الشهود الثالث
|
يقول المولى أمير المؤمنين عليه السلام بأرفع بيانٍ للتوحيد:
|
{إنّ أوّل عبادة الله معرفته}٣١، وهو بمعنى أنّ أرفع وأعظم عبادة لله هي معرفته.
|
مقام العمل متأخّرٌ عن المعرفة وليس قابلاً للمقايسة معها، فإنّ المعرفة هي قوام العمل، وأمّا العمل فليس كاشفاً عن المعرفة، وباصطلاح المناطقة، النسبة بين المعرفة والعمل هي نسبة العموم والخصوص مطلقاً، فليس كلّ عمل يكشف عن المعرفة في حين أنّ كلّ معرفة توجب عملاً، فلوْ حضرت المعرفة في وجود الإنسان لا بدّ أنْ توجب عملاً، ولكن ليس كلّ عمل يقوم به العامل كاشفٌ عن معرفة كامنة في وجوده.
|
ومن هنا تجد أنّ القرآن الكريم يربط بين المعرفة والعمل الصالح بقوله: {الذين آمنوا وعملوا الصالحات}٣٢، فالعمل الصالح هو الذي تكون له صلاحيّة الكشف عن صاحبه، وبعبارة أخرى يكون هذا العمل صالحاً للإخبار عمّا في باطن صاحب هذا العمل من المعرفة، فقيد الصّالح يشير إلى العمل الناتج عن المعرفة.
|
في البحث السّابق، وصل الكلام إلى أنّ العبادة غير العبودية، فعدم صدور العمل من العبد لا يؤدي إلى انتفاء العبودية، فالعبد عبدٌ ولو لم يصدر منه عمل، بل ولوْ صدر منه عمل مخالف لما يريده المولى منه يبقى عبداً، وأمّا عندما يتّصف العابد لله بوصف العابد لا بدّ أنْ يكون من أهل العمل، وعندما ينتفي العمل منه تنتفي منه حيثيّة عبادة الله.
|
إنّ تمام حركة العابد نحو المعبود هي إرادته الوصول إلى مرتبة يكون فيها عبداً لمولاه، بمعنى أنّ كلّ حركة العابد المريد لمولاه هي إرادته الوصول لهذا الانتجاب والاصطفاء الخاص، وهو العبوديّة والتي تكون ظاهرياً نتيجة لعبادته لمولاه، ولكن في بعض الموارد يشاهد أنّ شخصاً ما قبل الحركة الفعليّة والعمليّة وقبل أنْ يصل إلى أيّ مرتبة في العبادة، يُعطى له مقام العبوديّة ولوْ لمْ يقم بأيّ فعل من الأفعال العباديّة {وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسولُه}.
|
إنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أُعطي مقام العبوديّة ووصل إلى مقام الرسالة قبل أنْ يقوم بأيّ عمل أو حركة نحو مولاه، لا أنّ الله جعله تحت دائرة الامتحان والمقايسة مع كلّ أهل زمانه فوجده لائقاً لهذه المناصب باعتبار حيازته لصفات لمْ تكن موجودة في غيره من أهل زمانه. لا ليس الأمر كذلك.
|
لا يظن أحدٌ أنّ الله نظر في الناس، فوجد أنّ هناك شخصاً أكثر صدقاً وأمانةً من كلّ الناس، فانتخبه للرّسالة وللعبودية. لا، ليس الأمر كذلك.
|
يقول النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: {كنتُ نبيّاً وآدم بين الماء والطين}٣٣.
|
بل قبل أنْ ينتقش نقش الخلق، ظهرت نبوة النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق، فوجوده صلى الله عليه وآله وسلم ليس في مرتبة الصّفة والموصوف بل هو فوق هذا، وهو قول الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم: {إنّي جاعل في الأرض خليفة}٣٤ فإنّ الجاعل غير الخالق، والجعل غير الخلق بالمصطلح القرآني والروائي.
