الشهود العشرون
|
يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {إنّ أوّل عبادة الله معرفته}.
|
التّوحيد مع المبدأ هو وصف التوحيد، وأمّا كمال التوحيد، فيكون بإدراك الوحدة بعد تحقّق التّوحيد وإدراكه لدى السالك.
|
التّوحيد هو التّوحيد مع المبدأ كما أنّ الوحدة هي الوحدة مع المبدأ، وحيث لا يمكن التّوحيد مع المبدأ في مقام الذات المقدسة وكذلك لا يمكن الوحدة مع المبدأ في مقام الذات المقدسة، فما يتحقّق هو التّوحيد في مجال الاسم والصفة، كما أنّ الوحدة التي هي كمال التّوحيد تتحقّق في مقام الاسم والصفة، وبعبارة أخرى ذات الحقّ تعالى منـزهة ومبرّأة عن كلّ هذه الإنضمامات والإضافات، وهو نفس قوله (عليه السلام):
|
{فليس اللهَ عرفَ من عرف ذاته، ولا له وحّد من نهّاه، ولا به صدّق من مثّله، ولا حقيقته أصاب من شبّهه، ولا إيّاه أراد من توهّمه، ولا له وحّد من اكتنهه، ولا به آمن من جعل له نهاية، ولا صمده من أشار إليه، ولا إيّاه عنى من حدّه، ولا له تذلّل من بعّضه، كلّ قائم بنفسه مصنوع}.
|
ليس هو الله من يضع السالك قدمه في مجال معرفة ذاته، ومن يدّعي أنّه عرف الله في مرتبة ذاته، يكون مخطئاً، ويكون معروفه غير الله، لأنّ وضع يد المعرفة في مقام الذات المقدسة أمرٌ محالٌ وممتنعٌ، وهو قوله (عليه السلام): {فليس اللهَ عرفَ من عرف ذاته، ولا له وحّد من نهاه}، بمعنى أنّ من يقول إنّه عرف الله فقد فرض له نهاية، ومن يدّعي أنّه وصل إلى كمال المعرفة فقد جعل للحقّ تعالى نهاية، والواقع أنّه لم يجد طريقاً لمعرفة الحقّ وتوحيده.
|
{ولا به صدّق من مثّله}، من أعطى للحقّ مثلاً في مرتبة ذاته لم يصدّق به، {ولا حقيقته أصاب من شبّهه}، أيْ من جعل له شبيهاً لمْ يصب حقيقته، {ولا إيّاه أراد من توهّمه}، كلّ من يريد أنْ يطوي طريق المعرفة بالتوهّم، لن يجد الطريق لمعرفة الله وتوحيده.
|
{ولا له وحّد من اكتنهه}، من يقول أنّه اكتنه الذات المقدّسة بالمعرفة، لمْ يصل إلى التّوحيد بأيّ نحو من الأنحاء.
|
مگر رسد خس به قعر دريا
|
به كنه ذاتش خرد بـرد پي
|
{ولا به آمن منْ جعل له نهاية، ولا صَمَده منْ أشار إليه}، كلّ من يشير إليه بأيّ نحو من الإشارة لم يصب الواقع، {الله الصّمد}٢٢٤.
|
{ولا إيّاه عنى من حدّه}، من جعل له حدّاً لم يقصده ولم يعنه، فأسماء الحقّ وصفاته ليست هي الحق، بل هي مظاهر الحقّ تعالى ومبيّنة له، وليست حدود الحقّ بل هي تجلّيات الحقّ تعالى وتقدسّ.
|
{ولا له تذلّل من بعضه}، كلّ من يبعّض الله تعالى، لا يمكنه أنْ يخضع أو يخشع للحقّ تعالى في مقام ألوهيّته.
