الشهود الرابع والعشرون
|
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {يا من دلّ على ذاته بذاته وتنـزه عن مجانسة مخلوقاته}.٢٤٦
|
كبار وأعاظم أهل التّوحيد الذين وصلوا إلى المقصد يقولون إنّ الحقّ بذاته دليلٌ على ذاته، لا أنّ الحقّ يُعرف بدليل اللّمّ ودليل الإنّ، وهذان اصطلاحان في علم الفلسفة حيث يُسلك لإثبات حقيقة ما من العلّة إلى المعلول أو من المعلول إلى العلّة.
|
دليل الّلمّ هو ذاك الذي يُسلك به من المعلول إلى العلّة، فإنّ الإنسان يرى الخلق ثمّ يعرف الخالق من خلال الخلق، فيرى الموجودات ويستدلّ على الصّانع وخالق عالم الوجود من هذه الموجودات. وبعبارة جامعة هو السّلوك من الكثرة والوصول إلى الوحدة، فمن إدراك الكثرات والموجودات في العالم، يدرك الإنسان الموجِدَ لهذه الموجودات؛ هذا هو دليل اللّمّ٢٤٧.
|
ودليل الإنّ هو السّلوك من الصانع إلى المصنوع، فيعرف اللهَ الموجدَ أولاً، ومن ثمّ يعرف أنّه لا بدّ من وجود مخلوق، فالرّاحم لا بدّ أنْ يكون لديه مرحوم، وهذا الموجِد لا بدّ أنْ يوجِد موجوداً ما، وهذا الطّريق ،هو من الوحدة إلى الكثرة.
|
دليل اللّم هو لأجل العموم، وأمّا دليل الإنّ فهو لمنْ يريد أنْ يعرف الله أوّلاً.
|
في زمان الغيبة يوجد أمرٌ من الله أنْ تكون المعرفة عن طريق الإنّ، {اللهمّ عرّفني نفسك فإنّك إنْ لمْ تعرفّني نفسك لمْ أعرف نبيّك، اللّهمّ عرّفني نبيّك فإنّك إنْ لم تعرّفني نبيّك لم أعرف حجّتك، اللهم عرّفني حجّتك فإنك إنْ لمْ تعرفّني حجّتك ضللت عن ديني}.
|
إذن، الدليل على قسمين: دليل الإنّ، ودليل اللّمّ.
|
فالسلوك من المعلول إلى العلة هو دليل اللّمّ، ومن العلّة إلى المعلول هو دليل الإنّ، وهذا اصطلاح.
|
فعندما يسأل ما هو لمّه، أي ما هي علّته، فهو من المعلول إلى العلّة.
|
ويوجد عندنا طريق وهو لأخصّ الخواصّ، وهو طريق {يا من دلّ على ذاته بذاته}، حيث أنّ الحقّ يدلّ على ذاته بذاته، فالدّليل يكون منه وإليه.
|
نحن نريد أنْ نبيّن بقيّة المناجاة الشعبانية، ولكنّ البحث يحتاج إلى بعض التّحقيق في هذه المسائل.
|
تلك المعرفة المخصوصة لمن يريد أنْ يصل إلى ذاته بذاته إنّما تكون من نصيب شخص له مقام وموطن قدم في تلك النّقطة.
|
در افهـام خلايق مشـكلّ آمد
|
سخنها چون به وفق مـنـزل آمـد
|
نشانى مى دهند از منـزل خويش
|
در اين ره انبياء باز از كم وبيش
|
كلّ من يتكلّم إنّما يتكلّم من مقامه ومنـزله، فلو تكلّم بلسان دليل اللّمّ، فإنّما يتكلّم بحسب ما وصل إليه في مقام اللّمّ، ولو تكلّم بلسان الإنّ فهو يتكلّم كذلك بحسب ما وصل إليه من شأن الإنّ.
|
ولوْ تحدّث بما هو خارج عن دليل الإنّ واللّم {يا من دلّ على ذاته بذاته}، فهو يتكلّم بما يناسب شأنه من المعرفة وبحسب ما وصل إليه.
|
وهذا الاختلاف الموجود في العالم متناسب مع ذاك الخلاف الموجود في الأصل بين مقامات الناس ودرجة وصولهم وفهمهم للحقائق.
|
وأمّا العارف الشّامخ الواصل إلى الحقّ تعالى القائل: {يا من دلّ على ذاته بذاته}، فيصحّح كلام كلّ متكلّم، وكلّ كلام صحيح في الواقع.