|
روي عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: {يا علي إنّ الله تبارك وتعالى كان ولا شيء معه فخلقني وخلقك روحين من نور جلاله، فكنّا أمام عرش ربّ العالمين نسبّح الله ونقدّسه ونحمده ونهلّله، وذلك قبل أنْ يخلق السماوات والأرضين؛ ثمّ قال: فما زال ذلك النور ينتقل بين أعين النبيّين والمنتجبين حتّى وصل النور والطينة إلى صلب عبد المطلب فافترق نصفين، فخلقني الله من نصفه واتخذني نبياً ورسولاً، وخلقك من النصف الآخر فاتخذك خليفة ووصياً ووليّا}٣٥.
|
لقد كان نبيّاً قبل أنْ يوجد الوجود العنصري، وقبل أنْ يتم التولّد من الأب والأم وقبل أنْ يكون أيّ خلق، وبالإمكان أنْ ترتقوا إلى أكثر من هذا!!
|
روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: {إنّ الله عزّ وجلّ خلقني وخلق عليّاً وفاطمة والحسن والحسين من نور واحد فعصر منه عصرة فخرج منه شيعتنا فسبّحنا فسبّحوا وقدّسنا فقدّسوا وهلّلنا فهلّلوا ومجّدنا فمجّدوا ثمّ خلق تعالى السموات والأرض وخلق الملائكة فمكثت الملائكة لا تعرف تسبيحاً ولا تقديساً لما رأونا سبّحنا وقدّسنا وهلّلنا ومجّدنا وتبعنا شيعتنا سبّحت الملائكة وقدّست تبعت بذلك، فنحن الموحّدون حيث لا موحّد غيرنا، فحقيق على الله عزّ وجلّ بما اختصنا واختص شيعتنا أن يزلفنا وشيعتنا في أعلى عليين إنّ الله اصطفانا واصطفى شيعتنا من قبل أن نكون أجساماً فدعانا فأجبناه فغفر لنا ولشيعتنا من قبل أن نستغفر الله عز وجل}٣٦.
|
وورد عن الإمام الصّادق عليه السلام: {سبّحنا فسبّحت الملائكة، وهللنا فهللت}٣٧، فالملائكة إنمّا تعلمت عبادة الله منّا أهل البيت، ولكنّ الملائكة، مع كلّ المنـزلة التي لهم عند الله، هم فقط عابدون لله وليسوا عبيداً وليس لهم منصب العبودية، بل هو منصب مختصّ بالبشر من خلق الله.
|
الملَك ليس عبداً، وإنْ كان جبرائيل، ولا يقتضي نحوُ وجوده العبوديّة للحقّ؛ وحده محمدٌ صلى الله عليه وآله وسلم هو عبد الله، ولهذه العبوديّة معنى وتحقق فقط في النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم.
|
يا رسول الله! إنّ الله جعل في وجودك لياقة وشرف العبوديّة، فيمكنك أنْ تقول يا الله أنا عبدك وتترنّم بهذا الشرف العظيم؛ وأمّا الملَك فليس في وجوده اقتضاء العبودية، بل له اقتضاء العبادة على أقسامها وأنحائها، حيث تجد فئةً من الملائكة لها اقتضاء الركوع من أوّل خلقتهم إلى آخرها، وفئة أخرى لها اقتضاء السّجود ولياقته من أوّل خلقتهم إلى آخرها.
|
الشّيطان إنّما نـزل إلى الأرض وصار من المرجومين لأنّه كان يعبد الله ولمْ تكن العبوديّة متحقّقة في وجوده، وأمّا النّبي صلى الله عليه وآله وسلم فلا ينـزل ولا يقع لأنّه متحقق بالعبوديّة في تمام وجوده.
|
إنّ الله خلق البشر للعبوديّة لا للعبادة، ولوْ كان للعبادة أيّ قيمة، فهي لأجل أنْ يصل الإنسان إلى العبوديّة، وإلاّ فلا تطرح العبادة أصلاً في الوجود البشري.
