الشهود الثلاثون
|
قال أمير المؤمنين عليه السلام:
|
{إنّ أوّل عبادة الله معرفته وكمال معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصّفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف}.
|
إنّ طريق تحقّق التّوحيد الذي هو مقصد الأنبياء وكلّ أعاظم الرّسل والذين بعثوا لأجله يتحقّق بالمظاهر والآيات والأسماء والصّفات الإلهيّة.
|
يقول الحقّ جلّ وعلا في كتابه الكريم: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}٢٨٤.
|
التّوحيد في هذا الباب مربوط بالأبوّة والبنوّة على مقدار كبير لأنّ هناك توحيداً بين الآباء والأبناء، ولوْ أنّ هذا التّوحيد في هذا الباب من الظّهور والتجلّي لمْ يكن من الدّرجة الأولى لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {أنا وعلي أبوا هذه الأمة}٢٨٥، وهذا الحديث مربوط بقوله تعالى: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم}٢٨٦.
|
الأب يعرف ابنه أكثر من أيّ شيء آخر، فلو أنّ الابن ضاع فإنّ أباه يميّزه ويعرفه ولو من بين ألف ولد، ولهذا يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم:
|
{أنا وعليّ أبوا هذه الأمة}، فهذا الارتباط ارتباط توحيديّ، والأمّ وإن كان لها لطافة وظرافة مع ولدها وهي تؤمن الكثير من شؤون التوحيد، ولكن في التّوحيد يُطرح الأب كعنوان أوّلي في باب العرفان، حيث يقول: (يعرفونه)، فهذا إشارة إلى باب المعرفة؛ نعم، من الممكن أنْ يطوي شخصٌ الطّريق من خلال العاطفة والإحساس، والأمّ على هذا النحو، وأمّا الأب فيطوي الطريق بطريق العرفان، ولقد كان رسول الله بالنسبة إلى الأمّة (أباً رحيماً).
|
كما أنّ الثمرة تكشف وتعرّف عن الشجرة، كذلك الابن يعرّف الأب ويكشف عنه.
|
إثنا عشر إماماً كلّهم وصلوا إلى الإمامة بعد الأب، وهذه ليست قاعدة في كلّ مجرى، فأنت لا تجد شخصاً غيرهم يمكنه أنْ يعطي كلّ خصائصه الباطنيّة لولده؛ الإمام الحسن عين ذات أمير المؤمنين والإمام الحسين عين ذات أمير المؤمنين عليهم السلام، والإمام زين العابدين هو عين ذات الإمام الحسين سيد الشهداء بدون أيّة زيادة أو نقصان، فنفس تلك الذات تجلت فيه (صلوات الله عليهم)، فانتقاش تمام الأبوّة والبنوّة في المقام التوحيديّ منتقش في هذا الذوات المقدسة للمعصومين.
|
نعم، حاول شخصٌ آخر في هذا العالم أنْ يجلّي هذه الحقيقة في العالم ويظهرها في وجوده وهو نبيّ؛ نوح عليه السلام أراد أنْ يجري هذه الحقيقة التوحيديّة إلى ولده، فتأمّل!
|
تأملوا جيداً! عندما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {أنا وعليّ أبوا هذه الأمة}، فهذا يعني أنّه قَبِلَ الناس على الحال التي هم عليها من العيوب والذنوب والاحتجاب وغيرها من الأحوال الناقصة المتعددة لهم لأنّهم أطفالهما.
|
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول أنا أبُ هؤلاء وعليّ هو أبُ هؤلاء، وقد ذُكر اسم عليّ عليه السلام لأنّ ظهور ولايّة البعض وعشقهم ومحبّتهم يكون عن طريق أمير المؤمنين عليه السلام، ولو ذكرت لهم رسول الله لا يهتزون ولا يميلون ولا ينجذبون، بينما لو ذكرت لهم اسم عليّ فإنّ كلّ وجودهم يهتزّ وينجذبون نحو ولايته.
|
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: {أنا وعلي أبوا هذه الأمة}، بمعنى أنّ أولئك الذين لا ينجذبون نحوي، ولا يمكنهم أنْ يملكوا بصيرة المعرفة من خلالي، ولا يمكنهم أنْ يقطعوا الطريق معي، عليهم أنْ يأخذوا طريق عليّ وينجذبوا نحوه.
|
نوحٌ يقول: {إنّ ابني من أهلي}٢٨٧، ولكنّ الله يقول: {إنّه ليس من أهلك}٢٨٨، أي أنّ من نقبله من الأولاد لآبائهم هم أولاد خاتم الأنبياء ووصيّه عليّ المرتضى عليهم السلام.
|
قد يسيء بعض الناس الاستفادة من كرامة الإنتساب إلى أب كلّ هذا الوجود، ولكنّ لسان حال هذا الأب أنّ هذا ابني، وهذا في واقعه راجع إلى التّوحيد الحاصل بين الأب والأبناء، ومن هنا تجد أنّ الرسول يخاطب علياً أكثر الأحيان بهذا الخطاب: {أنت وشيعتك}، فهو لا يفصل عليّاً عن شيعته.
