التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود السادس عشر
يصرّح أمير المؤمنين عليه السلام، وبلسان كلّ الأئمّة الطاهرين، عن عجز كلّ المخلوقات عن الاطلاع على الذّات الإلهيّة المقدسة، والاطلاع على المراتب الذّاتيّة في التوحيد.

كلّ الأئمّة عليهم السلام في هذه المرتبة يعترفون بالعجز، وقد وجّه أهل المعرفة هذا المطلب بأنّ معرفة الله في منطقة ومرتبة الذات أمر محال وممتنع، وكلّ من يضع قدمه في ذاك المورد بفكره وتعقّله وقدمه، سوف يجد كلّ ما ينكشف له من الواقع من محض أفكاره القاصرة المحدودة، وأمّا مقام الباري تعالى فهو أرفع وأجلّ، الله أكبر!.

يُسأل الإمام الصادق عليه السلام عن كيفيّة قول الله أكبر، فيقول (عليه السلام): {الله أكبر من أنْ يُوصف}١٨٩.

الدعاء الرجبي وأدعيّة شعبان وأدعيّة شهر رمضان، وكلّ الأدعيّة وخصوصاً أدعيّة الصحيفة السجاديّة فيها تصريح بالعجز عن معرفة الذات وترغيب بمعرفة الأسماء والصّفات، حتّى بالنسبة للذات المصطفاة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، فإن الله يأمره بتسبيح اسم الربّ: {سبّح اسم ربّك الأعلى}١٩٠.

ورد في الدعاء الرجبيّ:

{اللهمّ يا ذا المنن السابغة والآلاء الوازعة والرحمة الواسعة، والقدرة الجامعة، والنعم الجسيمة والمواهب العظيمة، والأيادي الجميلة، والعطايا الجزيلة، يا من لا يُنعت بتمثيل ولا يُمثّل بنظير ولا يُغلب بظهير، يا من خلق فرزق وألهم فأنطق، وابتدع فشرع، وعلا فارتفع، وقدّر فأحسن، وصوّر فأتقن.}١٩١.

العبارة التي هي مورد البحث ولها علاقة بمباحث معرفة النفس هي قوله (عليه السلام): {وألهم فأنطق}، فالشخص الملهم هو صاحب النفس الملهمة، أيْ يا إلهي يا من ألهمت بعض عبادك الخاصين، وصار لهم بذلك الإلهام نُطق وهو قوله (فأنطق)، أيْ أنّك أنطقت أولئك بإلهامك إيّاهم.

الكلام كلامان، كلامٌ يكون ناتجاً عن التفكير الإنساني، وأصحاب هذا الحديث لا هدايّة خاصة لهم في هذا الطريق، وكلامٌ آخر بناؤه وأساسه إلهام الحقّ تعالى، وهذا الحديث هو لأصحاب النفس الملهمة، فعندما يتكلّمون، يكون حديثهم حديثاً إلهيّاً.

يا إلهي، يا من ألهمت بعض الموجودات ثمّ أنطقتهم بهذا الإلهام، فنطقوا بما ألهمتهم إيّاه.

وقد بيّنوا علامةً معيّنة لمعرفة صاحب النفس الملهمة عن غيره، ولمعرفة من يكون حديثه ونطقه بالإنطاق الإلهي.

هنا لا بدّ من الإلتفات، إلى أنّ الإنسان، ما لم يصبح بنفسه صاحب نفس ملهمة، لا يمكنه أنْ يفهم كلّ هذا الكلام، وقد كان تصديق الخواصّ للأنبياء عليهم السلام بهذا النحو حيث أنّ أصحاب النفس الملهمة كانوا يصدّقون بنبوّة النبيّ ويقرّون بنبوّته حقّاً.

وأمّا أولئك الذين لمْ تكن لهم نفس ملهمة، فقد كانوا يدّعون تصديقهم لنبوّة النبيّ بتبليغ الآخرين لهم وتقليدهم، ولكنّهم كانوا بعد ذلك يسحبون السيوف في وجه أمير المؤمنين عليه السلام.

في يوم الغدير، وضعوا أيديهم بيد النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على أنْ يكون عليّ عليه السلام خليفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكنّهم أنكروا الأمر الإلهي بعد ذلك ولمْ يقبلوه، وسبب هذا الإنكار أنّهم لم يُلهموا أمر ولايّة رسول الله صلى الله عليه وآله ونبوّته.