|
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {إنّ أوّل عبادة الله معرفته}.
|
أوّل العبادة هي المعرفة، فلا بدّ أنْ تعرف الله أوّلاً، حتّى يمكنك أنْ تقطع الطريق للوصول إلى عبوديته، ولكن لا تنخدع بالعبادة وتظنّها الغايّة والمقصد، فالمخدوع كلّ المخدوع من خُدع بعبادته، ولنْ تجد مخدوعاً أكثر منه.
|
أنت قلّما تجد عملاً لا يؤدّي إلى العجب والرياء، فالعمل هو الذي يجعل العابد يقف في قبال الحقّ تعالى ويقول له إنّي عملت وفعلت، وهو نفس ما فعله الشيطان حيث وقف في قبال الحقّ تعالى بعدما عبد ما عبد وقال له: {خلقتني من نار وخلقته من طين}٣٨، فأنا (والقول قول الشيطان) منذ أنْ خلقتني أقوم بعبادتك يا الله، ومنْ ثمّ تأتي لي بمخلوق قد خلقته للتوّ، وتأمرني أن أسجد له؟!
|
فأبعده الله ممّا كان فيه، وأنـزله إلى تلك الدار.
|
فالملك لا يعلم ما هو العشق وما هي العبودية؟ ولا يعلم ما هي طبيعة اللذّة الموجودة في العبوديّة من العشق والمحبّة، وليس فيه اقتضاء العشق والعبوديّة حتّى يدرك حقيقتهما، فأقصى مراد الملك هو عبادة الله، ولذّته كامنة في هذه العبادة لا غير، وهو نابع من مقدار معرفته بالحقّ تعالى.
|
فرشته عشق ندانست که چيست غصه مخوان
|
بيـار بـاده وبر خاک پـاي آدم ريـز٣٩
|
عندما وسوس الشيطان لآدم وحواء {فَوَسْوَسَ لَهُما الشَيْطانُ}٤٠، كان يريد أنْ يحملهما في طريق العبادة، ويسلب منهما طريق العبوديّة وحقيقتها، وإلاّ لو أنّهما مع ما هما فيه من العبوديّة الكامنة في ذواتهما استفادا وأكلا من نفس تلك الشجرة المنهيّة عنها، لما أخرجهما الله من الجنة التي كانا فيها، ولكن حيث لم ينظرا إلى العبودية، بل نظرا إلى حيثيّة العبادة، كان أمر إخراجهما من الجنة التي كانا فيها، فاشّتما رائحة الشيطان بمجرد أنْ أقدما على تلك الشجرة، وهذه الرائحة كانت في الواقع صادرة من وجوديهما، أيْ أنّ رائحة الشيطان كانت صادرة من قلبيهما باعتبار أنّهما خُدعا بذاك الشخص، وهو الشيطان، الذي كان من أهل الورع والنسك والعبادة فاعتبرا أنّ هكذا شخص لا يمكن أنْ يتكلم بكلام كاذب وخادع، ومن هنا تجدون أنّ أكثر ما يُخدع بهم الناس أناسٌ من أهل النسك والعبادة والزهد.
|
قد تقول أنّ أشخاصاً متقدّسين من أهل العمل والخير، مع ما لهم من سوابق في إظهار التديّن برسومه الظاهرية، لا يمكن أنْ نشتبه في أمرهم، فقد قضى هؤلاء سنوات طويلة في الحوزات وحصّلوا ما حصّلوا من العلوم الدينية، فهل يمكن لهؤلاء أنْ يكونوا خدّاعين؟ إنّ هذا غير معقول!!
|
عندما قال الله تعالى: {إنّي جاعِلٌ في الارْضِ خَليفَةً}٤١، قالت الملائكة له: {قالوا أَتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها وَيَسْفِكُ الدِّماء}٤٢، إلهي ها نحن عاكفون على عبادتك، ونحن من أهل العمل لك، فهل يمكن أنْ تأتي بهكذا موجود لمْ يقم بأيّ عمل حتّى الآن وتولّيه كلّ هذه الأرض بل وتولّيه علينا أيضا؟!
