التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود السابع عشر
يقول عليّ عليه السلام في إخلاص التوحيد:

{إنّ أوّل عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصّفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق}.

بكلمة واحدة نقول إنّ التّوحيد هو التّوحيد مع المبدأ، وما لمْ يدرك الموحّد نقطة التّوحيد مع المبدأ لا يمكنه أنْ يصل إلى المعرفة، فكمال المعرفة هو أنْ يكون الموحّد واحداً مع المبدأ، والسالك والسائر والموحّد والمؤمن والفيلسوف، وكلّ من له قدم في طريق التّوحيد إنّما تحصل له المعرفة بالتّوحيد والوحدة مع المبدأ؛ ولأنّ التّوحيد مع الذات المقدسة محالٌ ولا يمكن أنْ يتحقّق لأحد، فقد جعل الحقّ تعالى لنفسه أسماء وصفات حتّى تكون هي مجاري التوحيد، فالتّوحيد إنّما يتحقق بالتّوحيد والوحدة مع ذلك الاسم وتلك الصّفات.

ورد في الحديث القدسي:

{عبدي أطعني حتّى أجعلك مثلي أقول للشي: كن فيكون، تقول للشيء: كن فيكون.}٢٠١، والطّاعة في هذا الباب هي المعرفة للاسم والتّوحيد معه، والأثر الأوّلي لهذا التّوحيد أنْ تُنسب كلّ أفعال الموحّد للحقّ تعالى؛ يقول تعالى: {وما رميتَ إذْ رميتَ ولكنّ الله رمى}٢٠٢، فإنّ الحقّ تعالى قد نسب الفعل الذي فعله الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه لأنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم صار واحداً معه، فالفعل فعل الحقّ والعمل عمله.

عندما يخاطب الحقّ تعالى الرسولَ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: {سبّح اسم ربّك الأعلى}٢٠٣، فإنّ لسان حال الحقّ تعالى معه: يا نبي الله إذا أردتَ أنْ ترد وادي التوحيد، فسوف أقول لك حديثاً لمْ أقله لأحد من الأنبياء قبلك وهو أنّ باب التّوحيد أنْ تكون عارفاً بالاسم وهو الذي يُوصلك إلى نقطة التوحيد، ولذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {أنا وعليّ من نور واحد}، فالوحدة هي مع الاسم، ولهذا قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): {أنا وعليّ من شجرة واحدة}، فإنّ هذه الوحدة المذكورة في هذه الروايات هي علامة التوحيد.

وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في آيّة المباهلة {وأنفسنا} يكشف أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قد أعطى كلّ نفسه وكلّ ما عنده في تمام كماله إلى عليّ عليه السلام، أيْ أنّ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يريد أنْ يقول إنّي قد وصلت إلى كمال التّوحيد وقد وصل عليّ عليه السلام كذلك إلى نفس هذا المقام التوحيديّ.

كلّ من قال من أهل النظر والتحقيق أنّ التّوحيد هو الوصول إلى التّوحيد والوحدة مع الذات المقدسة فقد أخطأ.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام: يا أهل التّوحيد ويا أهل الفلسفة، كلّ ما قلتموه في التّوحيد وحاولتم أنْ تنسبوه إلى الله تعالى ظانين أنّه للذات المقدسة، فهو مخلوق لكم مصنوع من محض خيالكم ووهمكم.

إنّ عبادة الصنم على قسمين:

قسم يكون الصنم في الخارج، وهو الذي يصنعه عبّاد الوثن من الجماد ويقومون بعبادته في الخارج، وقسم آخر من الصنم هو الموجود في ذهنك وفكرك.

ههنا نكتة، لا بدّ أنْ تلتفوا إليها وهي أنّ الخطاب القرآنيّ إنّما يتوجّه إلى أهل القرآن والمعتقدين به، فإنّ القرآن يخاطب بنحو أساسيّ المعتقدين بنبوة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله، وينتج عن هذا أنّ القرآن عندما ينعت في بعض آياته الناسَ بالمشركين ويأمرهم بتركه، فهو خطاب للمؤمنين من الناس لا من لا يعتقد أصلاً بالقرآن وبنبوة صاحبه، ومن هنا قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلاّ وهم مشركون}٢٠٤؛ إنّ حديث القرآن هو مع أولئك الذين يؤمنون بكتاب الله العزيز ويقبلونه.

إنّ لسان القرآن واضح حيث يقول إنّ طرز التفكير الموجود عندكم، أيّها المؤمنون، شركٌ ومنافٍٍ لأصل التّوحيد وفروعه، ويقرن قبولَ العمل بقبول التّوحيد وتحقّقه في وجود المؤمن، وهو قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطنّ عملك}٢٠٥؛ بل ويقول للرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين}٢٠٦، وكلّه راجع إلى التّوحيد واستيفاء حقيقته.

يقول أمير المؤمنين عليه السلام: {إنّ أول عبادة الله معرفته}.

