّرة بهذا القدر.
|
الإمام الحسين عليه السلام، وهو الموجود غير المعروف، تلقّى كلّ الأسماء والصّفات الإلهيّة من الحقّ تعالى، ولذلك يقول: {متّى غبت حتّى تحتاج إلى دليل}٣٢٠، فأينما كان ينظر كان يراه.
|
ونفس أبوه أمير المؤمنين عليه السلام يقول : {ما رأيت شيئا إلاّ ورأيت الله قبله وبعده ومعه وفيه}٣٢١.
|
كلّ الالهيين يرون الله أولاً في الأشياء ثمّ يرون الأشياء من جهة، ومن جهة أخرى يرون الشيء ثم يرون الله، ومن جهة ثالثة يرون الشيء والله فيه.
|
لا يوجد أيّ موجود خالٍ عن السيطرة والسلطنة الوجوديّة للحق تعالى حيث أنّ للأسماء والصّفات سيطرة على كلّ الاشياء، وهذا هو معنى الظلّ الممدود.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطيبين.
|