|
يأتي جواب الله لهم أنّه وإنْ كان الأمر كذلك، فإنّي أريده وإنْ لم يقم بأيّ عمل على الإطلاق.
|
الملك يقول: إلهي وكيف يمكن أنْ تولّيه والحال أنّه من أهل الفساد وسفك الدماء، وهو قول الله تعالى: {أَتَجْعَلُ فيها مَنْ يُفْسِدُ فيها وَيَسْفِكُ الدّماءُ}؟!!
|
كلّ أولئك الذين يخدعون إنّما يخدعون بما يعمله الآخرون من أعمال وعبادات، فليس الميزان كثرة العبادة ولا ينبغي أنْ يُخدع المرء بعبادة الإنسان وزهده وظاهر تديّنه.
|
والروايات متضافرة في هذا المضمون عن الأئمة عليهم السلام.
|
أمير المؤمنين عليه السلام يصرّح بهذه الحقيقة، والإمام الصادق عليه السلام كثيراً ما كان يؤكّد على هذه المسألة وهي أنّ المرء لا يُعرف بطول سجوده وصيام نهاره، بل يُعرف بصدق الحديث وأداء الأمانة، كما ورد ذلك في صفات الشيعة؛ ولكن لا تظن أنّ الأمانة هي ردّ المال تاماً بعد أخذه، بل الأمانة هي ما أشير إليه في قوله تعالى: {إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلَى السّمَواتِ والأرْضِ والجبال}٤٣، بل الأمانة هي أمانة القرآن وهي الولايّة لآل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم.
|
لا يظن الإنسان أنّ الأمانة التي هي مورد النظر هي العمل الذي يؤديه الإنسان، بلْ الأمانة هي الولاية، ولا تقاس الولاية بالعمل وليست حقيقة الولاية ورسمها بالعمل، فحريّ بك أيّها الموالي أنْ تبحث وتحقق في تلك الأمانة، وما هي حقيقتها وطبيعتها؟
|
وأمّا صدق الحديث الذي يتحدث عنه الإمام عليه السلام، أنّ الشيعي إنّما يعرف بصدق الحديث وأداء الأمانة، فهو بمعنى أنّ الشيعي عندما يتحدث إنّما يتحدث بما يأخذه منّا أهل البيت على فهم ودراية، وهذا هو الصدق.
|
فالحديث الذي يتكلّمه الشيعي إنّما يكون صدقاً إذا نقله على ما هو عليه عن الأئمة عليهم السلام، فيكون بذلك مصداقاً لذاك الحديث الوارد عن الأئمة عليهم السلام ومتحققاً به، وإلاّ فإنّ صدق الحديث المتعارف معروف لدى الناس ولا يختصّ بالشيعي دون غيره.
|
حاذر أيّها الموالي أنْ تنخدع بعمل الغير وتجعله ميزاناً ومعياراً على الحقّانية، ولا تظن أنّ الموازين المتعارفة عند الناس من صدق الحديث وأداء الأمانة وما شابه هي موازين الولاية، فإنّ شأن الولاية الكليّة الجارية في الخلق غير ما يعرفه الناس، ومن هنا ينبغي على الإنسان أنْ يتعرف على حقيقة الولاية وحقيقة صدق الحديث وأداء الأمانة وغيرها من مفاهيم الولايّة وشؤونها.
|
فرشته عشق ندانست که چيست غصه مخوان
|
بيـار بـاده وبر خاک پـاي آدم ريـز
|
إنّ الفائدة في وجود الإنسان تكمن في عبوديته لله تعالى ولا تكمن فيما يماثل عبادة الملَك، ولوْ كان هذا الإنسان يفسد في الأرض ويسفك الدماء.
