التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود الحادي والعشرون
يقول (عليه السلام) في إخلاص التوحيد:

{إنّ أوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصّفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف}.

إنّ التّوحيد أكبر هديّة إلهيّة يمكن أنْ تُعطى لأحد، وقد بعث الله الأنبياء لأجل نشر هذه المواهب الإلهيّة وتعليم الناس التوحيد.

التّوحيد هو التّوحيد مع المبدأ وكمال التّوحيد هو إدراك الوحدة، وحيث أنّ التّوحيد مع المبدأ عن طريق الذات محال، فلا يقدر أحد أنْ يصل إلى التّوحيد عن طريق الذات، والتطرق إلى هذا الباب يؤدي إلى الكفر والزندقة والإلحاد، وكلّ من يضع قدمه في منطقة الذات بالفكر والإعتقاد خارج عن دائرة التوحيد.

ثمّ إنّه وإنْ كان وجدان التّوحيد في مرتبة الصفة والاسم، ولكنّ كمال التّوحيد مخفيّ ومستور في مرتبة الصّفة والاسم، وهو موجود في الوحدة ولا يكون إلاّ بإلقاء الاسم والصفة.

مالمْ يقطع الإنسان الطريق إلى التّوحيد عن طريق الاسم والصفة، لا يمكنه أنْ يدرك ويطّلع على التوحيد، وكذا لو أنّ الموحّد لمْ يلقِ الاسم والصفة فلنْ يجد طريقاً إلى الوحدة.

في هاتين المنطقتين منطقة إدراك التّوحيد ومنطقة وجدان كمال التّوحيد الذي هو الوحدة، يوجد تجلٍ خاصّ للأنوار الأربعة عشر لمحمّد وآل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم، وقد وردت كلّ هذه المعاني والحقائق في أدعيّة الأئمة عليهم السلام ومناجاتهم، وبيّنوا أنّ المعرفة إنّما تنصب على الأسماء والصّفات، ولكلّ قدر مخصوص من المعرفة والاطلاع على هذه الحقائق بمقدار إستعداده وسعة وجوده.

ومن جملة هذه الأدعيّة الجديرة للتوجه-وكلّها في الواقع جديرة بالتوجه- الأدعيّة الشعبانيّة والمناجاة الشعبانية، التي دعا بها الإمام زين العابدين عليه السلام وعلّمها محبّيه ومواليه في شهر شعبان، حيث يقول:

{اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد شجرة النبوّة}، معنى الصلاة هنا هو الارتباط والاتصال بهذه الشجرة، ومن هنا قال (عليه السلام): {شجرة النبوّة}، والسبب في ذلك أنّ شجرة وجودنا ليست ذات قيمة وليس فيها ثمار التوحيد؛ نعم توجد شجرة ولكنّها إمّا بلا ثمار وإمّا أنّ لها ثمار ولكنّها غير قابلة للإستفادة.

الشجرة غير المثمرة هي شجرةٌ لمْ يظهر فيها التّوحيد أصلاً، وأمّا تلك الشجرة المثمرة، ولكنّ ثمارها غير قابلة للاستفادة، فهي تلك التي وجدت التّوحيد من طرق أخرى، وهذه أيضاً لا بدّ أنْ تُطعّم حتّى تصبح ثمارها حلوة وقابلة للإستفادة.

الشجرة التي ليس فيها ثمرة، أو فيها ثمرة ولكنّ ثمرتها غير قابلة للإستفادة، لا بدّ أنْ تُطعّم بشجرة محمّد وآل محمّد وتتصل بها، وعندما تُطعّم تلك الشجرة من شجرة محمّد وآل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم، ينال صاحب هذه الشجرة من التّوحيد نصيبه وحظّه.

قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): {مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها هلك}، هو باعتبار أنّ هذه السفينة تتّجه نحو التّوحيد وتغوص في بحره وتتّجه نحو ساحل المعرفة، وكلّ من يركب هذه السفينة فهو في مسير واحد مع هؤلاء الكمّل.

ولا يوجد طريق لهذا الركوب غير طريق المحبّة، فمحبّة هؤلاء هي التي ترعى الإنسان وتسوقه نحو المقصد.

{اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد}، يا إلهي إجعلني مرتبطاً بشجرة محمّد وآل محمّد {شجرة النبوة}، إلهي أطعم شجرتنا من شجرة محمّد وآل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم، والنبوة هنا هي بمعنى الإنباء والإخبار عن الحقائق، فهذه الشجرة تخبر وتنبأ عن كلّ حقائق التوحيد، ولا توجد أيّ شجرة ثمرتها ثمرة التّوحيد غير هذه الشجرة.

هذه الشجرة مملؤة بالأنباء عن التوحيد، والنبأ هنا هو الوجود المقدس لصاحب الولايّة الكليّة والمطلقة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

{وموضع الرسالة} أيْ هنا وُضعت حقيقة الرسالة، فلو أراد شخص أنْ يطلع على سرّ النبوة والرسالة لا بدّ أنْ يربط وجوده بهذه الشجرة، وطريق الإرتباط بهذه الشجرة هو المحبّة، والآيات والروايات في باب المحبّة كثيرة جداً ينبغي للطالب أنْ يراجعها.

يقول تعالى: {قُلْ لا أسألكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى}٢٢٩، وشجرة النبوة هذه هي نفسها التي ارتبط بها كلّ الأنبياء عليهم السلام بالمحبّة من آدم حتّى الخاتم.

وقد بُيّنت وجوه إرتباط الأنبياء بهذه الشجرة في زيارة سيد الشهداء عليه السلام:

{السلام على وارث آدم صفوة الله}، وهذه الوراثة ليست هي الوراثة العرفيّة بلْ هي نفس وراثة الله تعالى للخلق كما في قوله تعالى: {ربّ لا تذرني فرداً وأنت خير الوارثين}٢٣٠، فإنّ الوارث أحد أسماء الله تعالى، والوارث هو الذي يخرج الإنسان عن الفردانية، والشفاعة بنفس المعنى، والصلوات على محمّد وآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم هي بنفس معنى الشفاعة، ومن هنا كلّ من يقطع الطريق بالصلوات يصل إلى الشفاعة، بل هي عين تحصيل الشفاعة، وكلّ من يفهم معنى وارث، يصل إلى إدراك معنى الشفاعة، فإنّ الله هو الوارث.

{السلام على وارث آدم صفوة الله}؛ هنا وارث آدم بمعنى أنّ آدم لمْ يبق فرداً وحده، فإنّ الحقّ تعالى يريد أنْ يعرّف شخصيّة آدم عليه السلام، فلو لم يرث سيدُ الشهداء آدمَ لما بقي لآدم وجود ولرُفع من البين.

{السلام على وارث نوح نبي الله}؛ ليس معناه أنّ الحسين عليه السلام قد استفاد من نوح، بل المقصود أنّه لوْ لمْ يكن الحسين عليه السلام لما كان لهذا الموجود وهو نوح وجود، فحيثيّة نوح هي في حقيقتها لصاحب نوح وهو سيد الشهداء وارث نوح.

إنّ الله وارث من في السموات ومن في الأرض، والذي يشير إلى هذه الوراثة المطلقة هي الأربعة عشر نوراً، وبالأخص الإمام الحسين عليه السلام.

{أشهد أنّ دمك سكن في الخلد واقشعرت له أظلّة العرش، وبكى له جميع الخلائق، وبكت له السموات السبع والأرضون السبع}٢٣١، فقد كانت هذه القشعريرة من كلّ الموجودات، ممّا دون العرش، وبكاء كلّ هذه الموجودات لأجل أنّ الحسين عليه السلام هو وارث كلّ هذه الموجودات على الإطلاق، وهي نفس وراثة الحقّ تعالى.

فلو لم يكن الحسين عليه السلام لما كان سماء ولا أرض ولا فلك ولا أيّ شيء لأنّه وارثها كلّها، فإنّ الحسين عليه السلام ينقش على الأشياء وجودها وينقش على وجوداتها بقاءها كذلك، وهذه هي حقيقة الوراثة.

