التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود الثامن عشر
تبيّن حتّى الآن أنّ التّوحيد هو التّوحيد مع المبدأ، وكذا الوحدة هي الوحدة مع المبدأ، وأنّ التّوحيد المطروح ليس في مقام الذات، فهو محالٌ في مرتبة الذات.

إنّ ذات الباري منـزّهةٌ عن هكذا انضمام، فالصّيرورة واحداً مع الحقّ تعالى أمرٌ مخالف لكلّ الضوابط المعرفية، لهذا، عندما أراد الحقّ تعالى أنْ يتحدث عن معرفة التّوحيد في هذه الباب خلق أسماء، والرّوايات الكثيرة في هذا المضمار التي تتحدث عن خلق الأسماء هي من هذا الباب، حيث يتبيّن أنّ الأسماء مخلوقة وحادثة، ولكنّ حدوث هذه الأسماء هو بالنّسبة لذات الباري تعالى، وليس حدوثها بالمقايسة مع الممكنات، فإنّ تمام الموجودات لا يمكن أنْ تقاس مع هذه الأسماء، وهو ما ورد في كلامهم (صلوات الله عليهم): {نحن أهل البيت لا يقاس بنا أحد من الناس}٢١١.

يوجد في المقام مسألتان:

الأولى: عندما يُقال: {لا يُقاس بنا أحدٌ}، هنا (أحد) هو الأحد اللغوي، أيْ لا يمكن لأحدٍ من الموجودات أن يقاس بنا، فخلقتنا آل محمّد هي بنحوٍ لا يمكن لأحد أنْ يُقاس بنا.

الثانية: عندما يُقال: {لا يقاس بنا أحد}،فـ (الأحد) هنا هو الأحد في {قل هو الله أحد}، أيْ لا تقيسونا مع الله تعالى في مقام أحديّة ذاته.

إنّ الحقّ تعالى أحدٌ في مرتبة الذات، وواحدٌ في مرتبة الصفة؛ الواحد معنى وصفيّ أيْ جاعل الواحد، فالأحد هو الواحد في مقام ذاته، وأمّا الواحد فهو جاعل الواحد، كما أنّ الثّاني هو جاعل الثاني، والثالث هو جاعل الثالث؛ فعندما يكون هناك إثنان يأتي الثالث ويجعل الإثنين ثلاثة، فنقول عندئذ الثالث.

خامس أهل العباء بمعنى أنّه كان يوجد أربعة بجنب بعضهم، فأتى الإمام الحسين عليه السلام فجعل هذه الوجودات الأربعة خمسة بوجوده، فالخامس معنى وصفيّ، والرابع معنى وصفيّ.

يقول تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلاّ هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم}٢١٢، لا يوجد واحد إلاّ أنْ يكون الله ثانيه، أيْ أنّ الله يصنع الإثنين، ولا يوجد إثنان إلاّ ويصنع الله لهما ثالثاً، ولا يوجد ثلاثة إلاّ ويصنع الله لهم رابعاًَ.

الواحديّة معنى وصفيّ في ذات الباري، أيْ أنّه صانع شخص ما للوحدانيّة، فإنّ الحقّ تعالى أراد أنْ يشير إلى مقام الأحديّة، ولكن حيث أنّ أحديّة الحقّ تعالى لا تظهر في أيّ موجود من الموجودات، فأشار إلى الوحدانيّة توطئة لمقام الأحديّة، ولا يكون الحقّ واحداً إلاّ أنْ يكون ظاهراً في الذوات المقدسة للمعصومين، أيْ أنّه واحد عندما صنع عليّاً، فقد صنعه واحداً فقط ولم يصنع له مثيلاً، وصنع حسيناً واحداً، والذي صنع هذا ويصنعه هو الواحديّة.

عندما أحضرالحق، بواحديّته، خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، فبمعنى أنّه لا يوجد أكثر من خاتم واحد، فالنّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو ظهور واحديّة الحقّ تعالى.

يأتي شخص ويسأل أميرَ المؤمنين عليه السلام: يا سيدي ومولاي، من كان قبل آدم أبي البشر؟ فقال (عليه السلام): آدمٌ قبله، ثمّ سأله: وقبل ذاك من كان؟ فقال عليه السلام له: آدم آخر قبله وهكذا، أيْ يريد أنْ يقول أنّ كلّ أدوار الخلقة إلى يوم القيامة كان فيها آدميون وقد طويت كلّها، ثم قال له (عليه السلام): لو بقيت تسأل حتّى يوم القيامة من كان قبله، لقلتُ لك: آدم آخر.