|
إنّ إرادة الله قد تعلّقت بهذا الموجود أنْ يجعله خليفة له في الأرض على ما هو عليه، ولوْ كان متلبساً بعملين قبيحين وهما الإفساد في الارض وسفك الدماء٤٤، وهذا لا يتعارض مع عبوديّة هذا الإنسان لله تعالى وإنْ كان فعله القبيح يتعارض مع عبادته لله التي يشترك فيها مع الملك، ومنْ هنا يردّ الله على اعتراض الملك الذي كان ناشئاً من عدم الاطلاع على حقيقة العبوديّة الكامنة في وجود الإنسان .
|
لو أن سيّداً ومولى أرسل عبدَه إلى مكان ما وقام هذا العبد بفعل خطأ فلا يحقّ لأحد معاقبته، ولوْ قام شخصٌ بأذيّته ومعاقبته فإنّ المولى يطالب بحقّه ويعتبر الاعتداء على عبده إعتداء عليه، وأذيّة العبد وإهانته أذيّة للمولى وإهانة له، فإنّ العبد لو أخطأ لا يحق لأحد أنْ يؤذيه ويعاقبه بلْ لا بدّ أنْ يردّ أمره إلى مولاه وسيده فهو المؤهّل الوحيد لمعاقبته.
|
في خبر طويل عن الإمام الباقر عليه السلام، قال الراوي:{يا ابن رسول الله إنّي أجد من شيعة أمير المؤمنين ومن مواليكم من يشرب الخمر، ويأكل الربا ويزني ويلوط ويتهاون في الصلاة والزكاة والصوم والحدّ والجهاد وأبواب البر حتّى أنّ أخاه المؤمن يأتيه في حاجة يسيرة فلا يقضيها له، فكيف هذا يا ابن رسول الله؟ ومن أيّ شيء هذا؟}. ثمّ قال: {وإنّي أجد الناصب الذي لا أشك في كفره يتورّع عن هذه الأشياء، لا يستحلّ الخمر ولا يستحلّ درهماً لمسلم ولا يتهاون بالصلاة والزكاة والصيام والحجّ والجهاد، ويقوم بحوائج المؤمنين والمسلمين، لله وفي الله تعالى فكيف هذا ولم هذا؟}.
|
قال عليه السلام: {إعلم أنّ الله عزّ وجلّ خلق أرضاً طيبة طاهرة وفجّر فيها ماء عذباً زلالاً فراتاً سائغاً، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها، فأجرى عليها ذلك الماء سبعة أيّام، ثمّ نضب عنها الماء بعد السابع فأخذ من صفوة ذلك الطين طيناً، فجعله طين الأئمة عليهم السلام ثمّ أخذ جلّ جلاله ثقل ذلك الطين، فخلق منه شيعتنا، ومحبونا من فضل طينتنا، فلو ترك طينتكم كما ترك طينتنا لكنتم أنتم ونحن سواء}.
|
قال عليه السلام: {خلق الله عزّ وجل أرضاً سبخة خبيثة منتنة، وفجّر فيها ماءً أجاجاً مالحاً آسناً، ثمّ عرض عليها جلّت عظمته ولاية أمير المؤمنين عليه السلام فلم تقبلها، وأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيّام، ثمّ نضب ذلك الماء عنها، ثمّ أخذ من كدورة ذلك الطين المنتن الخبيث وخلق منه أئمة الكفر والطغاة والفجرة، ثمّ عمد إلى بقية ذلك الطين فمزج بطينتكم، ولو ترك طينتهم على حاله ولم يمزج بطينتكم ما عملوا أبداً عملاً صالحاً، ولا أدّوا أمانة إلى أحد ولا شهدوا الشهادتين، ولا صاموا ولا صلّوا ولا زكّوا ولا حجّوا ولا أشبهوكم في الصور أيضاً}.٤٥
|
عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه عليهم السلام قال: قال عليّ بن الحسين عليهما السلام: {إنّ الله بعث جبرئيل إلى الجنة فأتاه بطينة من طينتها وبعث ملك الموت إلى الأرض فجاءه بطينة من طينتها فجمع الطينتين ثم قسمها نصفين فجعلنا من خير القسمين وجعل شيعتنا من طينتنا فما كان من شيعتنا ممّا يرغب بهم عنه من الأعمال القبيحة فذاك ممّا خالطهم من الطينة الخبيثة ومصيرها إلى الجنة وما كان في عدونا من بر وصلاة وصوم من الأعمال الحسنة فذاك لما خالطهم من طينتنا الطيبة ومصيرهم إلى النار}٤٦.
