الشهود الخامس والعشرون
|
يقول المولى عليه السلام:
|
{إنّ أوّل عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصّفات عنه، لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف وشهادة كلّ موصوف بالإقتران، وشهادة الإقتران بالحدث.}
|
إنّ كمال الإنسان في وجدان التّوحيد وشهوده، وما لمْ يصل الإنسان ، بعد نـزوله من العالم العلويّ إلى عالم الطبيعة جبراً لا اختياراً ومن ثمّ رجوعه وسلوكه في القوس الصعودي، إلى شهود هذه الحقيقة وهي حقيقة التوحيد، فلنْ يصل إلى الكمال الإنساني.
|
وقد قالوا عن الموت إنّه لقاء الله لأنّه يوصل الإنسان مجبوراً إلى نقطة التوحيد، فالموت ليس باختيار الإنسان ولا باختيار الموجودات، بل بنفس النحو الذي نـزل فيه الإنسان مجبوراً من العالم العلويّ إلى العالم السفليّ فهو مجبورٌ في نفس اختياره الذي جعله الحقّ له.
|
هذا الجبر في الاختيار يشير الى حقيقة الجبر أكثر من بقيّة الموارد، فالإنسان مجبورٌ على الاختيار، حيث لا يمكن أنْ ينفي الاختيار عن وجوده، أيْ أنّ الجبر حاكمٌ على اختياره.
|
وبهذا الاختيار الذي هو مجبور عليه، لا بدّ أنْ يعبر الإنسان من عالم الارض والناسوت إلى ذاك العالم العلويّ، وهذا متحقق فيمن وصل إلى الكمال وتحقّق بهذه الحقيقة.
|
في حالة الموت الذي هو نقطة لقاء الله تعالى يتحقّق التوحيد، أيْ أنّ الواصل يصبح واحداً مع ذاك المبدأ الذي انفصل عنه في قوس النـزول.
|
ولكنّ الموت الذي هو لقاء الله لا يحقّق الوحدة، بل أقصى ما يحقّقه هو التوحيد، أيْ أنّ كلّ من يموت بدون اختياره في الخلقة يتحقّق له التوحيد، وأمّا الوحدة فلا تتحقّق ولا تنكشف له لأنّ إدراك الوحدة لا بدّ أنْ يكون في هذا العالم الذي جُعلنا فيه وهو عالم الدنيا، فإنّ الوحدة ليست لزمان الموت الإجباري.
|
إنّ كمال الإنسان هو بالحركة الاختياريّة التي أُجبر عليها للوصول إلى الوحدة، وأمّا الموت فإنّه يوصل إلى التّوحيد ولكنّه لا يوصل إلى الوحدة.
|
برود بـه وحدت مى رسـد
|
ببرند انسان رو به توحيد مى رسد
|
وهذا السلوك، على فرض الاختيار المجبور عليه، يوصله إلى كمال الوحدة.
|
في كلّ هذه المراتب سواء كانت مرتبة التّوحيد أو مرتبة الوحدة، الوحيد الذي يُحضر هذه الحقائق إلى وجود الإنسان هو الذات المقدسة للوليّ المطلق، ولا يوجد أيّ شخص غيره يمكنه أنْ يحقّق هذه المراتب من التّوحيد والوحدة، لأنّه مجموع كلّ الوجود وهو الذي اتصل بالحقّ، وبالتالي فلا بدّ أنْ تكون كلّ الأمور على عاتقه وفي محوريته، وهو قولهم (صلوات الله عليهم): {وإياب الخلق إلينا}.
|
إذا أراد السالك الرجوع إلى التّوحيد مجبوراً بحصول الموت، فإنّ هذا لا يكون إلا بجناب الوليّ المطلق، فإنّ الموجودات كلّها ترجع إلى محمّد وآل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم.
|
كلّ الموجودات ترجع إلى الوجود الأصليّ حيث أصل الوجود المطلق، وهذه النقطة الوجوديّة هي التي ترجع إلى الحقّ تعالى، وهذا هو معنى {إياب الخلق إلينا}.
|
وهذا الرجوع ليس هو فقط للناس، بل هو لكلّ الخلق والموجودات غير ذات الباري تعالى، فكلّ الوجود غير ذات الباري لا بدّ أنْ يرجع إلى هؤلاء الكمّل الأطهار.