|
هنا تبيّن أنّ التّوحيد في مرتبة الذات- بأيّ معنى يقال ويفرض- محالٌ وممتنع، وحتّى خاتم الأنبياء محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم كان مأموراً من الله بتسبيح اسم ربّه الأعلى، {سبّح اسم ربّك}٢٢٥ وبذكر اسم ربّه {واذكر اسم ربّك وتبتّل إليه تبتيلاً}٢٢٦، فمع أنّه لا يوجد في عالم الوجود من هو أكثر منه قدرة على كشف التّوحيد ومعرفته، فقد خُوطب بأنْ يكون في إثر الاسم.
|
هذه النّقطة نبحثها على أساس البحث العلمي:
|
بناءّ على الاصطلاح الموجود عند أهل التحقيق، يوجد فرق بين الصفة والنعت، فإنّ النعت هي الصّفات الثابتة التي لا يمكن أنْ تتغير في الإنسان ، فكلّ ما يكون غير متغير في الإنسان يعبّرون عنه بالنعت وهذا اصطلاح، فلوْ أراد كاتب أنْ يتحدّث عن بعض الصّفات الثابتة غير المتغيرة في الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يجعل بحثه تحت عنوان نعت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولو أراد أنْ يذكر شيئاً في عبوديّة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم من شعر أو مدح فهو نعتٌ.
|
وأمّا الصفة، فقد توجد أحياناً مع الموصوف وقد لا توجد، فلو أردنا مثلاً أنْ نتحدّث عن صفة نوم أحد أو عن شيء من هذا القبيل فهو وصف، لأنّ النّوم صفة يتلبّس بها الإنسان في بعض الأحيان وقد ينخلع منها، وأمّا حديثنا عن وجوده وكمالاته المعنويّة فهو نعتٌ، إلاّ أنْ يُقال أنّه في باب الممكنات لا يمكن أنْ يتحقّق نعتٌ باعتبار أنّ العدم يطرأ دائماً في مقام ذات الممكنات، فحيث أنّ الممكنات قابلة للفناء والتبدل، فلن يوجد أيّ نعت للممكن في هذا العالم، لأنّه يذهب ويزول ويفنى، فيكون وصفاً على هذه الحال.
|
ما يعرض على نفس الموصوف الذي يطرأ عليه الفناء والعدم هو وصفه المتعلق به، وأمّا النعت فلا ينفصل عن منعوته وهو معه دائماً.
|
صفات الحقّ تعالى لا يمكن أنْ تنفصل على الحقّ تعالى، ومن هنا لا بدّ أنْ نجعل فرقاً بين صفات الممكن وصفات الواجب، فنقول في صفات الممكن إنّ وصفنا لحالة نومه يعتبر صفة لأنّه لا يكون كذلك دائماً، وكذا لو وصفنا حالة وقوفه فهذه صفة لأنّه ليس واقفاً دائماًَ، وكذا جلوسه وغير ذلك من هذا القبيل.
|
الآن، لو أمعنّا النظر في كلام عالِِم التّوحيد وعارفه المطلق أمير المؤمنين عليه السلام لوجدنا أنّ له معرفة بالحقّ تعالى إلى مستوى ينفي الصّفات عنه، فيقول: {وكمال التّوحيد نفي الصّفات عنه}.
|
وبعبارة أخرى، كلّ هذه الصّفات من الرحيم والعليم والرحمن والودود التي نقولها وننسبها إليه تعالى ليست مناسبة مع الذات الربوبية، وهذا اللباس لا يتلبّس به الحقّ تعالى، ومن هنا عندما ننسب له تعالى كلّ هذه الصّفات لا بدّ أنْ نكبّر الله بعدها مباشرة (الله أكبر)، فإنّ الله أكبر من أنْ يوصف، ولكن حتّى بوصف خاتم الأنبياء؟
|
نعم حتّى بوصف خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم.
|
حتّى بوصف أمير المؤمنين عليه السلام؟
|
نعم حتّى بوصف أمير المؤمنين عليه السلام.