|
المولى إنّما يدافع عن عبده لأنّ العبد قد صار واحداً مع مولاه، فلو لطم أحدٌ العبدَ على وجهه فإنّما يلطم المولى على وجهه ولوْ أوذي العبد فإنّما يؤذى المولى، وهذا هو معنى قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: {إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها}٤٧، لأنّ فاطمة أَمَةُ الله، فمن لطمها سلام الله عليها على وجهها فقد لطم وجه الله تعالى وتقدس، ومن ضرب فاطمة على جنبها فقد ضرب الله تعالى وتقدس على جنبه، لأنّها أَمَةُ الله.
|
إنْ كانت العبادة نصيب شخص ما، فقيمتها في كونها باباً لتحقّق المعرفة التي تخوّله وتؤهله لأنْ يكون عبداً واصلاً إلى مقام العبودية، وإلاّ فما لمْ تتحقق العبوديّة فلنْ يكون التوحيد، وهو أساس المعرفة، نصيبه.
|
ما يميّز العبد عن العابد، أنّ العابد لوْ قام بعمل حسن تجاه المولى، فإنه يُعطى ماله وأجرته، ومنْ ثمّ يُخلى سبيله في نهاية المطاف، فلو قام العابد ليله وصام دهره، يُعطى ما يشاء من الثواب الجزيل ويصرفه المولى إلى الجهة التي يريدها فيفتح له أبواب الجنان يتبوأ منها حيث يشاء.
|
وأمّا العبد فشأنه غير هذا، فهو مع مولاه أينما كان فلو كان مولاه في النار يكون معه في النار، ولو كان في الجنة يكون معه هناك، لا لأجل الجنّة بل لأجل حضور مولاه في ذاك المقام.
|
الإنسان إنّما خرج من الجنة لأنّ وجوده يقتضي العبودية، ولو كانت ذاته تقتضي العبادة مجردةً عن العبوديّة لما خرج منها.
|
حالُ الخطاب الالهي مع العبد: يا عبدي أنت لي وليس لك عمل بالجنة ولا بغيرها، فما شأنك والجنة التي يبحث عنها الآخرون، فأنت في جنبي ومعي ولن تفارقني.
|
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {إنّ أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده}.
|
هذا التّوحيد هو الكينونة واحداً مع المبدأ، وهذه هي النتيجة المطلوبة المرتقبة من سالك طريق العبودية.
|
عبادة الله تعرّف الإنسان على حقيقة التّوحيد عن طريق السلوك الذي يتمّ بإرادة العابد واختياره، وأمّا العبوديّة فهي حركة واصطفاء من ناحيّة المولى والمعبود سواء سبق هذا الانتجاب طاعة من العبد أو لم تسبقه، فالعبادة هي الإطاعة الصرفة، وأمّا العبوديّة فتارة تكون مع الطاعة وأخرى لا تكون معها.
|
العبد هو بمثابة المجذوب السالك الذي يظهر شأنه ويخرج وجوده من الحقّ تعالى ويُصنع من المبدأ {واصطنعتك لنفسي}٤٨، وأمّا العابد فهو بمثابة السالك المجذوب.
|
المجذوب السالك هو الذي يجلس أوّلاً في جنب الحقّ تعالى، ويكون له انجذاب وانضمام له تعالى ومن ثمّ يعرج نحو الفعلية، فالفعليّة متأخرةٌ عن جذبه وارتباطه مع الحقّ تعالى.
