الشهود الثاني والثلاثون
|
في هذه الخطبة النورانيّة وباقي خطب وكلمات أمير المؤمنين عليه السلام وكلمات بقيّة المعصومين عليهم الصلاة والسلام، يبيَّن التّوحيد ولكن بعجز لا نهايّة له حتّى في نفس هذه الكلمات، حيث يقول رسول الله خاتم الانبياء صلى الله عليه وآله وسلم: {ما عرفناك حقّ معرفتك}٣٠٢.
|
تلك المعرفة التي جعلوها للعموم، ولا يوجد طريق آخر غير ما يُستدل به على المؤثر عن طريق الأثر ويُتعرّف على الخالق من المخلوق هي توحيد عمومي، ومفتاح الدخول إلى وادي التّوحيد هو هذه المقدمة.
|
وأمّا في باب المعرفة التي خطى فيها نفس الأئمة المعصومين عليهم السلام وبالخصوص أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّ طريق التّوحيد كان معرفة المبدأ أوّلاً، أيْ يتمّ الوصول إلى التّوحيد أولاً، ومن ثمّ تكون معرفة الأثر والخلق ومعرفة الصنع والمصنوعات.
|
في هذه الخطبة يقول عليه السلام: {بصنع الله يستدلّ عليه}، فهذا الطريق طريق استدلاليّ، وفي مورد الإستدلال على منكري التّوحيد يقال: {بصنع الله يستدلّ عليه}، فكلّ من يقول أنّ الله غير موجود لا بدّ أنْ يكون هذا هو طريقه المعيّن، فمع هذا الإنسان الجاهل لا مجال إلا هذا الخطاب، وأمّا ذاك الذي قطع وادي المعرفة ووصل إلى نقطة التّوحيد فإنّ هذا الطريق، وهو {بصنع الله يستدلّ عليه}، لا يؤمّن له سلوك طريق التوحيد، فلا يمكن لسالك طريق التّوحيد أنْ يغوص في وادي معرفة التّوحيد بوسيلة الأثر وإشارة المخلوق على الخالق، فلا بدّ أنْ نرى بأيّ شيء يستدل على أيّ شيء؟
|
عندما يقول تعالى: {شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو}٣٠٣، فلا بدّ للإنسان أنْ يصل أولاّ إلى نقطة التّوحيد ومن ثمّ يتعرف على صنع الله، وهذا هو توحيد الخواص.
|
في نهج البلاغة، كتب أمير المؤمنين عليه السلام رسالة لمعاويّة ولكنّ معاويّة لم يردّ جواباً، ولو ردّ على المولى أمير المؤمنين عليه السلام لردّ كلّ العالم عليه (عليه السلام).
|
قال أمير المؤمنين عليه السلام لمعاوية:
|
{يا معاوية، فإنّا صنائع ربّنا والناس بعد صنائع لنا}٣٠٤، وهو نفس ما بيّنه (عليه السلام) لأهل الكوفة: {أنا أحيي وأميت}.
|
ولكنْ كيف وصل إلى هذا المقام؟ وصل إليه بالتّوحيد أيْ صار واحداً مع المبدأ.
|
ورد في الحديث القدسي: {لا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً وقلباً ويداً ورجلاً إن دعاني أجبته وإن ناداني لبيته}٣٠٥.
|
عيسى بن مريم عليه السلام إنّما صار قادراً على الاتيان بالمعجزات لأنّه صار واحداً مع المبدأ.
|
وبعبارة أخرى، يمكننا أنْ نسأل هذا السؤال المهمّ: ما هو باطن المعجزة وحقيقتها؟ فما هو الذي يجعل فلاناً قادراً على المعجزة وغيره غير قادر عليها.
|
إنّ المعجزة دلالة على أنّ فاعل المعجزة صار واحداً مع المبدأ، فكلّ ما يصدر عن المبدأ يصدر عن المتوحّد معه، وهذا هو نداء التوحيد.
