التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود التاسع والعشرون
يقول (عليه السلام) في إخلاص التوحيد:

{إنّ أوّل عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصّفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كلّ صفة وموصوف بالإقتران وشهادة الإقتران بالحدث وشهادة الحدث بالإمتناع من الأزل الممتنع من حدثه فليس اللهَ عرف من عرف ذاته}.

يبيّن أمير المؤمنين عليه السلام، وهو أكبر وأعظم متخصص في فن التّوحيد، التّوحيد ويوضحه ببيان لم يسبق له مثيل ولن يأتي له مثيل في عالم البيان التوحيديّ.

التّوحيد في مرتبته الأولى هو التّوحيد مع الخلق والوجود، وما لمْ يصبح الإنسان واحداً مع الخلق لا يمكنه أنْ يكون واحداً مع الخالق، وقوله (عليه السلام): {منْ لمْ يشكر المخلوق لمْ يشكر الخالق}٢٧٦ مندرجٌ في باب التّوحيد ونابعٌ من حقيقته.

كمال هذا التّوحيد هو الوحدة، وهو نصيب الخواص من الأولياء والأنبياء والمنتجبين والمنتخبين، فالتّوحيد هو غير الوحدة، وأمّا الوحدة فهي كمال التوحيد، وما يدل على هذا التّوحيد وهذه الوحدة نوافل الليل، فإنّ الشفع هو رمز التوحيد، والوتر رمز الوحدة.

الشفع ركعتان يأتي بهما المصلّي معاً، ولكن بعد ذلك تنتفي الإثنينة من البين وتتحقق الوحدة، فهو وتر ولا يوجد غيره.

والواقع أنّ كلّ العبادات والأوامر تكشف عن هذه الحقائق، حيث أنّ من شأن العبادات أنْ توصل إلى حقيقة التوحيد، وقد شرّعت الواجبات لأجل الوصول إلى نقطة التوحيد.

صد گـنج مرا بود بــه ويـرانه و

ياران ناديده گرفته كه اين خانه خراب است

الأصحاب والأصدقاء (ياران) هم كلّ الخلق، ولأنّهم لمْ يصلوا إلى التّوحيد فهم يكفّرون الموحّدين وينتقصون منهم ويحاربونهم لأنّهم سبقوهم، وكلّ من لمْ يصل إلى التّوحيد يتكلم بنفس هذا الكلام ويفعل نفس هذا الفعل، فإنّهم لا يعلمون؛ وهو معنى ما ورد عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله: {اللهم اهد قومي فإنّهم لا يعلمون}٢٧٧.

پس سخن كوتاه بايد والسلام

در نيابد حال پخته هيچ خام

منْ لم يصل لا يعلم ماذا يقول ذاك الواصل وماذا يفكر!!

{وبالعقول تعتقد معرفته} العقول جمع عقل، والعقل هو الرّبط الباطني، ويكون هذا الارتباط بالقلوب، وما لمْ يكن لدى الإنسان أيّ ربط قلبي لا يمكن أنْ تحصل له المعرفة، فسرّ الوحدة هو الارتباط.

لو أنّ ولداً جلس بجنب أمه وأبيه وبدأ يضجّ ويصرخ، فإنّ الأم والأب لا يلتفتان إلى الإزعاج الذي يسبّبه هذا الولد، وأمّا الغريب فينـزعج من الولد مباشرة، والوجه في ذلك أنّه قد صار للأم والأب حالة توحيد مع ولدهما، وأمّا الغريب فحيث لمْ يصل إلى التّوحيد فلا يمكنه أنْ يتحمّل صوت الولد وصراخه.

وهذا التّوحيد لا يمكن أنْ يحصل إلاّ بالمحبّة لأنّ المحبّة هي الربط {وبالعقول تعتقد معرفته}، فإنّ معرفة التّوحيد إنّما تحصل بالرّبط القلبي.

الإمام أمير المؤمنين عليه السلام عندما يصف الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يقول: {كان لي أباً رحيماً}، وهذا ناتج ونابع من التوحيد.

عندما يقول تعالى في كتابه الكريم: {ولا تقلْ لهما أفٍ}٢٧٨، فلأنّ الأب والأم رمز التوحيد؛ أوّل ما يظهر رمز التوحيد في الأم والأب، ومن ثمّ في الولد في المرحلة الثانية.

يسأل عادة: هل أنّ الدّجاجة كانت أوّلاً أم البيضة؟

هل كانت الدجاجة ثمّ أوجدت البيضة، أم أنّ البيضة أنتجت الدجاجة؟

من المعلوم أنّ البيضة كانت في الأوّل، لأنّ الدجاجة لوْ كانت، لمْ تحتج إلى بيضة، ولما احتاج أحدٌ أنْ يكون آدم أبو البشر أباً له.

إنّ الأوّليّة في التّوحيد هي للأم والأب؛ يقول تعالى: {وقل ربّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً}٢٧٩.