|
هنا يرتفع الاختلاف، ولا يبقى أيّ نـزاع بين أيّ شخص في الإعتقاد، ولو وصل الإنسان إلى يقين أنّ كلّ شخص إنّما يتكلم من منـزله الخاصّ، فسوف تحلّ كثير من الإشكالات حيث أنّ بعض الناس لا يمكن رفعهم في الفهم والإدراك إلى الأعلى.
|
ومن هنا قول {إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أنْ نكلّم الناس على قدر عقولهم}٢٤٨، لأنّهم لم يصلوا إلى مستوى شهودنا وإدراكنا للحقائق.
|
در افهام خلايق مشكلّ آمد
|
سخنها چون به وفق منـزل آمد
|
در آن خلق جهان گشته مسافر
|
يكى خط است عالم تا به آخر
|
هذا الخط الواحد هو خطّ التوحيد.
|
الوحدة تتحقّق في مقام {يا من دلّ على ذاته بذاته}، وقول رسول الله صلى الله عليه وآله: {عليٌّ ممسوس بذات الله} يشير إلى هذه الوحدة.
|
يقول المولى أمير المؤمنين عليه السلام: {ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله قبله وبعده ومعه وفيه}٢٤٩.
|
ولكنْ هل تجد من بين كلّ الأنبياء والأولياء الواصلين من تكلّم بما تكلّم به أمير المؤمنين عليه السلام؟
|
هذا هو الموحّد الأتمّ في هذا الوجود، وجعل اللهُ الترابَ على رأس هذا الوجود بأكمله حيث يريد أنْ يصفه ويعرفه.
|
لا يمكن لأحد أنْ يصف هذا الموجود أو يعرفه، لأنّ وصفه ومعرفته خارجان عن القدرة البشريّة والسّعة الإمكانيّة.
|
ولكن على كلّ حال، قد توجد إجازة بأنْ يتكلّم الإنسان المحبّ والموالي له بالمقدار الذي يتيسّر له، ولكنّ الله وحده يمكنه أنْ يبيّن موقعيّة أمير المؤمنين عليه السلام، وقد بيّن الله حقيقته عليه السلام للنّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وحجبها عن النّاس لأنه لا يمكنهم ان يفهموا ماهيّة أميرالمؤمنين عليه السلام، فإنّ عليّاً ممسوس بذات الله، وهو الذي من ذاته يعلم اللهَ، ويعلم ذاتَه من الله {يا من دلّ على ذاته بذاته}.
|
ولا يوجد أيّ موجود في العالم بهذا النّحو في التّوحيد، إلاّ أنْ يكون مرتبطاً مع عليّ عليه السلام بنحو الاستغراق التامّ في المحبّة.
|
عندما يشهد اللهُ بنفسه على الوحدانيّة، فإنّ نفس أمير المؤمنين عليه السلام يشهد بأنْ لا إله إلاّ الله لأنّه فانٍ ومستغرق في الذّات المقدّسة.
|
ولكن هل تعلمون لماذا يشهد اللهُ بهذه الشّهادة {شهد الله أنه لا إله إلاّ هو}؟
|
لأن علياًَ قال أشهد أنْ لا إله إلاّ الله، فشهد الله أنّه لا إله إلاّ هو.
|
معرفة الله عند أمير المؤمنين عليه السلام ليست كمعرفة موحّدي العالم من الطّبقة الأولى الذين يستدلّون على الله بطريق الإنّ أو طريق اللّمّ، بل هو من طريق {يا من دلّ على ذاته بذاته}، بل الأمر أشمخ من هذا.
|
لذلك وحده عليٌّ عليه السلام له اسم الله وليس لغيره هذا الشّرف، وهو عزيز بنحو أنّه حتّى النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم ينتخب هذا الاسم لنفسه، والله لم يضع لنفسه اسم النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ عليّاً هو مبيّن التّوحيد في عالم الوجود، والتّوحيد يقتضي هذا النّحو من الوتريّة والفرديّة.
|
ومن هنا، فكلّ ما يقال في هذا العالم من كلام، يقول عنه هذا الكامل إنه صحيح لأنّ الكلام يصدر على وفق المقامات التي يتكلّم منها المتكلّم.
|
در افهـام خلايق مشكلّ آمد
|
سخنها جون به وفق منـزل آمد
|
ومن هنا، من لا يستطيع أن يحلّل الأمور على جهاتها المختلفة ولا يمكنه أن يدرك الحيثيّات المتعدّدة فيها، فلأنّ رتبته على هذا النّحو؛ وهو صحيح كذلك.
