الشهود الثامن والعشرون
|
يقول (عليه السلام) في إخلاص التوحيد:
|
{إنّ أوّل عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصّفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف وشهادة كلّ صفة وموصوف بالاقتران وشهادة الاقتران بالحدث وشهادة الحدث بالإمتناع من الأزل الممتنع من حدثه، فليس الله عرف من عرف ذاته، ولا له وحّد من نهّاه ولا به صدّق من مثّله، ولا حقيقته أصاب من شبّهه، ولا إيّاه أراد من توهّمه.}
|
ما بُيّن في مسألة التّوحيد حتّى الآن أنّ التّوحيد هو التّوحيد مع المبدأ، ولأنّ هذا التّوحيد محالٌ في مقام الذات، فإنّ الله تعالى قد جعله من جهة الآيات والدلالات والكلمات المخلوقة المصطفين الأخيار، فأولئك انتخبهم الله لنقطة التّوحيد حتّى يرتبط كلّ انسان ويتصل بهم.
|
وأمّا الارتباط مع الحقّ والذات الربوبيّة إستقلالاً فهو محالٌ وممتنعٌ، ولكنّ شخصاً قد يتصوّر أنّ التوجّهات الباطنيّة إلى المبدأ الالهي لا حاجة فيها إلى الوسائط.
|
بمقدار الظرف الوجودي الذي أُدرك به الله، لا أحتاج إلى أيّ واسطة، فعندما أقول (يا الله)، فبنفس هذا المقدار الوجودي الذي أقول فيه (يا الله)، أحقّق الارتباط ولا واسطة في المقام.
|
هذا الشخص في الواقع غافلٌ أنّ نفس قوله (يا الله) هو واسطة، ونفس الأمر الذهني الذي يوجده لهذا النداء هو واسطة، ونفس المقدمات الفكريّة التي يقدّمها لإظهار هذا اللفظ النابع من المفهوم واسطة.
|
الله تبارك وتعالى خلق حجّتين، أحدهما ظاهريّة والأخرى باطنية، والحجّة هي نفس واسطة الارتباط التي نذكرها في مجال الارتباط بالله تعالى.
|
واسطة الارتباط هو الحجّة بين الخالق والخلق، والحجّة على قسمين الحجّة الظاهريّة وهم الأنبياء عليهم السلام، والحجّة الباطنيّة وهي العقل، ولكن ما هو العقل؟
|
قد ذكروا للعقل عدّة معانٍ، ولكنّ المتيقّن أنّ العقل ليس هو ذاك العقل العامّي الذي يعتمد عليه الناس في تنظيم أمورهم الخاصّة.
|
العقل هو الارتباط الباطني والتعلق الباطني، وهو كذلك من الجهة اللغويّة.
|
الله له حجّتان حجّة ظاهريّة وحجّة باطنية، الظاهريّة هم الأنبياء وهم الذين يحقّقون الإرتباط بين الخالق والخلق، والحجّة الباطنيّة هي العقل، وهو الفكر والإدراك الذي يربط الإنسان بالحقّ تعالى على قدر سعته الوجوديّة.
|
العقل هو ربط القلب بالله تعالى، ولذلك لا نـزاع بين العشق والعقل، فالعشق هو التعلق بالمبدأ عن طريق الإحساس وأمّا العقل فهو التعلق بالمبدأ عن طريق البرهان والإستدلال.
|
العشق يؤمّن الاتصال والارتباط عن طريق الإحساس، ولذلك تجدون أنّ العشاق ينظمون الشعر ويرسمون اللوحات، وتجد العاشق يدور في الصحارى والبراري، ولا تجد عاشقاً في غرفة مظلمة مغلقة.
|
قالوا للمجنون: لماذا لا نراك نحيفاً ونحيلاً مع أنّ كلّ العشاق ينحلون، فقال لهم: إنّ العشق لمْ يصنعهم حيث أنحلهم.
|
هذا العشق يؤمّن الاتصال عن طريق الإحساس، ولذلك قد يخرج عن طريق ظواهر الفنّ، ولكن يوجد ما هو ألطف من هذا، فإنّ العشق عندما يهيمن على وجود الإنسان تكون له لطافة أعظم من العقل، فإنّ العقل يعطي الارتباط ولكن طريقه هو طريق العبادة والنسك والبرهان وإقامة الدليل والبحث في المطالب العلميّة والمطالعة.