ثمّ قال (عليه السلام)، في روايّة أخرى، إنّ الله خلق أربعة وعشرين ألف عالَماً، والعالَم الذي أنتم فيه من المنظومات الشمسيّة وما شابه كلّها لعالَم واحد، وهي بالنسبة إلى العالم الثاني كالقطرة في مقابل البحر، وفي هذه الأربعة وعشرين ألف عالَماً في تمامها، لا يوجد وليّ غيري على الإطلاق.

وهذه هي الواحديّة في مقام الولايّة التي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام في ذاته، فالحقّ تعالى واحد بمعنى أنّه خلق واحداً ولم يخلق ثانياً.

نحن عندنا إمام زمان واحد فقط، وليس عندنا أكثر من واحد، والذي جعل هذا هو واحديّة الحقّ تعالى.

روي عن الباقر عليه السلام: {يا جابر، إنّا أهل البيت لا يُقاس بنا أحد، من قاس بنا أحداً من البشر فقد كفر. يا جابر، بنا الله أنقذكم، وبنا هداكم، ونحن والله دللناكم على ربّكم}٢١٣.

قولهم (صلوات الله عليهم): {لا يُقاس بنا أحد} له معنيان، المعنى الأول وهو المعنى الظاهري الذي ينبغي أنْ يفهمه الناس، إنْ فهموه، وقد تجد أنّ بعض الناس لا يفهم حتّى هذا المعنى الأوليّ الظاهري.

ويوجد معنى عال، فقوله {لا يقاس بنا أحد} بمعنى أنّ الحقّ تعالى قد جعلنا في مقام الواحديّة، فواحديّة الحقّ إنّما هي لأجلنا أهل البيت ولذلك قال تعالى: {قُلْ هو الله أحد}٢١٤.

هل تريد أنْ تفهم الأحد؟

لا بدّ أن تفهم الواحد حتّى يُشار لك على الأحد، ولا يمكن فهم وإدراك الأحد من دون فهم وإدراك الواحد.

يوجد موجود جعله الحقّ تعالى واصطفاه، وفيه من الخصائص ما فيه ولا يصل أيّ شخص إلى شسع نعاله، وفي ذاك المقام لا يوجد أربعة عشر شخصاً، ولا يوجد خمسة أشخاص، بل هو واحدٌ.

فالواحد هو تلك الحقيقة الواحدة المتجليّة ولا يوجد غيرها ولا يوجد أكثر منها، نعم في المظاهر المتعدّدة والمرائي المختلفة هم إثنا عشر إماماً وأربعة عشر معصوماً، وعندما تقول أمير المؤمنين فالكلّ مندرج في وجوده المقدّس، وعندما تقول إمام الزمان فالكلّ مندرج كذلك، وعندما تقول رسول الله فالكلّ مندرج تحت حقيقة واحدة، وهذا هو معنى: لا يُقاس بنا أحد.

عندما يقال: {لا يقاس بنا أحد}، فليس الكلام في وجودهم بل الكلام في أعمالهم وسلوكهم أيضاً، فلا مجال للقياس معهم في أيّ شأن من شؤونهم، لا أنّه لا يمكن القياس معهم في مجال عباداتهم وأعمالهم العبادية، بل لا يمكن القياس معهم حتّى في حياتهم التي قد تظهر لنا أنّها عاديّة.

فقوله: {قل إنّما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ}٢١٥ يشير إلى الواحديّة، وكلمة {مثلكم} لا تجعل رسول الله في زمرة هؤلاء، بل له (صلوات الله عليه وآله) اختصاص بقوله {يوحى إليّ}.

عندما يقول {بشر مثلكم}، فهو لبيان جهة التّوحيد في وجوده، ولأنّ التّوحيد والارتباط والاتصال بالذات المقدسة محالٌ، يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: يا أهل العالم وسكان عالم الوجود، ويا معشر الملائكة إنّ الله خلقني وجعلني اسمه وصفته لأجل إدراككم التوحيد، فمن هنا لا بدّ أنْ أكون من سنخكم حتّى يمكنكم أنْ ترتبطوا معي بالارتباط التوحيدي، وهذا معنى قوله {بشرٌ مثلكم}، فلا بدّ أنْ يرتبط الخلق بي حتّى يرتبطوا بالحقّ تعالى.