|
نشانى مى دهند از منـزل خويش
|
در اين ره انبياء باز از كم وبيش
|
إنّ سبب الإختلاف هو أنّ كلّ شخص يريد أنْ يرى الآخرين في رتبته الخاصّة به، ولهذا ينشأ الإختلاف.
|
يقول الإمام الصادق عليه السلام:
|
{لو علم النّاس كيف خلق الله تبارك هذا الخلق لم يلم أحد أحداً}٢٥٠، ولكن حيث أنّهم لا يعلمون فلهذا يلومون بعضهم بعضا.
|
المحقّق الشيخ محمود الشبستري نطق ببعض الكلمات- وقد كان كبيراً بكلّ ما للكلمة من معنى حيث حصل له الجذب في سنّ الشّباب حيث كان عمره ثمان وعشرين سنة، واتّصل واطّلع على أسرار ورموز، وهي نفس تلك الأسرار والرّموز الموروثة عن أهل البيت عليهم السلام- حيث قال:
|
نبي فرموده او مانند گبرست
|
هر آنكس را كه مذهب غير جبرست
|
هل تظنّ أنّ كلّ هذا العالم فيه اختيار، فلو كان أمرك متعلّقاً بالاختيار لكنت صرت جيداً وصالحاً من الأول لأنّ قلبك يريد هذا الصّلاح والحسن. ألست أردت وتريد أن تكون خيّراً؟
|
لو كان الأمر باختيارك، لماذا لم تصل بعد إلى مقصدك الذي تريده؟
|
كلّ الكّفار والمشركين وكلّ أولئك من أهل المعصيّة والذّنب يريدون من أعماق قلوبهم أنْ يكونوا جيّدين، وإلاّ فات لي بشخص لا يريد أنْ يكون خيّراً وصالحاً؟
|
لن تجد هكذا شخص على الإطلاق، بل تجده يقول: إنّي أنا الله لا إله إلا أنا.
|
بل وتجد أنّ كلّ من أراد أنْ يكون جيّداً من أسوأ الناس، وأمّا من يقِرّ ويعترف بسوئه يأخذه الله بيده إليه وينجيه ممّا هو فيه.
|
إعترف بالعجز واعترف بالقبح والسوء في وجودك، وأمّا الكبرياء فهو مختصٌّ بالله تعالى، والحسن لمن هو واحد معه تعالى وتقدّس.
|
إنّ الخير والحسن من اختصاص أولئك الكمّل من أهل بيت العصمة والطهارة وهو ما ورد في الزيارة الجامعة: {إنْ ذُكر الخير كنتم أوّله وأصله وفرعه ومعدنه ومأواه ومنتهاه}٢٥١.
|
الآن، لو أنّك وجدت شخصاً في هذا العالم يريد أن يغصب حقّهم تقول عنه إنّه سيء وقبيح، مع أنّك بنفسك تحبّ أنْ تغصب مقام أولئك ليلك ونهارك وتريد أنْ تكون حسناً وجيّداً.
|
أليس طلبك بأنْ تكون حسناً وجيّداً غصب لحقوقهم وشؤونهم؟
|
لوْ أنّك أمعنت النّظر في عمق وجودك، سوف تجد فيه الأوّل والثاني والثالث، وسوف تجد فيه كلّ من كان معادياً لهم صلوات الله عليهم.
|
ساداتي ومواليّ، الأنوار الأربعة عشر الطاهرة والخيّرة، إنّ الخير والحسن والجمال والبهاء والعصمة لكم لا لغيركم.
|
يقول هذا الكبير الشبستري مجدّداً:
|
جدا هرگز نشد والله اعلم
|
سيه روئي ز ممكن در دو عالم
|
أنظروا كيف يعترف ويقول إن الخير بعيد عنّي، بل هو لكم فقط أهل البيت، والقبح والبعد لي وفي ذاتي.
|
إنّ الحسن والخير لكم، ساداتي، ولمن قلتم عنه إنّه حسن وخيّر وفاضل، ونحن نعترف أنّ الحسن هو فقط لهذه الأنوار الأربعة عشر معصوماً.
|
ونحن نقول إنّنا سيّئون باللّسان وكذا بالعمل والفعل، لا أقلّ، حتّى نعرف أنفسنا ونعلم الحال التي نحن عليها.
|
الآن، لو أنّ برقاً لمع في وجودك، فلا ينبغي أنْ تُخدع وتقول إنّه لمع لأنّك كنت جيّداً وصالحاً وصرت طاووس العليّّّين، بل أقرّ بالسّوء والقبح على الدّوام.
|
جدا هرگز نشد والله اعلم
|
سيه روئي ز ممكن در دو عالم
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطّاهرين.
|