الشهود التاسع عشر
|
بمناسبة الولادة المصحوبة بالسّعادة واليمن لمولى الموالي أمير المؤمنين عليه السلام وتنوّر العالم بالمقدم المبارك لهذا الموجود المجهول، نذكر عدة روايات في سياق هذه المناسبة.
|
عندما ننقل هذه الخطبة النورانيّة لأمير المؤمنين عليه السلام، لا بدّ من التأكيد مراراً والإلتفات مجدداً إلى أنّ فهم وإدراك معاني هذه الخطبة إنّما هو بحسب إدراك الناقل لهذه الكلمات وبحسب فهم المفسّر، وإلاّ فإنّ نفس هذه الكلمات هي فوق الإدراك والتفكّر، ولا يمكن أنْ يعبّر عن أمر أمير المؤمنين عليه السلام وعن فضائله ومناقبه بالحديث ونقل الروايات، بل لا يمكن أنْ يعبر عن شؤونه ومناقبه بأيّ نحو من الأنحاء، وقد عجزت السموات والأرضون عن نقل فضائله والكشف عن مناقبه، بل لو عمل كلّ الوجود على كشف مناقبه (صلوات الله وسلامه عليه) لما استطاع.
|
وقد نقل في الحديث في تفسير هذه الأية: {ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدّه من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله }٢٢٠، أنْ لو كان كلّ الانس والجن كُتّاباً وكذا لو كانت كلّ الأشجار أوراقاً ما نفدت فضائل أهل البيت عليهم السلام، وفي روايّة أخرى فضائل عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
|
وورد في روايّة أخرى أنْ لو كانت الجن والانس كتّاباً وكانت البحار مداداً والأشجار أوراقاً لما قدروا أنْ يكتبوا ثواب محبّة محبّ أمير المؤمنين عليه السلام، بل إنّ حقيقة الأمر أرفع من هذا كلّه بكثير.
|
ولكن فوق كلّ هذا، نقول أنّ ما يعطي الراحة والطمأنينة للمؤمن هو نقطة التوحيد، وهذه النقطة هي أشمخ من كلّ ما يمكن أنْ يذكر في أيّ مضمار من المضامير.
|
ما يُسكّن القلب هو الوحدة والتّوحيد وهو أرفع من كلّ ما يذكر ويقال.
|
تو مخوان قطره اش دگر درياست
|
قطره چون متصل به دريا شد
|
ذاك المستغرق في معرفة أمير المؤمنين عليه السلام والفاني في وجوده أرفع وأشمخ من كلّ هذه الكلمات وذلك ببركة التّوحيد الحاصل، فلا يوجد في الواقع ما هو أرفع من التوحيد، وهو الفناء والإستغراق فيه تعالى.
|
في ذكرى ولادة أمير المؤمنين عليه السلام نسأل الله أنْ تتحقّق ولادته في وجودنا، فإنّ الكعبة هي قلب المؤمن وبيت الله هو قلب المؤمن، وعندما ينكسر هذا القلب ويتشقق ويستقر الغمّ في عمقه وتجلس الغصة في الفؤاد، عندها يتولد أمير المؤمنين عليه السلام، فعندما تقول (يا عليّ) بكلّ حرقة قلبٍ ذائق للغصّة والغمّ والهمّ، عند ذلك يتولد الوليّ من قلبك.
|
سُئل الحسن بن عليّ عليه السلام فقيل له: {ما العقل؟ قال: التجرع للغصة حتّى تنال الفرصة}٢٢١.
|
ههنا تكمن المعرفة للوليّ، وفي مثل هذه الحالات يتولد أمير المؤمنين عليه السلام في بيت قلبك أيّها الموالي.
|
عندما يصل عملك وسعيك إلى سدٍّ يمنع من تحقق ما تريد وتقول يا عليّ، عند ذلك يتولّد أمير المؤمنين عليه السلام في وجودك، وهذه هي المعرفة.
|
وههنا إشارة ولطيفة ولويّة وهي أنّ نفس عليّ عليه السلام الذي هو أصل كلّ عمل يقوم به الإنسان ، حيث ظهور ولايته (صلوات الله وسلامه عليه) عليه في باب العمل، هو نفسه الذي يظهر لك أيّها الموالي في شؤون أخرى في باب المحبّة، فهو الذي يتقلب في الصور كيف يشاء، يقول عليّ بن أبي طالب عليه السلام: {أنا الذي أتقلب في الصور كيف أشاء}٢٢٢.