|
ثمّ إنّه مع كلّ مراتب التّوحيد التي يبيّنها أمير المؤمنين عليه السلام، يقول (صلوات الله وسلامه عليه) أنّ هناك حجاباً بينه وبينهم وهذا الحجاب هو الحجاب النوريّ المحمديّ والعلويّ والفاطميّ، {وخلق حجاباً بينه وبينهم}، {وجعل حجاباً بينه وبينهم}.
|
في يوم ولادة حضرة بقيّة الله الأعظم الحجة بن الحسن عليه السلام، نطلب من حضرته أنْ يعطينا هذه المعرفة وأنْ يهبنا هذا الرجوع إليهم في عالم الاختيار.
|
هنا لا بدّ من الإلتفات إلى مسألة وهي أنّ الإرجاع إليهم ليس هو الكمال، بل هذا الإرجاع حاصل لكلّ الموجودات على الإطلاق، بل الكمال هو في الرجوع الإختياري إليهم.
|
ومن هنا لا تقل يا سيّدي شرفّنا بمقدمك وارجع إلينا واكحل ناظرنا بالنظر إليك، بل أقدم أنت نحوه.
|
إنّ من سوء الأدب وقلّة التربيّة أنْ تقول لسيدك ومولاك تعال أنت، ففي وادي العشق، لا بدّ أنْ تذهب أنت إليه وتخطو نحوه، وفي هذه الخطوة يكمن كمال التّوحيد الذي هو الوحدة.
|
الإنسان المؤدّب لا يجيز لنفسه أنْ يقول لعظيمِ شأنٍ: تعال إلى بيتنا، ويسأله متى تأتي؟
|
وأمّا الانتظار الذي يذكر في هذا الباب، فهو أنْ تتحرّك بنفسك نحوه، فاخط ولوْ خطوة واحدة نحوه.
|
ضع قدماً واحدة نحوه، وسوف تجده يأتي نحوك عشر خطوات، ولكنْ هل تعلم لماذا ذكروا (صلوات الله عليهم) العشر خطوات ولم يقولوا خمس خطوات أو سبع خطوات؟
|
لأنّ العشر خطوات رمز عاشوراء، وهذا يعني أنّ التقرّب لا بدّ أنْ يكون عن طريق الإمام الحسين عليه السلام، ومن هنا كلّ من وصل ويصل إلى إمام الزمان عليه السلام، فهو قطعاً من مجرى سيد الشهداء عليه السلام، ولا يوجد عندنا غير هذا الطريق.
|
وهذا هو تفسير كلّ تلك الآيات والروايات التي تشير إلى العدد عشرة، فعندما يقول: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها} فلأنّ فيها مجرى عاشوراء.
|
كلّ الحقائق التي انكشفت لكاملي عالم الوجود ومكمّليه كانت عن مجرى عاشوراء، وظهور هذه الحاقئق وإنكشاف هذه الأسرار للعالمين يحتاج إلى معرفة بهذا الطريق وبحقيقته.
|
إنّ الوحدة معه (صلوات الله وسلامه عليه) هي أنْ يخطو الإنسان نحوه، لا أنْ يقول له تعال.
|
ولكن حذار أنْ يكون ذهابك وسيرك نحو نفسك، فقد يذهب شخص من هنا حتّى جمكران للقائه في الظاهر، ولكنّه في واقع أمره لم يخرج عن دائرة نفسه.
|
مبدأ الحركة هو أنْ يضع الإنسان نفسه جانباً ثمّ يذهب إلى جمكران، وما لم يفعل ذلك فلن يصل إلى المطلوب لأنّ سبب عدم اللّقاء وعدم الاتصال وعدم المشاهدة هو وجود نفسك.
|
إنّ الهجرة نحو الحقّ لا تكون إلاّ بوضع النفس جانباً، ومبدأ الشروع في الحركة نحوه يكون من نقطة معيّنة إلى نقطة أخرى، ولكنْ لا تنسى أنْ تخرّب السلّم الذي عبرت منه إلى تلك النقطة.
|
عندما تعبر لا بدّ أنْ ترمي بالسلّم وتخربّه حتّى لا ترجع مرة أخرى من حيث أتيت، وهذا هو معنى {وإياب الخلق إلينا وحسابهم علينا}.