الحقّ وارث، ومظهر الوارث هو الإمام الحسين عليه السلام، ولهذا يبكي كلّ من في السموات والأرض عليه لأنّه وجوده قد استقر في قلوب الوجودات وفي ذواتها كلّها لأنّه وارثها كلّها.

إنّ الوارث هو الذي يعطي الشفاعة، والشفاعة هي التي تحقق لنا الإرتباط وتحقّق رمز الصلوات، وهي التي تخرج الإنسان من الفردانيّة وتجعله معهم (صلوات الله عليهم) وهي قوله تعالى: {وهو معكم أينما كنتم}٢٣٢.

{اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد شجرة النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة}؛ الملائكة التي عددها أكبر من كلّ الموجودات من الجن والإنس إنّما تتردّد على أبواب بيوتكم، وهذا حاصل لكلّ الملائكة من جبرائيل وإسرافيل وميكائيل وبقيّة الملائكة المقربين، فإنّ لهم ذهاب وإياب دائم على باب بيتكم أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم.

{ومعدن العلم}؛ أنتم يا آل محمّد معدن العلم، ولوْ لمْ تكونوا لما عَلم أحدٌ شيئاًَ على الإطلاق.

{وأهل بيت الوحي}؛ أنتم يا آل محمد، قد صدر الوحي من بيوتكم لكلّ الأنبياء عليهم السلام.

{اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد الفلك الجاريّة في اللجج الغامرة يأمن من ركبها}؛ كلّ من يركب هذه السفن، يدرك ويطّلع على حقيقة هذه الصلوات ويدرك الشفاعة ويدرك الارتباط، وأمّا كلّ من يريد أنْ يسبح في بحر نفسه سوف يؤدي الأمر به في النهايّة إلى الغرق، لأنّه مهما كان قادراً على السباحة، ولكنّه لن يقدر على المداومة إلاّ أنْ تكون سفينة يستنجد بها، ولا سفينة في هذا البحر غير سفينة محمّد وآل محمد، وهي نفس سفينة الإمام الحسين عليه السلام سفينة النجاة.

{اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد الفلك الجاريّة في اللجج الغامرة يأمن من ركبها، ويغرق من تركها}؛ لا يكون الإنسان متكبراً، ولينظر إلى من نخا على باب دارهم.

{المتقدم لهم مارق، والمتأخر عنهم زاهق، واللازم لهم لاحق}؛ واللزوم لهم هو إطاعة أوامرهم بنفس النحو الذي أمروا به على التفصيل، وعندما يصل الإنسان إلى معرفتهم (صلوات الله وسلامه عليهم) يدرك عندها منطقهم وبيانهم، و منظور قولهم.

فالكثير ممّا لم يقله الأئمة عليهم السلام صحيح، ولكنّه لا يتيسّر كشفه إلاّ إذا أدرك الإنسان منطقهم صلوات الله عليهم.

{اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد الكهف الحصين}؛ وهذا الكهف يحفظ من كلّ الآفات والبليات.

{وغياث المضطر المستكين}؛ من يريد أنْ يصل إلى التّوحيد لا بدّ أنْ يتمسك بهم (صلوات الله عليهم).

{وملجأ الهاربين}؛ من أيّ مكان فررت فلا بدّ أنْ ترجع إليهم (صلوات الله عليهم)، سواء فررت من المسجد أو الخانقاه أو من الدير، فلا بدّ أنْ ترجع إلى ساحة قدس هؤلاء الكمّل، وهذه هي التّوبة الحقيقيّة، ومن يتصور أنّه يمكن أن يرجع إلى الذات المقدسة مشتبه، فإنّ الإرتباط بالذات المقدسة محال، فلا يبقى مجال إلاّ للاسم والصفة، وهم أسماء الله وصفاته؛ فرجوع كلّ عبيد العالم، من آدم حتّى الخاتم، هو لهذه الأنوار المقدّسة للمعصومين عليهم السلام.

{وعصمة المعتصمين}؛ كلّ من يطلب الإعتصام، فأولئك الكمّل هم عصمته.

{اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد صلاة كثيرة تكون لهم رضاً ولحقّ محمّد وآل محمّد أداءاً وقضاءاً بحول منك وقوّة يا ربّ العالمين.}

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.