|
أيّها المواليّ، لا بدّ من قطع خطوات كبيرة ومتقدمة حتّى تقول أنّ عليّاً وليد كعبة القلب، فذاك عليّ عليه السلام الذي ولد في الكعبة هو عليّ البدن المولود في بيت الكعبة الترابيّ، وأمّا أهل المحبّة فلهم مقامهم النوريّ العلويّ حيث يسطع وجود أمير المؤمنين عليه السلام في بيت قلوبهم، فتكون ولادته (صلوات الله عليه) في ذاك البيت العلويّ النوري وهو أرفع من ذاك البيت الترابي، والفرق بين هذا المقام وذاك هو الفاصل بين الوجود والعدم وبين السماء والأرض، رزقنا الله، بعونه تعالى، هذه المعرفة.
|
في كتاب مناقب إبن شاذان وهو من الكتب المعتبرة، ينقل أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عليّ بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، فغضب وقال: {ما بال أقوام يذكرون من له منـزلة عند الله كمنـزلتي، ومقام كمقامي إلاّ النبوة}.
|
هنا يريد أنْ يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنّ علياً هو كلّ الوجود ووجود الكلّ، فعليّ هو ظهور كلّ الأسماء والصّفات الإلهية.
|
{ألا ومن أحبّ علياً فقد أحبّني}، وهذا ناشئ من التّوحيد والوحدة الحاصلة بين الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبين أمير المؤمنين عليه السلام، أيْ يريد أنْ يقول أنّي وصلت مع عليّ للتوحيد، فعليّ واحد معي وأنا واحد مع عليّ، فكلّ من يحبّني فهو يحبّ علياًَ وكلّ من يحبّني فهو يحبّ علياًَ.
|
{ومن أحبني رضي الله عنه}، والرضا هنا هو الوصول إلى المقصد.
|
{ومن رضي الله عنه كافأه بالجنة}، كلّ من رضي الله عنه بسبب حبّه لعليّ عليه السلام، فقد وصل في باطن وجوده إلى الراحة والطمأنينة بسبب عشقه له (عليه السلام) وتكون الجنة نصيبه، وهو ما يقوله حافظ:
|
وعده فرداى زاهد را چرا باور كنم
|
من كه امروزم بهشت نقد حاصل ميشود
|
فكلّ من يحبّ علياً فله الجنة نقداً.
|
{ألا ومن أحبّ عليّاً استغفرت له الملائكة، وفُتحت له أبواب الجنة يدخل من أيّ باب شاء بغير حساب}، من يحبّ علياً يتحصّل له وسعة وجودية.
|
{ألا ومنْ أحب علياً أعطاه الله كتابه بيمينه}، وهذا له معنى دقيق، {وحاسبه حساب الأنبياء}.
|
{ألا ومنْ أحبّ علياً لا يخرج من الدنيا حتّى يشرب من الكوثر}، هنا شراب الكوثر هو المعرفة، فشراب الكوثر هو المحبّة مع المعرفة، فعندما يصل الإنسان في النهايّة إلى المعرفة، فذاك هو شراب الكوثر.
|
{ويأكلّ من شجرة طوبى، ويرى مكانه من الجنة، ألا ومنْ أحبّ عليّاً هوّن الله عليه سكرات الموت، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة}، وهذا معناه أنّ كلّ من أراد أنْ يزور الجنة، لا بدّ أنْ يزور قبر محبّ أمير المؤمنين عليه السلام.
|
{ألا ومنْ أحبّ عليّاً أعطاه الله في الجنة بكلّ عِرق في بدنه حوراء}، الحوريّة هي الرؤيّة الباطنية، فالحوراء هي المرأة صاحبة العين الوسيعة الذي سوادها غالب على بياضها، أيْ أنّ الله يعطي هذا المحبّ المواليّ بصيرة كاملة في رؤيّة الحقائق، فكلّ عرق في بدنه له رؤيّة خاصة، وإلاّ فإنّ محب أمير المؤمنين عليه السلام لا معاملة له مع عالم الطبيعية، فلا يتصور أحدٌ أنّ المقصود من تلك الحوراء هي ما يتصوره البعض من أهل الدنيا، وإلاّ لو فهم النساء أنّ الحوارء هي نصيب رجالهن المحبين لأمير المؤمنين عليه السلام، فإنّهن لا تبقين رجالهن على قيد الحياة لحظة واحدة.