كلّ من يريد التّوحيد من غير مجرى هؤلاء، لن ينال سوى الإلحاد والشرك والضلال، وكلّ ما توهّمه من نتائج، فهو من فكره وخياله ووهمه.

يا سكّان السّموات والأرضين، حتّى لا تبقوا حيارى ويائسين، فقد جعلني الله بشراً مثلكم، ولأنّ التّوحيد مع الذات المقدسة محال، ولأنّ الاتصال بها محالٌ، فإنّ الله خلقني لتحقق التّوحيد وظهوره، فإنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام أسماء الله الحسنى فادعوه بها.

إنّ لله تعالى أسماء جميلة وحسنى، وتشير إلى كونها مرتبطة بالفن، أيْ أنّ نيل هذه الأسماء ونيل هذه الحقائق لا يُنال بالغوص في المطالب العلميّة، بل يحتاج إلى ذوق خاص، والذوق مترتب ومتكئ على الفن.

ههنا لطيفة، وهي أنّ قوله {ولله الأسماء الحسنى} يشير بمفهومه إلى أنّ لله صفةً ولقباً آخر غير الحسنى وهو ما يكشف عن طريق آخر من طرق المعرفة والوصول، ولكن الصادق عليه السلام يقول أنّ كلّ من يحب اللطافة والحسن، فنحن آل محمّد أحسن الموجودات، فنحن أسماء الله الحسنى.

يا من تسعى نحو الحسن في هذا العالم تعال، فلا يوجد في هذا الوجود أحسن من عليّ عليه السلام، ولا يوجد أحسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

عشق محمّد بس است وآل محمد

سعدى اگر عاشقى كنى وجوانى

كلّ من يسعى وراء غير آل محمّد فهو مغبون، ولوْ كنت مرتبطاً بآل محمّد فسوف يسعى كلّ العالم خلفك، وسيكون في إثرك كلّ من نقش الله في وجوده الحسن، فلو ارتبطت في الظاهر والباطن مع أسماء الله الحسنى، فسوف يكون الكلّ في إثرك.

وقد شاهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كلّ الحسن الوجودي في عليّ عليه السلام.

السلام على اسم الله الرضيّ ووجهه المضيء.

عندما كان ينظر رسولُ الله إلى أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن ليردّ عينيه عن وجهه وينظر إلى شيء آخر، وقد كان ينظر إليه في كلّ الخطب التي كان يلقيها (صلّى الله عليه وآله)، وعندما كان يتلو آيّة ما، أو يوحي إليه جبرائيل تنـزيلاًٍ ما، كان ينظر إلى وجه أمير المؤمنين عليه السلام ويتلقى الأمر من الله.

هذا النظر له معنيان:

الأوّل: كان الناس يقولون أنّ النبي شُغف بهذا الغلام، فنـزل قول الله: {وإنْ يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لمّا سمعوا الذكر ويقولون إنّه لمجنون، وما هو إلاّ ذكر للعالمين}٢١٦، يا رسول الله، لست وحدك مجنوناً بعليّ، بل كلّ عالم الوجود مجنونٌ بعليّ عليه السلام، ولكنّ هذا الجنون غير ذاك الجنون الذي يقول به الخلق من الناس.

ويوجد معنى ثانٍ: أنّ رسول الله عندما كان ينظر إلى وجه أمير المؤمنين عليه السلام كان يتكلم وينبأ عن الصحيفة الوجوديّة لأمير المؤمنين عليه السلام، وأمّا جبرائيل فكان يأتي بالوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجل إبلاغ العوام من الناس، وأمّا فيما بينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام فكان ارتباطاً خاصاً ولا مكان فيه لجبرائيل، ومن هنا كان نظر النبي إلى عليّ عليه السلام ارتباطاً بلا واسطة.