|
بل أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي يعلم أنّ الله أكبر من أنْ يوصف، فإنّ الحقّ تعالى أكبر من أيّ وصف يُعطى له بأيّ مقدار كان. الله أكبر، الله أكبر.
|
ولكن نحن ماذا نفعل؟ ماذا نفعل إذا كان مجال الذات محذوراً؟
|
ههنا، كلّ الموجودات لا بدّ أنْ ترتبط بالاسم والصفة، ففي عالم التّوحيد وعالم الوحدة لا بدّ أنْ يكون التّوحيد وكذا الوحدة مع الاسم ومع الصفة.
|
شهر رجب قد مضى، وفي هذا المورد لا بدّ أنْ نتعلّم من تلك الأدعيّة المبيّنة من الأئمة عليهم السلام في بيان الحقائق، كيف يمكن أنْ نعبد الله، وكيف يمكن أنْ نعرف الله تعالى؟
|
يقول (عليه السلام): {لا فرق بينك وبينها إلاّ أنّهم عبادك وخلقك}، لا بدّ أنْ يتحقق التّوحيد مع هؤلاء الذين لا فرق بين الله وبينهم إلاّ أنّهم عباده وخلقه.
|
سلمان، على سبيل المثال، لو لم يكن واحداً مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أمكنه أنْ يكون أوّل مؤمن وتكون له الدرجة العاشرة من الإيمان.
|
أمير المؤمنين عليه السلام كان فوق التّوحيد مع الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان نفس الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ولأنّه وحدته مع رسول الله كانت تامّة، كان إيمانه أعظم من الجميع.
|
سلمان ليس قابلاً للمقايسة مع أمير المؤمنين عليه السلام في ذات الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وليس قابلاً للمقايسة مع أهل البيت عليهم السلام في هذا المجال.
|
فذاك الذي كان في المرتبة العاشرة وكان بتمام التأييد والتصديق، يختلف عن كلّ أهل البيت عليهم السلام.
|
إنّ أمير المؤمنين عليه السلام هو النقطة التي تدور حولها كلّ الأشياء والموجودات.
|
{أنا وعلي من نور واحد}، {أنا وعلي من شجرة واحدة}، {لحمه لحمي ودمه دمي}٢٢٧، فهما واحد حتّى في الوجود العنصري.
|
ولهذا قال أمير المؤمنين عليه السلام: {أوّلنا محمّد وآخرنا محمّد وأوسطنا محمّد، وكلّنا محمد، فلا تفّرقوا بيننا، ونحن إذا شئنا شاء الله وإذا كرهنا كره الله، الويل كلّ الويل لمن أنكر فضلنا وخصوصيّتنا، وما أعطانا الله ربّنا لأنّ من أنكر شيئاً ممّا أعطانا الله فقد أنكر قدرة الله عزّ وجل ومشيئته فينا.}٢٢٨.
|
هذا كلّه كلام عن التّوحيد والوحدة.
|
إنّ الطريق إلى مقام الذات مغلق، وأمّا طريق الاسم والصفة فمفتوح لكلّ شخص بقدر استعداده الوجوديّ الخاص، وإرادته لمعرفة الله.
|
إنّ تعدّد التوجهات القلبيّة نحو الأئمة عليهم السلام لا يكشف عن التعدد في المحبّة، فإنّ محبّة أي واحد منهم (صلوات الله عليهم) تعني محبّة الكلّ، ومن هنا قد تجد من يتوجّه في محبّته إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وتجد من يتوجهّ إلى أمير المؤمنين عليه السلام أو إلى الإمام الحسين عليه السلام أو الإمام الرضا عليه السلام، أو إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف.
|
نعم، يُلحظ في بادئ الأمر أن المحبّة غالباً ما تتعلّق بمحبّة الذات المقدسة لأمير المؤمنين عليه السلام حيث أنّه مشعل فتيلة الحبّ في وجود السالك الموالي، ويبقى على هذه الحالة نحواً من الزمن، ومن ثمّ يرتقي هذا التوجّه نحو الإمام الحسين عليه السلام.