|
{وشفّعه في ثمانين من أهل بيته}، وعندنا روايّة أخرى أنّ المحبّ لأمير المؤمنين عليه السلام يشفع لمن يشاء، حتّى يُسأل فيجيب أنّه لم يبق لديه أحد يشفع له.
|
{وله بكلّ شعرة على بدنه مدينة في الجنة}، له بكلّ شعرة راحة وطمأنينة، أيْ أنّ تمام وجوده في راحة، فكلّ من يحبّ علياًَ يكون كلّ وجوده راحة.
|
{ألا ومن عرف عليّاً عليه السلام وأحبه بعث الله إليه ملك الموت كما يبعث إلى الأنبياء، ورفع عنه أهوال منكر ونكير، ونوّر قبره وفسحه مسيرة سبعين عاماً}، أيْ أنّ قبره يوجد في أي مكانً.
|
{وبيّض وجهه يوم القيامة، ألا ومن أحب عليّاً عليه السلام أظلّه الله في ظلّ عرشه مع الصدّيقين والشهداء والصالحين، وآمنه من الفزع الأكبر وأهوال يوم الصاخّة، ألا ومن أحب عليّاً عليه السلام تقبل الله منه حسناته، وتجاوز عن سيئاته، وكان في الجنة رفيق حمزة سيد الشهداء، ألا ومن أحبّ عليّاً عليه السلام أثبت الحكمة في قلبه، وأجرى على لسانه الصواب وفتح الله له أبواب الرحمة ألا ومن أحب عليّاً عليه السلام سمّي أسير الله في الارض}، لأنّه يكون غريباً، فإنّ محبّ أمير المؤمنين عليه السلام يبقى في الدنيا بلا ناصر ويبقى غريباً، وكلّ من يقبل أنْ يشتري هذا المتاع فليتفضّل.
|
{وباهى الله به ملائكته وحملة عرشه}.
|
{ألا ومن أحب عليّاً عليه السلام ناداه ملك من تحت العرش: يا عبد الله استأنف العمل فقد غفر الله لك الذنوب كلّها.
|
ألا ومن أحبّ عليّاً عليه السلام جاء يوم القيامة وجهه كالقمر ليلة البدر.
|
ألا ومن أحبّ عليّاً عليه السلام وضع الله على رأسه تاج الكرامة، وألبسه حلّة العزة.
|
ألا ومن أحبّ عليّاً مرّ عليه السلام على الصراط كالبرق الخاطف، ولمْ ير صعوبة المرور.
|
ألا ومن أحبّ عليّاً عليه السلام كتب الله له براءة من النار، وبراءة من النفاق وجوازاً على الصراط، وأماناً من العذاب.
|
ألا ومن أحبّ عليّاً عليه السلام لا يُنشر له ديوان، ولا يُنصب له ميزان، وقيل له: أدخل الجنة بغير حساب}، والأمر قطعاً على هذا المنوال، ولا يمكن أنْ يكون غير هذا، وليس الأمر مقصوراً على روايّة واحدة، بل يوجد من الروايات ما لا عدّ لها.
|
{ألا ومن أحبّ آل محمّد صلّى الله عليه وآله أمن من الحساب والميزان والصراط.
|
ألا ومن مات على حبّ آل محمّد صلّى الله عليه وآله صافحته الملائكة، وزارته أرواح الأنبياء، وقضى الله له كلّ حاجة كانت له عند الله تعالى.
|
ألا ومن مات على بغض آل محمّد صلّى الله عليه وآله مات كافراً.
|
ألا ومن مات على حبّ آل محمّد صلّى الله عليه وآله مات على الإيمان وكنت أنا كفيله بالجنة.
|
ألا ومن مات على بغض آل محمّد صلّى الله عليه وآله جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه هذا آيس من رحمة الله.
|
ألا ومنْ مات على بغض آل محمّد صلّى الله عليه وآله لم يشم رائحة الجنة.
|
ألا ومنْ مات على بغض آل محمّد صلّى الله عليه وآله يخرج من قبره أسود الوجه}. ٢٢٣
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|