|
إنّ الله وحده يمكنه أنْ يقوم بهذه الأفعال، ولا يوجد متصرف غيره في عالم الوجود، ولكن عندما نسمع أنّ عيسى بن مريم يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى، فهذا لا يعني وجود إلهين بل هذا يعني أنّ عيسى بن مريم عليه السلام صار واحداً مع المبدأ.
|
لوْ لمْ يدقّق الإنسان في فهم هذه الحقائق، فسوف يخرج الشرك من قلب التوحيد، وهو قوله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم باللهّ إلا وهم مشركون}٣٠٦.
|
لا، هو واحد وليس اثنين، ولكنّ التّوحيد ظهر في هذه الموارد.
|
عيسى بن مريم كان يحيى الموتى، ولكنّه لمْ يدّع ما ادعّاه أمير المؤمنين عليه السلام، حيث يقول (عليه السلام): {أنا أحيي وأميت}.
|
عندما كان يحيى عيسى بن مريم الموتى كان يقول أنّه يحيى الموتى بإذن الله، وهذا الإذن هو نفس الولاية.
|
يقول تعالى: {إلاّ من أذن له الرحمن}٣٠٧؛ إنّ الرّحمن هنا هو الولاية.
|
الحقّ يهلك الظالمين، وقد أهلك فرعون، ولكنّ نبيّاً كانت له قدرة ولائيّة من محمّد وآل محمّد إستطاع أنْ يهلكهم بإغراقهم بالماء.
|
يأتي شخص إلى الحرم المطهّر لأمير المؤمنين عليه السلام في زمان بحر العلوم، ويلقي شعراً فيقول:
|
باز آمدم موسى صفت تا كه يد بيضاء كنم
|
فرعون وقومش سر به سر مستغرق دريا كنم
|
وكان شاباً في حوالي الثّمانيّة عشر سنة، فعندما سمعوه يقول ما يقول، صار الناس يتناقشون معه في فساد أقواله، ولكنّهم لم يستطيعوا أن يتفاهموا معه، فغدوا ينجّسونه ويوجبون قتله لكفره.
|
فعندما علم بحاله السيّد بحر العلوم، وهو الذي وصل إلى خدمة بقيّة الله، جلس معه، فوجد الناسُ السيّدَ جالساً معه بكمال الخضوع يحتسي كوباً من الشاي واضعاً أنبوب النرجيلة في فمه.
|
إنّ هذا الشابّ كان قد وصل إلى مرتبة التّوحيد والولايّة في حين أنّ الآخرين لم يكونوا قد وصلوا، وقد أدرك السيّد بحر العلوم، وهو من أهل الإنصاف، مقامه بل وقد طوى نفسه طريقاً ما حتّى وصل إلى خدمة إمام الزمان روحي وأرواح العالمين له الفداء.
|
باز آمدم موسى صفت تا كه يد بيضاء كنم
|
فرعون وقومش سر به سر مستغرق دريا كنم
|
أولئك الذين يقومون بأفعال الله إنّما وصلوا إلى التوحيد، ولا يتحقّق التّوحيد إلاّ أنْ يكون من مجرى محمّد وآل محمّد، وذاك الشابّ حيث قد سلك هذا المجرى فقد وصل إلى هذه النتيجة من التوحيد، فصار قادراً بذلك أنْ يقوم بفعل الله تعالى.
|
إنّ إبراهيم لم يحترق بنار نمرود لأنّ الله لا يحترق بنار نمرود ولا نار غيره، وحيث أنّه وصل إلى التّوحيد، فلمْ يحترق بالنار، وقد وصل إلى هذا التوحيد من مجرى محمّد وآل محمد.
|
قد يأتي شخص ويدعي أنّ له معرفة بالتّوحيد، ولو دقّقت فيه لوجدته سلك طريق نفس ذاته ووجوده الخاص المقيّد.