|
وأمّا السالك المجذوب، فهو الذي يقوم بالعمل والفعل، ومن ثمّ يصل إلى الجذبة والاتصال؛ العبوديّة هي الجذب الملحوق بالسلوك، وأمّا العبادة فهي السلوك العملي الملحوق بالوصول إلى الجذب والإتصال؛ هذا فيما لو كان الاتصال من نصيبه، وإلاّ فقد يحصل له الاتصال وقد لا يحصل من جراء العبادة.
|
في حديث أولي الألباب عن الإمام الصادق عليه السلام:
|
{إنّ أولي الألباب الذين عملوا بالفكرة حتّى ورثوا منه حبّ الله فإنّ حبّ الله إذا ورثه القلب إستضاء به}٤٩.
|
العرفاء في كلماتهم وفي أشعارهم كثيراً ما يستفيدون من كلمة {أولي الألباب}، وأولوا الألباب هم الذين ارتبطوا بلبّ الشيء وتجاوزوا القشر، ويعبّر عن العوام بأنّهم قشريون لأنّهم يقومون فقط بأعمال الظاهر من دون مراعاة الآداب والرسوم الباطنية.
|
ولتوضيح المطلب نقول:
|
للّوز قشر ظاهري أخضر، وهذا الظاهر يحفظ اللبّ من الرطوبة والحرارة ويحفظه من كلّ آفة، ومن هنا تجد أنّ كلّ من يحافظ على ظاهر الأمور بنحو تامّ يُحفظ من كلّ الآفات.
|
أمّا أهل اللب فهم الذين يريدون أنْ ينفصلوا عن هذا القشر الظاهري، وحيث أنّ هذا القشر يحفظ اللب من الآفات فلو عُزل اللبّ عن هذا القشر، فإنّ البلاءات سوف تنصبّ على وجود الإنسان لأنّه يريد أنْ يتخلص من هذا القشر ويصل إلى اللبّ.
|
الآن، لو أردت أنْ تضع هذا اللوز مع قشره في فم شخص، فأيّ حالة تصيبه؟
|
كلّ هذه الأعمال التي ننجزها أنا وأنت هي قشر وجودنا وليست قابلة للأكل وليس لها أيّ قدر، فتلك القشور لا بدّ أنْ تزيلها، ومن هنا قد تأتي البلاءات وتنصبّ على رأس منْ يريد أنْ يزيلها، وليس المقصود من إزالتها ترك الأعمال والتكاليف الشرعيّة الظاهرية، بل إنّ التكاليف الشرعيّة الظاهرية، التي من شأنها أنْ توصل إلى العبودية، مندرجة ضمن اللبّ.
|
كثيراً ما يتقيّد الناس بمسألة ماء الوجه، ويطلبون كلّ حياتهم أنْ يبقى ماء وجههم محفوظاً غير مراق، ولكنّ الله قد يريق ماء وجه الإنسان السالك في سيره التصاعدي، لأنّه يريد أنْ يخلّص السالك الموالي من هذا القشر المتلبس بوجوده، حتّى لا يتخيّل أنّ ماء وجهه هذا هو ماء وجهه الحقيقي؛ ومن نعم الله تعالى على الإنسان تخليصه من كلّ الأوهام والخيالات حتّى تظهر حقيقة وجوده بإزالة القشر الظاهري عن وجوده، بل وكلّما ذهب ماء الوجه بنحو أسرع كلّما كان الخلاص أسرع من القشر، وعندما يذهب القشر يبقى اللبّ؛ ولكن مع بقاء اللب لا تتصور أنّ الأمر قد انتهى، بلْ يوجد في باطن هذا اللب ما هو أعمق وأدق وهو لبّ اللبّ.