|
إنّ الأب في فكر دائم بأبنائه ويريد أنْ يكون لهم ما له، ولذا قال إبراهيم الخليل: {ومن ذرّيتي}٢٨٩.
|
عندما نتحدث عن عقوق الوالدين، فأوّل مرتبة منه هي عقوق رسول الله وعليّ صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما، ولكنّ الأب لا يترك أولاده مهما فعلوا به.
|
نشرع بطرح بحث اليوم من هذا الباب، وهو أنّ التّوحيد قد يتحقّق ظهوره في الأبوّة والبنوّة، وهذا أحد آيات التّوحيد وعلاماته ومجاريه، فإنّ أقرب وأظهر ارتباط توحيديّ ارتباط الابن بالأب، فإنّ كلّ ثمرة تعرف شجرتها.
|
وقد ظهرت هذه الحقيقة كاملةً في المعصومين الاربعة عشر عليهم السلام، حيث أنّ أبناءهم حاملون لكلّ خصوصيات آبائهم وأجدادهم حتّى صاروا أئمة وظهروا في الخلق.
|
في كلّ الأبواب، التّوحيد هو إسقاط الاضافات، وأمّا في هذا الباب فالإضافة مثبتة للتّوحيد.
|
يقول تعالى: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه}٢٩٠، هذا اليوم هو يوم ظهور التّوحيد وحيث أنّ التّوحيد هو إسقاط الإضافات فيقول: {يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه}، لأنّ كلّ هذه الأنساب لا تبقى، ويبقى نسب واحد، وهو قول النبيّ صلّى الله عليه وآله:{كلّ حسب ونسب منقطع يوم القيامة إلاّ حسبي ونسبي}٢٩١، وهذا الحسب والنسب مستفاد من قوله (صلّى الله عليه وآله): {أنا وعلي أبوا هذه الأمة}.
|
كلّ النسب لا تنفع إلاّ أنْ يكون متعلقاً بأهل بيت العصمة والطهارة، فإنّ نسب الحبّ خير نسب.
|
إنّ التّوحيد قد يكون أحياناً عن طريق الأب والابن، وأتمّ مصداق لهذه الابوة والبنوة محمّد وعليّ والأئمة الأطهار عليهم السلام.
|
الإمام الصادق عليه السلام يشرح شرحاً مبسوطاً حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّ أهل النجاة هم فقط الأشخاص الذين لهم نسبة لنا وهم من ذريتنا، وقد كان في مجلس الصادق عليه السلام بعض الهاشميّين والعلويّين والفاطميّين وكان بعض من ليسوا من السادة فصاروا يبكون، فقال لهم الإمام الصادق عليه السلام: ما يبكيكم؟ فقالوا: لسنا إذن يوم القيامة من أهل النجاة؛ فقال الإمام عليه السلام: كلّ من يحبنا منسوب لنا وداخل في ذريتنا.
|
هذا هو التوحيد، وهو التوحيد المحقّق بين الشمس والشعاع، فليس لدينا شمس بلا شعاع، ولا شعاع بلا شمس.
|
سُئل جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام: يابن رسول لم سمّي الشيعة بالشيعة؟
|
الإمام الصادق عليه السلام يقول: {لأنّهم خلقوا من شعاع نورنا}٢٩٢، ثمّ سأل الإمام: هل تكون الشمس بدون اشعة فقالوا: لا، فقال الإمام عليه السلام: وكذلك نحن، لا نكون من دون شيعة.
|
يقول تعالى: {وإنّ من شيعته لابراهيم}٢٩٣.
|
إبراهيم عليه السلام إنّما نجى من النارين لأنّه من شيعة عليّ، وقد وضع الله نبيّاً في هذه النار وكشف هذه الحقيقة حتّى لا تكون قابلة للإنكار من أحد، وإلاّ فكلّ شيعي لا تمسّه نار نمرود.
|
يقول تعالى: {فاستغاثه الذي من شيعته على عدوه}٢٩٤.
|
التّوحيد يكون عن طريق النسبة، وليست هي النسبة الاعتباريّة التي تكون على الهويّة الشخصيّة.
|
يقول تعالى:{فصلّ لربّك وانحر}٢٩٥، ويقول في موضع آخر:{وقل ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً}٢٩٦.
|
نسبة البنوة أينما تجلت تثبت التوحيد، ومن هنا عندما كان الإمام الصادق عليه السلام يطرح هذه البيانات، كان يرجع كلّ ما يبيّنه ويثبته إلى القرآن، دلالةً على أنّ أصل التشيع نابعٌ القرآن، وأنّه لا يوجد تسنّن فيه.
|
يقول الإمام الصادق عليه السلام: {شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا وعجنوا بماء ولايتنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا}٢٩٧.
|
نتيجة البحث أنّ المحبّ والموالي داخل في الأبناء، والأبناء لهم معرفة بآبائهم ولهم نسبة معرفيّة بهم، وهذه النسبة المعرفيّة هي التي تؤمّن التوحيد.
|
لا بدّ من إسقاط كلّ الاضافات والنسب حتّى يظهر التوحيد، ولكن في باب الأربعة عشر معصوماً لا بدّ تضاف هذه النسبة حتّى يتحقّق التّوحيد.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|