|
نتيجة هذه المباحث الأخيرة التي عرضناها اليوم في ذكرى ولادة حضرة بقيّة الله الأعظم صلوات الله وسلامه وعجل الله تعالى فرجه الشريف، هي أنّ إدراك التّوحيد لا يكون إلاّ من مجرى الولايّة ومجرى صاحبها المولود في هذا اليوم وهو بقيّة الله الأعظم الحجة بن الحسن صلوات الله وسلامه عليه.
|
هذه الولادة لم تكن من ألف سنة ونيّف، بل هي من الوقت الذي وُصف فيه الحقّ تعالى بظهور الأسماء، فإنّ هؤلاء الكمّل قديمون في مقابل كلّ الممكنات، وإنْ كانوا ممكنات في مقابل القديم المطلق.
|
لو اعتبرنا أنّهم عليهم السلام ممكنات، فإنّما هم كذلك في مقابل الحقّ تعالى، وأمّا في مقابل كلّ الوجود فأيّ موضع نفرضه، حقيقته هي: {وإياب الخلق إلينا}.
|
وقد صدرت كلّ هذه الأشعّة والظلال وظهرت من مبدئ الوجود ولا بدّ أنْ ترجع إليه، والرجوع إلى هذه الحقيقة يسمّى كمال الوحدة.
|
خلاصة البحث أنّنا خُلقنا للتوحيد ولمعرفة التّوحيد حيث فُسّرت عبارة (ليعبدون) في الآيّة الكريمة {وما خلقت الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون}٢٥٢ بـ (ليعرفون)، وذلك أنّهم وجدوا أنّ عبادة غير الحقّ تعالى ممكنة، فلأجل دفع هذا الإشكال وإشكالات كثيرة أخرى قالوا: (ليعرفون).
|
ولكنّنا لا نحتاج إلى كلّ هذا، بل الأصل هو العبادة النابعة من العبوديّة، والعبوديّة لآل محمّد هي العبوديّة لله تعالى.
|
ولأجل هذا تجدون الوهابييّن يقولون أنّه لا تجوز العبوديّة لغير الله، لأن لا خبر لهم عن الولاية، وكلّ من ليس له خبر عن الولايّة يقول نفس هذا القول، ويقول أنّ العبوديّة هي فقط لله.
|
وأمّا أولئك الذين وصلوا إلى الحقيقة وتمام كبار أهل المعنى الذين أعطاهم الله إعتباراً في المعرفة، والذين أعطاهم إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، الذي هو مصداق {الذين فرضت علينا طاعتهم}، إعتباراً في المعرفة، فكلّهم يقولون في الزيارة:
|
{عبدك وابن عبدك وابن امتك}.
|
نحن كلّنا عبيد آل محمد، وهم موالينا، وكلّ العالم عبيدهم، وعبادة هذه الذوات المقدسة هي عبادتهم، وإنّ منتهى ظهورها في الإمام الحسين عليه السلام.
|
ألا ترى أنّك تسجد على تربة كربلاء بوضع رأسك عليها، ولا بدّ أنْ تسجد عليها بقصد أنّها تربة الإمام الحسين عليه السلام، فإنّها مسجد الملائكة ومسجد الحوريّات، فلا بدّ أنْ تسجد للتربة في الصلاة.
|
أولئك الذي وفّقوا للرؤيّة والمشاهدة ووفّقوا للإاتصال والارتباط لمْ يكن طريقهم طريق أهل الاحتياط، بخلاف أهل الاحتياط الذين بقوا محرومين من الوصول إلى المقصد.
|
تجد أنّ أن< كلّ من يدعي أنّه يحتاط في إعتقاداته، خوفاً من الوقوع في الشرك والباطل، قد وقع في الشرك والباطل، ولن تجد له ولن يجد هو بنفسه لنفسه أيّ نوع من النورانيّة في أيّ شيء يقوم به على الإطلاق.
|
ولو كان الأمر غير ذلك، فلماذا يقول يا الله إلى ما شاء الله ولا يسمع جواب لبيك؟ لماذا يصلي ما يصلي مع أنّه لم يحصل على أيّ جواب حتّى الآن؟ هل هذا إلاّ الضلال؟
|
إنّ الله لا يقبل شيئاً من أحد إلاّ أن يكون موحّداً، والموحّد هو الذي صار واحداً مع ذاك المبدأ {وإياب الخلق إلينا}، حيث يرجع الوجود إليهم، ومرجع هذه الحقيقة في زماننا هذا هو نفس النور الذي ظهر اليوم.