|
الآن نضع لب هذه اللوزة في الماء الساخن، وهذا يعني أنّنا نضع لبّ الإنسان في جهنم حتّى ننـزع ذاك القشر البنّي عن هذا اللب فيصير هذا اللبّ أبيضاً نقياً، هذه مرحلة، ولكن توجد مرحلة أرقى وأصفى وهي الوصول إلى لب اللباب؛ هنا لا بدّ أنْ نقطّر هذا اللب، فإذا تمّ تقطيره أُخذ منه زيت اللوز، ومن ثمّ يصنع هذا الزيت طعامٌ للآخرين، وهذا هو الفناء.
|
{إنّ أولي الألباب الذين عملوا بالفكرة}؛ أصحاب اللبّ في نهايتهم يصبحون طعاماً للآخرين وهذا هو فناؤهم، وهو قول الإمام عليه السلام: {شيعتنا كالنحل لوْ علم الناس ما في بطونهم لأكلوهم}٥٠، فكلّ ما هو طيّب يكون مَصرفاً واستهلاكاً للآخرين، وهذا كلّه بسبب قداستك وطهارتك أيّها الشيعي ولأجل الأسماء الإلهيّة الموجودة فيك.
|
إنّ صفات الحقّ تعالى ظاهرة في هذا العالم على نحو البسط التام، بنحو لا يشذّ عن حيطتها شيء في هذا العالم، فكما أنّ الطاعات الصادرة من المؤمنين لها ظهور وكشف عن بعض الأسرار الإلهيّة والصّفات الربانية، كذلك المعاصي في هذا العالم الصادرة عن العاصين- ونحن هنا لسنا بصدد تجويز المعاصي في هذا العالم- هي كشف ورفع قناع عن بعض الأسرار الالهية، فكلّ أهل المعصيّة في العالم وأهل الشرك وعبدة الأصنام إنّما يكشفون عن صفات الحقّ تعالى، فلوْ لم يكن هناك أهل معصيّة ما كان لك أنْ تعرف ما هي الرحمة الإلهيّة الرافعة للذنوب، ولوْ لم يكن هناك أهل ذنب، ما أمكن معرفة ماهيّة المغفرة الإلهية.
|
إنّ رحمة الله ليست مقيّدة بنحو تختص فقط بأهل الطاعة، بل هي مطلقة وشاملة لكلّ أصناف الناس في هذا الوجود المنبسط.
|
العبوديّة هي مقام ومرتبة ولا تكون إلاّ بإعطاء الحقّ وموهبته، ولا يمكن أنْ تحصل بالسعي والعمل، بلْ هي على نحو أنّ الله تعالى وتقدّس ينتخب شخصاً ويقول له أنت عبدي.
|
العبيد عندما يُعرضون في سوق العبيد، لا يذهبون نحو شخص ويقولون له: يا سيد اشتريني أنا.
|
أمير المؤمنين عليه السلام عندما حضر مرة إلى سوق العبيد وقف في موضع ما، وبدأ ينظر إلى العبيد المعروضين، فنظر يميناً ويساراً فوقع نظره على عبد، وكان هذا العبد أينما ينظر أمير المؤمنين عليه السلام ينظر إليه، تبسم المولى له فتبسم العبد فقال لصاحب هذا العبد: بكم تبيع هذا؟
|
طلب سعراً معيناً، ولكن المولى أعطاه ضعف ما طلبه، وكان هذا العبد قنبراً؛ فعندما وصل إلى خدمة أمير المؤمنين عليه السلام بدأ يبكي، وقال للمولى أنّه عندما نظرت إليّ طلبت أنْ أكون عبداً لك، وهذه هي العبوديّة وهذا هو ظهورها في عالم الدنيا.
|
وكذلك المولى اشترى ميثماً ثمّ حرّره بعد ذلك، ولكنّ نفس ميثم لم يقبل أنْ يذهب ولم يقبل أنْ يشتري هذه الحريّة بالعبودية.
|
نسأل الله أن يرزقنا معرفة أحكام وشؤون العبوديّة على ما هي عليه.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|