قومى دگر حواله به تقدير مى كنند

قومى به جد وجهد گرفتند وصل دوست

إلهي لو صنعتني عبداً فطوبى لي، وأمّا السعي والجهد فلن يوصلني إلى أيّ مكان!

إنّ من انتُخب عبداً من الحقّ تعالى، يسعى بنحو تلقائي نحو الحقّ تعالى، وهو موحدٌ ذاتاً كالمرأة حيث أنّها متوجهةٌ على الدّوام إلى التّوحيد في عمق فطرتها ووجودها، ومن هنا تجدها لو رأت زوجها ينظر إلى غيرها، فإنّها تقلع له عينيه، وفعلها في الواقع راجعٌ إلى التّوحيد الكامن في ذاتها حيث تظهر الغيرة من عمق وجودها وذاتها.

هذه الغيرة موجودة ذاتاً في وجودها، ولكن عندما لا تكون هذه الغيرة متعادلة ولا تكون أطرافها متوازنة ومتعادلة تكون حسداً، وقد سميّت الغيرة كذلك لأنّها تطرد الغير وتدفعه.

إنّ تشخيص المرأة قويٌّ إلى درجة كبيرة بحيث أنّها لو عبرت عن إشارة التوقف الحمراء الموضوعة في الطريق، ترجع إلى بيتها وحالها مضطرب، وهذا بسبب لطافتها وفطرتها الصافية.

إنّ للمرأة شؤوناً تكشف عن التّوحيد وهي المعنيّة بقوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها}٢٠٧، حيث خرجت من هذه النفس الواحدة التي هي زوجها، فهي، ذاتاً، موحّدة، وكذا الأمر بالنسبة للأنبياء عليهم السلام فهم، ذاتاً، موحّدون إذ يقول تعالى: {لقد منّ الله على المؤمنين إذْ بعث إليهم رسولا من أنفسهم}٢٠٨، فالرسول موحدٌ ذاتاً وله توجّه نحو نقطة التوحيد.

ومن هنا تجد أمراً مشتركاً بين الأنبياء وبين النساء، فكما أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد خرج من أنفس المؤمنين فكذلك الزوجات قد خرجت من أنفس المؤمنين.

عندما نتحدث في الزواج وأهميته، فباعتبار أنّ الزواج يحقّق رسم التوحيد، ومن هنا من تزوّج فقد أحرز نصف دينه، فهو يتمّم الدين باعتبار أنّه ينقش صورة التّوحيد في النفس.

الزواج هو بمعنى التّوحيد والتوحّد مع تلك النقطة التي يمكن أنْ تؤمّن التوحيد، وليست مسألةً مرتبطةً بالجسم وعالم الطبيعة وعالم الدنيا، بلْ بالزواج يصل الإنسان إلى مقام التوحيد.

إنّ الزواج يهيئ الأرضيّة والإستعداد للنفس أنْ تصل إلى نقطة التوحيد، وتعطي القابليّة للوصول إلى هذا المقام الشامخ.

ولأجل هذا، لا يمكن للمرأة أنْ تأخذ أكثر من زوج واحد لأنّها موحّدة، فهي عابدة للوحدة والتوحيد، في حين تجد أنّ الذنب في القرآن ينسب دائماً إلى الرجل، لأنّ المرأة تمضي ذاتيّاً في طريقها، وتسير بنحو سليم بدون أيّة آفة؛ إنّ قدر المرأة مجهول إلى حدّ كبير، وينبغي التعرف عليها.

عندما شرّع الله للرجل أنْ يأخذ أكثر من امرأة واحدة، فلأنّه لا يصلح من إمرأة واحدة، فيحتاج عندها إلى ثانية، وقد لا يصلح شأنه مع الثانيّة فيحتاج إلى الثالثة وهكذا.

قد تجد طالباً كسولاً يحتاج إلى أستاذ في الفيزياء وأستاذ في الرياضيات وغيرهما، ومع ذلك قد لا يستقيم أمره، ولو أتيت له بأكثر من ذلك، وهذا حال الرجل، فقد لا يكتفي بالواحدة بسبب الفساد الكامن في ذاته.

إنّ الشخص الغارق في سلطان هيمنة النفس الأمّارة، والذي لم يصل بعد إلى مقام النفس اللوّامة والمطمئنة لا يصلحه شيء على الإطلاق، وإنْ لم يكن مقصّراً في أداء العبادات الواجبة عليه.

عندما يقول تعالى: {عبدي أطعني}، فإنّ أوّل العبادة الملحوظة هي المعرفة، يريد أن يقول: إتّبعني حتّى تصبح لك وحدة وتوحيد مع الاسم والصفة، وأمّا الله فليس كمثله شيء.

وليس وراء عبادان قريّة إلاّ البحر.

عبدي أطعني حتّى أجعلك مثل الله، ولله المثل العليا، فالعبيد هم الذين تصير لهم معرفة بالله وتتحقّق لهم الوحدة معه، ويتحقق لهم التّوحيد مع الصّفات والأسماء الإلهية، حيث تصبح لهم المثل العليا.