|
يقول تعالى: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها}٣٠٨.
|
بلعم بن باعور كانت له بعض الأمور الخارقة للعادة حيث كان يشابه موسى بها، وكذا السّامري كان على هذا النحو حيث صبّ الحديد فصار عجلاً جسداً له خوار.
|
موسى وعيسى عليهما السلام وصلا إلى التّوحيد لأنهما سلكا المسير المعيّن لهما في هذا المجرى التوحيديّ، وأمّا منْ لم يقطع الطريق على المسير المعيّن، فصار السامريّ وبلعم بن باعورة؛ فقد نسيا المجرى الذي أعطيت لهما منه القدرة.
|
إنّ حقّ الأستاذ على تلميذه، سواء في العلوم الظاهريّة أو الباطنية، من أهمّ المقدسّات، وعلى التلميذ أنْ يحفظ حقّ أستاذه عليه بأنْ لا يؤذيه، وإلاّ فإنّ عمل التلميذ ينقلب بلا بركة، وهذا مشهود بنحو واضح حيث تجد أنّ التلميذ العاقّ قد يضع يده على الذهب فيصبح تراباً لأنّه أضاع الولايّة التي جعلها الله للأستاذ على تلميذه.
|
عمل الأنبياء عليهم السلام إنّما صار مليئاً بالبركة لهذا السّبب، ومن هنا تجدون أنّ بعض الأديان ما زالت محفوظة لهذا السبب، فإنّ عدد البوذيين كبير لأنّ حقّ الأستاذ الذي هو من الولايّة ما زال محفوظاً في عمق الديانة البوذيّة.
|
إنّ هذا الأمر خطير ومهمّ إلى حدّ أنّ أعظم موحّد في هذا الوجود يقول: {من علّمني حرفاً فقد صيّرني عبداً}.
|
لو ضاعت الحقوق لضاع التّوحيد ومجرى التّوحيد، وهو الولاية، ويبقى العمل بلا بركة.
|
إنّ الأعمال التي تبقى وتثبت هي الأعمال التي تؤدّى وتنجز من مجرى التوحيد.
|
الأمور الخارقة للعادة في هذا العالم كثيرة، ولكن لماذا بقي البعض منها ولمْ يبق البعض الآخر؟
|
أولئك الذين رعوا حقّ ذي الحقّ، وأعظم الحقوق حقّ الأستاذ، بقوا وبقيت آثارهم.
|
عيسى بن مريم وموسى كليم الله وإبراهيم الخليل وبقيّة الأنبياء، كلّهم صاروا واحداً مع المبدأ من مجرى التّوحيد، وهو مجرى ولايّة محمّد وآل محمّد عليهم السلام.
|
من يصل الإنسان إلى نقطة التّوحيد، لن يحتاج عندها أنْ يظهر الأثر الفعليّ لما وصل إليه وهو المعجزة، فإنّ الواصل إلى التوحيد لا يرغب بجمع الناس حوله.
|
إنّ عيسى بن مريم لم يقم بالمعجزات لأجل أن يجمع المريدين حوله، بل أظهر ما أظهر لأجل أنْ يطمئن قلبه، فإنّ الأفعال الخارقة التي كان يؤديها كانت لأجل أنْ يتيقن أنّه وصل إلى التوحيد مع المبدأ.
|
ولذا الخواجه يقول:
|
فيض روح القدس سرباز مدد فرمايد
|
ديگران هم بكنند اونچه كه مسيحا مي كرد
|
إنّما نجى إبراهيم من نار نمرود لأنّه أراد معاينة مقام التّوحيد حتّى يطمئن أنّه قد وصل إلى مقام ما في التوحيد، ومن هنا قال: {ولكن ليطمئن قلبي}٣٠٩.
|
وطريق تحقّق هذا التوحيد وإظهار أثره يكون بولايّة آل محمّد عليهم السلام.