|
لذلك تجد العقل يتّبع ضوابط الصنع البشري لأجل ايجاد الاتصال مع الخالق، وأمّا الإحساس فمرتبط بالصّنع الإلهي بنحو مباشر.
|
الحجّة الظاهريّة هم الأنبياء وهم يرتبطون من نفس طريق الإحساس والعشق، وما يأخذ بقلوبهم في مسير العشق هو جمال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فإنّ نظرة واحدة منهم إلى جمال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تجذبهم وتجعلهم حيارى لا يقدرون على الحراك.
|
وأمّا طريق التعقّل فهو طريق الارتباط من خلال الاستدلال، وكلّما ضعف الاستدلال كلّما ضعف هذا النحو من الارتباط، وكلّما قوي هذا الاستدلال كلّما قوي الارتباط.
|
وأمّا طريق الحسن فهو غير ذلك، فإنّه سرمديّ، فتختلف شؤونه عن شؤون كلّ أنحاء الإرتباطات.
|
عشق پيدا شد وآتش به همه عالم زد
|
در ازل پرتو به حسن ز تجلى دم زد
|
هذه الارتباطات بأيّة وسيلة كانت هي واسطة، والارتباط مع الحقّ يحتاج إلى واسطة، وفي الظاهر الأنبياء هم الواسطة، وفي الباطن العقل هو هذه الواسطة.
|
أبى الله أنْ يجري الأمور إلاّ بأسبابها، وهذه الأسباب هي نفس هذه الأسماء، والأسماء على قسمين، القسم الاول: هي الأسماء التي أفاضها الله وجعلها واسطة الإرتباط مع الخلق، وهو ما يفيده قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}٢٧٢.
|
والقسم الثاني هي التي جعلناها بأنفسنا: {إنْ هي إلاّ أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنـزل الله بها من سلطان}٢٧٣، وهذا هو سبب تكسير الأصنام لأنّها أسماء صنعناها بأنفسنا.
|
وهذا الاسم الوهمي، الذي صنعناه، في حالة تضاد مع الاسم الأصلي الذي هو صنع الله تعالى وتقدس، والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد كسّر كلّ هذه الأسماء الوهميّة التي صنعها الإنسان لنفسه، وأمّا أسماء الله الحسنى فهي دائمة ولا يمكن أنْ يطرأ عليها التّكسير والتّخريب.
|
ومن اللطيف أنّهم كانوا يصنعون الأصنام من التمر، ثمّ يأكلونه عند الجوع، وهذا في الواقع ناتجٌ من فطرة الإنسان أنّه يأكل كلّ ما هو حسن وطيب، لأنّه يحقق له الانضمام مع الحسن والطيب، وهذا هو رمز التوحيد؛ ولذلك عندما يجد الوالد في نفسه محبّة ولده، يريد أنْ يقبّله ويضمّه لأنّه يريد أنْ يحقّق التّوحيد معه.
|
كلّ من يحبّ شخصاً يحبّ أنْ يلبس من نفس لون ثيابه ومن نفس نوعها، ويحبّ أنْ يقوم بما يقوم به محبوبه.
|
في باب التّوحيد، الأمر على هذا النحو، فكلّ من يريد أنْ يرتبط في طريق التّوحيد مع هذه الأسماء التي هي الأئمة عليهم السلام ويرتبط مع هذه الآيات التي هم الأئمة لا بدّ أنْ يلبس لباسهم ويتعطر من عطرهم؛ صحيح أنّ ذاته ليس كذواتهم، ولكنّ المحبّ يحبّ أنْ يشاكل محبوبه في كلّ ما يمكنه أنْ يشاكله به، والصلاة وكلّ العبادات على هذا النحو، فإنّ المحبّ الموالي يصلي لأجل أنّ حبيبه يصلي، وهذه هي الصلاة الحقيقيّة والصحيحة.