وبعبارة أخرى، عندما كان جبرائيل يأتي بالصحيفة التي يلقيها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان يأتي صحيفة بدليّة من مكان ما، وأمّا في نظره إلى وجه عليّ عليه السلام، فكان يأتي بالصحيفة الأصلية؛ ولقد بقي الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ينظر وينظر في وجه عليّ عليه السلام حتّى نـزلت الآيّة الكريمة: {إقرأ باسم ربك الذي خلق}٢١٧، حيث أُمر الرسول الأكرم أنْ يكون في إثر الإسم.

السلام على اسم الله الرّضي.

إنّ الله يفتخر بأنّ اسمه عليّ، فهو العليّ، وما نقوله ههنا هو بلسان الذوق.

ورد أنّ الله يباهي الملائكة بعليّ عليه السلام، وهو في واقعه مباهاة باسمه العليّ، وقد كان هذا من اختصاصات عليّ عليه السلام من بين كلّ الأنبياء والأولياء عليهم السلام، فوحده أمير المؤمنين عليّ عليه السلام هو الذي وُضع له اسم له تعالى، حتّى النبي الأكرم لم يكن له هذا الاسم.

إنّ الله تعالى قد وضع اسم نفسه على وجه هذا الموجود المقدس وهو عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بقدر المحو والتحيّر والعشق والوله الذي كان له لأمير المؤمنين عليه السلام، كان يُحضره ويأتي به إلى غار حراء، ويضعه أمام عينيه وينظر إليه من الصباح حتّى المساء.

الآن لو أنّ شخصاً أحب شخصاً، تُرى كم من الوقت يمكنه أنْ يتحمّل أنْ لا يفصح عن هذا الحبّ؟ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مع كلّ هذه السعة الوجوديّة والغيب الوجودي الكامن في ذاته بنحو أنّ كلّ الوجود كان في حيطة سعته الوجوديّة لم يستطع أنْ يخفي ما في قلبه من حب عليّ عليه السلام، فخاطب الله أنْ يا إلهي حتّى متى أبقى كاتماً محبتي لعليّ عليه السلام، فجاءه الوحي الإلهي وأذن له بالافصاح:

{إقرأ باسم ربك الذي خلق}٢١٨، وهذا هو اسم الربّ، وهو نفس اسم الربّ الذي خُلق بعنايته كلّ عالم الوجود.

وهذا نفس ما ورد في دعاء رجب الشريف:

{ألهم فأنطق، خلق فرزق، صوّر فأحسن}؛ أمير المؤمنين هو الذي فعل كلّ هذه الأفعال، فإنّ كلّ تلك الأعمال والأفعال في عالم الوجود قد تمّت بوسيلة الاسم.

السلام على اسم الله الرضي ووجهه المضيء.

السلام على من يرضى الله باسمه، وكذا السلام على عليّ وجه الله؛ كلّ من يريد أنْ ينظر إلى الله لا بدّ أنْ ينظر إلى هذا الوجه وهو وجه عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وكلّ من أراد أنْ يجلس مع الله، لا بدّ أنْ يجلس مع أمير المؤمنين عليه السلام، وكذا كلّ من أراد أنْ يسمع كلام الله، لا بدّ أنْ يسمعه من عليّ عليه السلام، وكلّ من أراد أنْ يرى الحقّ تعالى لا بدّ أنْ يراه في وجه عليّ.

قال صلى الله عليه وآله وسلم: {عليٌّ مع الحقّ والحقّ مع عليٌّ}٢١٩، ولا يوجد حقّ في مكان آخر.

هنا توجد ملازمة، عندما يقول عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ، فبمعنى أنّه لا يمكن أنْ يوجد موضع للحقّ إلاّ أنْ يكون عليّاً فيه، فأينما وجدت موضعاً للحقّ، فهو مجعول وموضوع بيد أمير المؤمنين عليه السلام.

كلّ هذه معارفٌ ونعمٌ لا بدّ للإنسان أنْ يرى صاحبها.

تصادف هذه الأيّام ذكرى ولادة عليّ عليه السلام، وإنْ شاء الله نوفّق في هذه الذكرى لمعرفة صاحب هذه الولادة، فكما أنّ قبر الحسين عليه السلام في قلوب من والاه، كذلك قبر أمير المؤمنين عليه السلام في قلوب محبيه ومواليه.

إنّ ولادة أمير المؤمنين عليه السلام هي في هذه الكعبة وهي القلب.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.