يقول الصادق عليه السلام: {العبوديّة جوهرة كنهها الربوبيّة}، والانتقاش الأوليّ للعبوديّة يكون من خلال معرفة الإنسان أمّه وأباه، وهو الانتقاش التوحيديّ الأوّل، ولا يحصل ما لم يكن عن هذا الطريق وهو طريق المحبّة.

لا يوجد شيء في عالم الوجود لإدراك التّوحيد أرفع من المحبّة، فالمحبّة هي صانعة التّوحيد ومحقّقة والوحدة، وللمحبّة آثار كثيرة يحتاج إلى إحصائها أضعاف مضاعفة من هذا الزّمان.

إنّ مجرى الاتصال هو تحصيل المحبّة، وعندما تحصل هذه المحبّة فأوّل ما تكون مع الخلق حيث يتحقّق التّوحيد معهم.

لماذا يقول القرآن {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنّما قتل النّاس جميعاً}٢٨٠؟

هذه النفس هي نفس المؤمن، ولأنّ المؤمن قد وصل إلى التّوحيد وصار منضماً إلى كلّ عالم الوجود، فلو أنّ أحداً قتله فكأنّما قتل الناس جميعاً، وهذا هو شأن المؤمن.

لماذا تقول الروايات أنّ الكلّ بكى على الإمام الحسين عليه السلام من السموات والأرض والملائكة من رآه ومن لم يره وحتّى جهنّم بكت عليه؟

لأنّ هذا الموجود هو جامع كلّ الوجود.

بل أكثر من هذا، لو أنّ شخصاً قتل مؤمناً عاديّاً لمْ يصل إلى تراب قدمي الإمام الحسين عليه السلام، فكأنّما قتل الناس جميعاً، وذلك أنّه وصل إلى التّوحيد، ولكن مع كلّ هذا فإنّ شأن أهل البيت عليهم السلام يختلف عن شؤون كلّ الموجودات.

لو أنّ إنساناً من الدرجة الأولى من الإيمان حصل له كمال التّوحيد مع البشر والناس- وإن كان لا يحصل- في مرتبة إطلاقه وسعته العموميّة، بنحو أنّ هذا الإنسان أحبّ كلّ الناس ولو فعلوا به ما فعلوا، فصار كالأمّ والأب بحيث لمْ يستقر غبار الغمّ في قلبه، فإنّه مع كلّ يبقى ناقصاً، بخلاف االموحدّين الكمّل من أهل البيت عليهم السلام، فإنّ لهم وحدة مع الناس جميعاً بغير ذاك النحو الذي يمكن أن يتحقّق مع أي موحّد في هذا الوجود، بل هم واحد مع الجماد والحيوان والشجر والماء والهواء وواحد مع الجنة والنار؛ ولكنّ هذه الحقيقة لا بدّ أنْ تعطى من الله حتّى يمكن للإنسان أنْ يدركها ويشاهد معناها.

لماذا تبكي الجنة والنار على الإمام الحسين عليه السلام؟

لأن نقش التّوحيد سرى إلى تلك المواضع؛ ولماذا يبكي التراب؟

لأنّه واحد معه.

أمير المؤمنين عليه السلام في آخر لحظة في هذه الدنيا عندما تلقّى تلك الضربة على رأسه الشريف، قبض قبضة من التّراب وقال: (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}٢٨١؛ فقد كان (عليه السلام) واحداً مع ذلك التراب حيث صار يحدّث عن شؤونه.

وهذه الوحدة هي بنحو أنّ نفس التّراب أخذ نشأته الوجوديّة منه، وهذا معنى لقبه عليه السلام {أبو تراب}؛ إنّ الوحدة الحاصلة له (عليه السلام) هي بنحو أنْ لو قتله أحدٌ فكأنّما قتل كلّ العالم، ولو كان هذا الموجود حياً فإنّ كلّ الخلق أحياء.

تلك النفس التي وصلت إلى ذاك الاتساع بنحو أنّها أحاطت بكلّ عالم الوجود وجعلت كلّ الوجود تحت جناحها وتحت فضل منّتها هي كلّ الوجود والوجودُ كلّه؛ ولو أنّ شخصاً علّق يده بجنابه فإنّما يعلّق يده بجناب كلّ عالم الوجود.

كلّ هذه التكاليف والأوامر التي تبيّن في الشريعة المقدسة من أداء الواجبات وترك المحرمات هي لأجل تحقيق التوحيد، فإنّ أداء الواجبات موصل للتوحيد، كما أنّ المحرمات مانعةٌ للتوحيد.

لا تغتب لأنّ الغيبة تجعل الإثنينيّة بين الشخصين المستغيب والمستغاب، وتحقّق العناد والبينونة بين الأشخاص، ولا تكذب لأنّ الكذب يحصّل الشرك في وجود الإنسان والعداوة، وكذلك هي الأحكام الشرعيّة، فإنّ أداء الصلاة والصيام هو لأجل تحقق التّوحيد في وجودك، وقد ذكرنا أنّ ركعتي الشفع تحقّق التّوحيد كما أنّ ركعة الوتر تحقّق الوحدة.