|
إنّ عدم إدراك الوحدة من قبل السالك ناشئ من عدم وجود الإستعداد القلبي في ظرفه الوجودي الخاص لإدراك هذه الوحدة في المظاهر المتعددة، ولذلك قد يحسّ بالتبدّل والتغيّر، ولكنّك لو سألته: هل تعتقد بالتعدد بينهم، يقول: لا، بل هم واحد (صلوات الله عليهم).
|
الآن لو تنـزلنا إلى رقيّة بنت الإمام الحسين عليه السلام، والواقع أنّه ليس تنـزل واقعي بل هو تنـزل من الجهة الذهنيّة فقط؛ كلّ من يحبّ السيدة رقيّة سلام الله عليها، فهو في الواقع يحبهم (صلوات الله وسلامه عليهم)، وكذا الحال في محبّة أبي الفضل العباس عليه السلام، وهذا في الواقع تابع للوحدة المتحققة بين ذواتهم.
|
ولو تنـزلنا أكثر، فلوْ أنّ شخصاً أحبّ صديقه الملازم له، فإنّ نفس محبّته هي محبّة أمير المؤمنين عليه السلام.
|
كلّ من يحبّه الإنسان من الموالين ويتعلق قلبه به، فهي محبتهم وهذا هو التوحيد، وهو التّوحيد مع المبدأ عن طريق مظاهر وأسماء وصفات الحقّ تعالى.
|
إنّ محبّة سلمان هي نفس محبّة أمير المؤمنين عليه السلام في الواقع، ومنْ هنا، ورد في روايّة عندنا أن سبّ سلمان يؤدي بالمرء إلى الإنسلاخ عن الإيمان، وهذا الإنسلاخ هو بمعنى إرتفاع الإيمان من الأساس.
|
إنّ التولّي والتبرّي ينتقش في وجود الإنسان عبر هذه المحبّة، والمحقق للتولّي هو نفس المحقق للتبري.
|
موالٍ لمن والاكم، ومعادٍ لمن عاداكم.
|
فلنرجع إلى أصل البحث.
|
التّوحيد هو التّوحيد مع الاسم والوصف، والوصف هنا هو ما ذكرنا معناه الاصطلاحي، وهو الوصف المتغيّر، لأنّه لا ثبات للوصف في عالم الإطلاق واللانهاية، فكلّ وصف يُنسب للأسماء الإلهيّة ومقام الربوبيّة فهو غير وصفه الحقيقي، ومن هنا تجد أنّ أمير المؤمنين عليه السلام سمّى كلّ وصف في هذا الباب للحقّ تعالى باسم الصّفات، فقال: {في صفة التوحيد}، وهذا معناه أنّ كلّ ما يقال فيه تعالى هو غير ما يمكن أنْ أقوله فيه.
|
نحاول بإذن الله تعالى أن نبيّن بعض المطالب التوحيديّة اللطيفة الموجودة في المناجاة الشعبانيّة التي يوجد بينها وبين هذه الخطبة النورانيّة لأمير المؤمنين تقارب وتقارن كبيران.
|
نسأل الله أنْ يجعل لنا معرفة بمضامين هذه المناجاة وغيرها من الأدعية، ولكن لا بدّ أنْ تلتفتوا مجدداً أنّ إدراك التّوحيد لا يكون بالكلام والحديث والاستدلال، بل إنّ إدراك التّوحيد حاصل بالموهبة، ولا يصل الإنسان إلى التّوحيد بهذه الكلمات والاستدلالات وغيرها، نعم يبقى أثر وهو أنّ ذكر هذه الكلمات يعطي للإنسان توفيقَ إدراك هذه الحقائق والمطالب، فإنّ ذكر كلمات هؤلاء المعصومين عليهم السلام يجعل الإنسان أقرب إلى إدراك ومعرفة التوحيد.
|
وصلّى الله على محمّد وآل محمّد الطاهرين.
|