|
عندما يجد الموالي أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يصلّي، ويجد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام يصلّي والإمام الحسن عليه السلام يصلّي، فإنّه يصلّي لأجل هذا.
|
الصلاة عندما يصلّيها االمحب، فإنّما يصليها بعشق المحبوب حتّى يحصل التّوحيد ويتحقق في وجوده، ولا يكون التّوحيد عن طريق أسماء سميتموها، بل ينتخب الإنسان شخصاً ويصلي مثله ويؤدي أعماله مثله.
|
لماذا تُعتبر صلاة أهل المخالفة للولايّة باطلة؟
|
إنّ صلاة المخالف باطلة، ولو صلّى ما صلّى، وذلك لأنّه يصلّي كما كان يصلّي من لا إمكانيّة ولا قدرة له على طيّ طريق التّوحيد، فهي باطلة لأنّ التّوحيد معه لا يحقّق التّوحيد مع الله تعالى.
|
وهذا يعني أنّ الإنسان لا بدّ أنْ يكون نسخة عن هؤلاء، ولكن لا بدّ من أخذ العلم أنّ النسخة ليست هي الأصل، وإن كان كلّ ما هو مكتوب في الأصل مكتوب على النسخة.
|
كه اينجا فردارد هدايت از اضلال
|
خـلق خـالق نمـى شـود
|
إنّ الخلق لا يمكنه أنْ يصير خالقاً.
|
أولئك الذين يضلّون الطّريق يحسبون أنّ النّسخة هي الأصل، وأمّا الشّيعة فكلّهم نسخ الأصل، وصلاتهم ليست هي الصلاة فإنّ النّسخة لا يمكن أنْ تكون هي الأصل ولكنّها تشير إلى ذلك الأصل.
|
لو أنّ شخصاً قصّر في الأحكام والأوامر والتكاليف في متابعة الأصل فسوف يُكتب عند ذلك على ورقته الوجوديّة أنّ هذه النّسخة غير مطابقة للأصل.
|
الإمام الصادق عليه السلام في آخر لحظات حياته يقول {ليس منّا من استخف بالصلاة}، وهذا يعني أنّه ليس نسخة وجوديّة عنّا أهل البيت.
|
كلّ مورد يقول فيه الأئمة عليهم السلام {ليس منا} فهذا دلالة على عدم المطابقة بين الأصل والنسخة.
|
النسخة لا يمكن أنْ تكون هي الأصل، ولكن لا بدّ أنْ يكون الشيعي نموذجاً عن ذاك الأصل فهو اسم الامام، فالشّيعة أسماء الأئمة عليهم السلام، فبنفس النحو الذي يكون فيه الأئمة عليهم السلام أسماء الله فإنّ الشيعة هم أسماء الأئمة.
|
وهذا ما يؤمن التّوحيد ويؤدي إلى أنْ يصير الموحّد واحداً معهم، أيْ لا بدّ أنْ تكون النسخة كاشفة عن الأصل، ولو لم يكن هذا فإنّ طريق التّوحيد مسدود.
|
{صلّوا كما رأيتموني أصلي}٢٧٤، وهذا أمرٌ بالصيرورة واحداً معه، وهذا التّوحيد والوحدة في الظّاهر لهما من الأثر بحيث يسريان إلى الباطن، فتتحقّق الوحدة في الباطن كما في الظاهر.
|
وكلّما ظهر هذا التّوحيد وظهرت هذه الوحدة فإنّ الظهور يتحقق وهذا هو الظهور.
|
أجمل شيء في العالم هو الظهور ولا يوجد ما هو أجمل وألطف وأحسن من الظهور وهو ما قاله الحقّ تعالى: {فتبارك الله أحسن الخالقين}٢٧٥، فليس لدينا أجمل من الظهور.
|
مقصد الخلقة هو ظهور ذاك النور، وكلّ علامات الظهور جميلة، ومن هنا إيّاك أنْ تعتبر أنّ بعض علائم الظهور سيئة لأنّ هذا الاعتبار يرجع إلى نفس الظّهور، فكما أنّ الظّهور جميل فعلاماته جميلة كذلك، لأنّه مربوط به.
|
وصلّى الله على محمّد وآل محمّد الطاهرين.
|