على هذا المنوال، لو أنّهم أعطوا الحركة والسير لأحدٍ وتفضلوا عليه بالمعرفة وجعلوها من نصيبه- فإنّ المعرفة ليست بالتعلم والتحصيل وليست بمطالعة الكتب وليس بإلقاء المحاضرات- فإنّ هذا الشخص يكون قد وصل إلى غرض الخلقة لو كان للخلقة غرض؛ فلو كان للخلقة غرض من هذه الجهة فهو إدراك هذه المعرفة، وإلاّ فلا يوجد غرض.٢٨٢

لا يوجد ما هو أسرع وأشد تنظيماً وأخف خطراً من المحبّة لأجل إدراك التوحيد، فلو أنّ شخصاً أحبّ شخصاً ما، فإنّ كلّ أعماله بنظره تكون جميلة وحسنة لأنّه وصل إلى التّوحيد معه، ولو فقدت المحبّة فلنْ ينال من صلاته إلاّ الغمّ والهمّ والتعب.

المحبّة هي التي تحقق التوحيد، ولا تكون بالتحصيل وليست بنحو أنّنا لو صمّمنا من اليوم، حيث سمعنا هذه الكلمات، أنْ نكون من أهل المحبّة نكون كذلك، فليس الحال كحال شخص قبيح الوجه أراد أنْ يكون جميل الوجه، ولو أنّه قام بالعمليات الجراحية، فلن يتغير حال وجهه بلْ يصبح أسوأ حالاً.

يوجد شيء في التركيب الفطري الأوليّ في خلقة الإنسان وهي المحبّة، وهي أرفع من الحسن والجمال، فإذا لم يكن الجمال بيد أحد حتّى يختار الجمال ولا يختار القبح، فبطريق أولى لن تكون المحبّة باختيار الإنسان .

ليس الأمر بنحو أنّ الله سأل كلّ فرد من الناس قبل أن يخلقهم: هل تريد أنْ تكون أسود اللون أم أبيض اللون؟ فقال أحدهم: إجعلني أسود اللون، وقال الآخر: إجعلني أبيض اللون، أو اجعلني قبيح الوجه حتّى أرى القبح ما هو؟!

لا، ليس الأمر كذلك، فالسواد والبياض في الخلقة ليس بيد أحد، وكذا الجمال والقبح.

فكيف بالمحبّة التي هي أرفع من الجمال؛ وهذا يعني أنّه ليس بمجرد أنْ تنوي أنّك تريد أنْ تكون من أهل المحبّة تصبح كذلك!!

لا، ليس الأمر كذلك؛ إنّ المحبّة هي التي تحقّق التّوحيد وتحصّله، وحيث أنّ التّوحيد هو موهبة الله وإعطاؤه فكذلك المحبّة هي إعطاء الحقّ تعالى.

في باب التكاليف، يمكنك أنْ تصلي ويمكنك أنْ لا تصلي فهو في دائرة اختيارك، وأمّا فيما يرتبط بأصل الخلقة فليس بيدك، فإنّ الشمس تطلع من المشرق وتسقط في المغرب في غايّة الدقّة والتنظيم بإرادة الله من دون أن يكون لك أيّ إختيار وإرادة.

ولكنّك قد تجد من لا يرغب أنْ يوكل شيئاً من أموره إلى نفسه، فتجده في الصلاة، عندما يقول: {إهْدِنا الصرّاط المستقيم}٢٨٣، يقول: يا إلهي كما جعلت الشمس على هذا التنظيم الدائر، خذني إلى نقطة جبر خلقتك لأنّ ما أقوم به إختيارياً ليس صالحاً ولا حسناً.

إنّ كلّ ما تقوم به من الصّلاة والصّيام مملوءٌ بالرّياء والفساد ولا يصلح أنْ يكون لائقاً بساحة الله، فهو من العمل الاختياري الذي يقوم به كلّ النّاس.

الاختيار موجود ولا بدّ أنْ يكون موجوداً، ولكنّه لا بدّ أنْ يكون بيده وهو كذلك، فعندما نتحدث عن الاختيار، فلا تتخيّل أنّ هذا الإختيار هو بأيدينا بل هو باختياره.

كلّ هذه المجالي التي نراها وتتجلّى فيها كلّ الصّفات من الإختيار وغيره هي مجاري التوحيد.

كلّ من يضع قدمه في وادي المحبّة يجعل إختياره بيد محبوبه، وأنت أيّها المسكين تريد أنْ تكون الأمور باختيارك! ولو بقيت مصراً على اختيارك قمْ وصلّ، وقمْ وصم وأنظر كيف هي صلاتك وصيامك!!

كلّ هذه الاختلافات التي تراها في هذا العالم سواء على المستوى الفرديّ أو على المستوى الإجتماعيّ والحكومتي سببها أنّ الإنسان يريد أنْ يجعل الأمور تحت يد اختياره.

إلهي أرشدني بنفسك إلى الصّراط المستقيم وإنْ لم تهدني ضللت الطّريق.

ياران ناديده گرفتند كه اين خانه خراب است

صد گنج مرا بود به ويرانه و

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.