|
عندما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {بصنع الله يستدل عليه}، فإنّه لا يوجد صنع أعظم وأكبر من صنع ولايّة محمّد وآل محمّد (عليهم السلام)، فذاك الصنع هو الذي يشير إليه الحقّ تعالى.
|
ولكن عندما يصل الموحّد إلى مقام الإطمئنان ومقام اليقين، {ليطمئن قلبي}، ترتفع كلّ الحاجة للقيام بالمعجزات، فعيسى بن مريم عليه السلام لا يحتاج بعد أنْ وصل إلى مقام اليقين والاطمئنان إلى أيّ شيء من هذه المعجزات، فلا يهمّه بعد ذلك الموت أو الحياة.
|
مسلم بن عقيل عليه السلام أراد أنْ يصل إلى مقام معاينة التّوحيد ورؤيّة توحّده مع الإمام الحسين عليه السلام، فطلب كوزاً من الماء حتّى يرى مقدار امتلاء وجوده بالإمام الحسين عليه السلام، وليرى في ذاته أنّه لا يوجد غير الحسين عليه السلام، فأخذ كوز الماء لا ليشرب لأنّه عطشان، بل حتّى يرى ويعاين حقيقة التّوحيد الحاصلة بينه وبين الحسين، وإلاّ فإنّ آثار عالم الطبيعة لا تؤثّر في أيّ وقت على وجود الأولياء.
|
ذاك الماء وذاك العطش الذي كان محوراً في واقعة الطّف لم يكن ذاك الماء الذي يطلبه الناس؛ ولكن كيف كان الإمام الحسين عليه السلام يطلب الماء ويقول: إنّي عطشان؟
|
إنّ الإمام الحسين كان ينظر إلى كلّ الوجود ويقول: عطشان.
|
إنّ توحيد هؤلاء في عالم الوجود ليس قابلاّ للمقايسة مع توحيد الموحّدين من الطبقة الأولى في عالم الوجود من إبراهيم وموسى وعيسى والإثنين والسبعين رجلاً.
|
كلّ الموحّدين كانوا يشرعون من ذواتهم ليصيروا واحداً مع المبدأ، وأمّا الإمام الحسين عليه السلام فلمْ يشرع من نفسه، بل كلّ الوجود تحت قدميه (صلوات الله عليه)، ويدور حول ظلاله.
|
كلّ موحّدي العالم من الأصحاب والموالين والأنبياء والأولياء يبدأون المسير من ذواتهم إلى النقطة التي يتصلون فيها معهم (صلوات الله عليهم)، وأمّا هم (صلوات الله عليهم) فيتنـزلون من مقامهم الشامخ حتّى يحقّقوا لمواليهم ولشيعتهم هذا الاتصال وليندرجوا تحت ذواتهم.
|
|
عندما يقول "عطشان"، فهو ينظر إليك ويقول "عطشان" لأنّك مندرج تحت وجوده؛ كلّ أولئك الذين يعشقون الإمام الحسين عليه السلام يحسون بعطش ما، فيقول لهم الإمام الحسين عليه السلام: إنّي عطشان.
|
هذا هو التوحيد.!!
|
في ذاك المقام لا حيثيّة للماء ولا حيثيّة للعطش أصلاً، بل كان (عليه السلام) يعاينك ويقول لك: إنّي عطشان، فهو عطشان، ولكنّه عطشان بسبب عطشك، ويمكنه أنْ يتحمّل هذا العطش لأنّ وجوده وجود سعيّ.
|
قال تعالى: {شهد الله أنّه لا إله إلاّ هو}٣١٠.
|
إنّ الشهود التوحيديّ لا بد أنْ يشرع من الأعلى، ولو شرع من الأسفل فهو التّوحيد العاميّ.
|
از مؤثر به اثر رسيدند توحيد خواصست
|
از اثر پي به مؤثر بردن توحيد عاميانه است
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|