ديگران هم بكنند آنچه مسيحا مى كرد

فيض روح قدس اربـاز مدد فرمايـد

هو يحيى الموتى لأنّه صار من المثل العليا، فقد صار واحداً مع الاسم، وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّ عيسى بن مريم عليهما السلام إنّما صار يحيى الموتى لمعرفته بإسمي.

ولكنّ هذا الاسم ليس هو العين واللام والياء، بل هو الحقيقة المتشخّصة والمتعيّنة في الخارج، وأيّ إتصال بها يكون بوجدان صفات الفتوّة والمروءة والإنصاف والجود والوحدة مع الاسم الحاوي لهذه الصّفات.

إنّ صاحب الرذائل من الظلم والفساد لا يمكنه أن يكون قريباً من عليّ عليه السلام، ولو بقي يقول (يا عليّ)، فلن يجلب له إلاّ زيادة البعد والمحروميّة؛ ولكن لا سبيل لك أيّها الطالب غير الإعتراف بالعجز لعلّ الرحمة تشملك.

او كه مى رفت مرا هم به دل دريا برد

من خس بى سروپايم که به سيل افتادم

عندما يقول الرسول صلى الله عليه وآله: {مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها}٢٠٩، فليس الكلام كلاماً إعتباريّاً، بل هو اقتران واتحاد وارتباط بين العبد ومواليه، هذا من جهة العبد؛ وأمّا من جهة الحقّ، فهو تعالى مع الجميع، داخل في الأشياء لا بالممازجة وخارج عنها لا بالمزايلة، وهو معكم أينما كنتم.

ليس الكمال أنْ تكون المعيّة من جهة الله تعالى وتقدّس، بل الكمال أنْ تكون المعيّة من جهتك، وأمّا الحقّ فله معيّة مع كلّ الأشياء بلا انفصال.

ولكن لا بدّ للإنسان أنْ يقرّ بالعجز ويقول: إلهي إنّ وجودك هو الشّرط وليس لوجودنا أيّ شرطيّة فأفض علينا ببركة وجودك.

سر خم مى سلامت شكند اگر سبوئى

شكند اگر دل من بفداي چشم مستت

إلهي ما في الدار غيرك ديّار، ولا يوجد غيرك في هذا الوجود، ولا يوجد لغيرك أيّ شرطيّة في تحقّق أيّ شيء، فنحن نريد معيّتك ولا نريد شيئاً آخراً، ومعيّتك هي شرط تحقّق الكمال، وما نريده هو لباس العبوديّة لك لا شيء آخر، فوجودك كاف لنا ولا نبغي أيّ شيء آخر.

هذا هو حديث التّوحيد، وهو نداء ذات الإنسان ووجوده.

ولذلك ما لم يصل الممكن إلى نقطة التّوحيد، لن يصدر منه إلاّ الذّنب والخطأ والمعصيّة والكفر والنّفاق.

جدا هرگـز نشـد والله اعلم

سياه روى ز ممكن در دو عالم

ولكنّه لو وصل، يصبح عند ذلك مجذوباً بخطاب العبوديّة، ومن أراد أن يطّلع على رشحة من رشحات هذه العبوديّة، فليطّلع على كلمات العبيد الواصلين ولينظر إلى تلك المراتب العظيمة التي وصلوا إليها.

العبيد هم الذين وصلوا إلى نقطة وصل الحبيب بدون الجهد والجدّ والإجتهاد وأدركوا مقامه، وإذا وصل العبد إلى ذلك المقام، يكون لفعله اعتبار ولعبادته وعلمه اعتبار، وأمّا لوصدرت من الإنسان عبادة من دون الوصول إلى العبودية، فليس فيها أيّ إعتبار، بل تكون عندها مملوءة بالإشكالات والانتقادات.

لو صلّيت ما صلّيت وصمت ما صمت وأدّيت ما أدّيت، فسوف تبقى دائماً في دائرة الإشكالات والاشتباهات إلاّ أنْ تدرك مقام العبودية.

لو أن أحداً طلب منك أن ترسم له صورة على ورقة مخصوصة، فلو جئت وأدّيت هذا الرسم على غير تلك الورقة التي أرادها، فإنّ هذا الرسم لا يساوي شيئاً عنده، ولو كان أفضل الرسم.

الإمام الحسين عليه السلام حددّ ميزان العبوديّة لله والتعلق بالحقّ تعالى، حيث يقول في دعاء عرفة:

{إلهي أنا الجاهل في علمي فكيف لا أكون جهولاً في جهلي}٢١٠.

لقد تخطّى الإمام سيد الشهداء عليه السلام في بيان المعرفة كلّ الأنبياء والأولياء، فرسم خطاً دائرياً حول كلّ البناء الوجوديّ الذي رسمه الأنبياء السابقون والموحّدون السابقون، وأسّس بناءً لم يدركه أحدٌ غيره.

إن شاء الله، تكون المعرفة نصيبنا في هذا الشهر بعنايّة الأئمة الأطهار وأصحاب الأنوار الأربعة عشر الطاهرة.

وصلّى الله على محمّد وآل محمد.