|
الارتباط مع حضرة بقيّة الله الحجّة بن الحسن لا بدّ أنْ يكون ارتباطاً توحيدياً.
|
عندما نقول إلهي إجعلنا عبيداً لك، فهو بمعنى أنْ يجعلنا عبيد آل محمد، وما يذكر في باب الفقه من أحكام العبيد من شراء العبيد وبيع العبيد وأصناف العبيد هو لأجل أنْ نتعلّم طبيعة العبوديّة لمحمّد وآل محمّد وأحكام هذه العبوديّة لهم (صلوات الله عليهم).
|
ميثم صار عبداً لأمير المؤمنين عليه السلام حيث اشتراه الإمام عليه السلام وجعله عبداً له، ولكنّه عندما حرّره (عليه السلام) بدأ يبكي ويطلب أنْ يبقى على عبوديّة أمير المؤمنين عليه السلام، فلقد قطع كلّ هذا الطريق لأجل أن يكون عبداً له غير منفكّ عنه.
|
قال ميثم للمولى عليه السلام إنّي لمْ أقطع كلّ هذا الطريق إليك حتّى تحررني من عبوديتي لك، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام إنّ هذه عبوديتك لي لا يمكن أنْ تتحرّر منها، فأنا عندما أقول لك إنك حرّ فهذا من آثار عبوديتك لنا، فكلّ من يكون عبداً لمحمّد وآل محمّد هو حرّ، وكلّ من لا يكون عبداً لهم، لا يمكنه أنْ يحس بأيّ حريّة في عالم الوجود ولا يمكنه أنْ يلمس هذه الحريّة ولا يتذوّق معناها.
|
وبعبارة أخرى، النتيجة هي أنّ التّوحيد هو التّوحيد مع المبدأ، ولا يمكنه أنْ يكون حاصلاً مع الذات الإلهيّة المقدسة، ولا يمكن لأيّ موجود ولا لأيّ شخص أو أيّ مخلوق أنْ يحصل له التّوحيد مع الذات الربوبية، ومن يدعّي هذا الأمر فقد أخذ الكفر والزندقة والإلحاد كلّ وجوده.
|
فالتّوحيد هو التّوحيد مع الموجود الذي جعله الله رمزاً للتوحيد وخلقه لأجل حصول التوحيد، ووجود هذا الموجود ليس وجوداً إستقلالياً.
|
وهذا التّوحيد هو مع محمّد وآل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم، حيث ورد قوله (عليه السلام): {وإياب الخلق إلينا}، فالرجوع يكون إليهم، والإختيار الذي أعطي لنا، والقدرة التي أعطيت لنا كلّها لأجل قطع الطريق نحوهم، ووضع أقدامنا نحوهم والرجوع إليهم، وهذه هي حقيقة الرجعة وهي الرجوع إليهم (صلوات الله عليهم)، وهو ما ورد عن الصادق عليه السلام: {ليس منا من لم يؤمن برجعتنا}٢٥٣.
|
إحدى الوسائل التي يتم معها الاتصال بهم (صلوات الله عليهم) في عالم الذكر هي الصلوات على محمّد وآل محمد، فالصّلوات هي رمز الرّجعة والشفاعة ورمز الارتباط، والتوحيد، وهي الصيروة واحداً معهم (صلوات الله عليهم) ومعرفتهم، والصلوات هي تطعيم شجرة الإنسان بشجرة الولايّة حتّى تصبح مثمرة، فعندما تتّصل شجرة وجود الإنسان بشجرتهم (صلوات الله عليهم)، عندذلك تظهر ثمرة التّوحيد من هذه الشجرة.
|
نبارك لكم اليوم ولادة حضرة بقيّة الله الحجة بن الحسن روحي وأرواح العالمين له الفداء، ونسأله أنْ يعطينا المعرفة والتّوفيق.
|
يقول تعالى في كتابه الكريم: {واتقوا الله ويعلمكم الله}٢٥٤.
|
وقد ورد عن الإمام عليه السلام: {من أحبّنا وازداد في معرفتنا ما سأل منّا مسألة إلاّ نفثنا في روعه جواباً لتلك المسألة}.
|
إنْ شاء الله نكون من تلك الزمرة التي ينفث في روعها من معارف التّوحيد ودروسه.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|