هذه هي حقيقة تصديق قول الأنبياء عليهم السلام، فما لمْ يصبح الإنسان واحداً مع تلك الحقيقة لا يمكن أن يفهم أنّ هذا من متاع النبوة أو ليس من متاعها، وفهم طبيعة النبوة ومتاعها لا يكون إلاّ أنْ يكون واحداً مع تلك الحقيقة.

ورد أنّ أكثر عبادة أبي ذر رضوان الله عليه كانت التفكر في الله، وقد كانت عبادته منسجمة مع ما ذكره أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته النوارنيّة أنّ أوّل عبادة الله معرفته، وقد كان على هذا الأمر قبل أنْ يُظهر الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أمرَ نبوّته.

ورد عن أبي ذر أنّه قال: (صلّيت قبل الإسلام قبل أنْ ألقى رسول الله صلّى الله عليه وآله ثلاث سنين، فقلت: لمن؟ قال: الله، فقلت: أين تتوجه؟ قال: أتوجه حيث يوجهني الله.)١٩٢.

كان أبو ذر قرب المدينة، فقال له الناس أنّ هناك شخصاً في مكّة يتكلّم بنفس ما تتكلّم به، فقال لهم أبو ذر: فلنحمل نواقنا، فإنّ هذا نبيّ الله.

أبو ذر لمْ ير النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ولمْ ير أيّ معجزة منه على الإطلاق، فمن أين علم هذا الأمر؟

لقد كان أبو ذر صاحب نفس ملهمة.

الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لا ينطق عن الهوى، لأنّ أساس نطقه كان ممّا لديه من النّفس الملهمة، ولا يمكن للإنسان أنْ يفهم معنى {وألهم فأنطق}، ولا يمكن أنْ يدرك هذه الحقائق والأمور إلاّ أنْ يكون لديه من نفس هذا المتاع، ومع عدمه إمّا أن يقبل من الجاهلين أو يكون مقلداً للآخرين، وكلاهما يؤدي به في نهايّة المطاف إلى الارتداد عن أمر الولاية.

سلمان كان كذلك ممّن أُلهم فأُنطق، حيث كان صاحب نفس ملهمة، كما كان أبو ذر، ولم يكونوا أكثر من سبعة أشخاص، وقد امتحن هؤلاء ببلاءات الولايّة وكان لهم نصيب من أمرها، وأمّا الآخرون من المسلمين فقد كان أمرهم ظاهراً لكلّ الناس، وقد قاموا بما قاموا به من غصب حق أمير المؤمنين عليه السلام وتعطيل إظهار ولايّة آل محمّد عليهم السلام.

الآن يُطرح سؤال: ماذا نفعل حتّى نكون جزءاً من هؤلاء، وتظهر حقيقة {فألهم وأنطق} في نفوسنا؟

نقول في هذا المورد إنّه لا يمكن الارتباط بهذا المقام لا بالسعي ولا بالجهد ولا بالعبادة ولا بالرياضة ولا بأيّ شيء من هذه الأمور.

في هذا المورد نقول:

نبى فرموده او مانند گبرست

هر آنكس را كه مذهب غير جبرست

بنفس النحو الذي تمّ فيه انتخاب خاتم الأنبياء وعليّ المرتضى والأئمة الأطهار عليهم السلام باختيار الحقّ واصطفائه، حيث أنّ هؤلاء لم يقدّموا امتحاناً حتّى صاروا أنبياء وأئمة، بل إنّ عين الحقّ هي التي اصطفتهم وجذبتهم، كذلك مَنْ هم مِنْ قبيل سلمان وأبي ذر قد جذبتهم عين الحقّ تعالى إليه.

ولكن ههنا سؤال خطير: على هذا، ألا يبقى لنا وظيفة نقوم بها؟

آن قدر اي دل که تواني بکوش

گرچه وصالش نه بکوشش دهند

لوْ لمْ تكن كلّ هذه المخالفات لأصحاب الولاية، لما قيل لنا أنْ نقوم بكلّ هذه الأعمال والتكاليف والوظائف، ومن هنا فالوظفيّة الملقاة على عاتقنا أهمّ وأخطر، فلا بدّ أنْ يكون لنا كلّ السعي والجهد حتّى لا نكون جزءاً من المنكرين ولا نكون كأولئك، بلا نصيب حتّى من الإقرار اللّساني، وهذه مرحلة أولى في طريق الولاية، فما لمْ نقم بهذا الجهد والسعي ولمْ نؤدّ الرياضات النفسيّة والعبادات الشرعيّة على النحو المطلوب من الحقّ تعالى، فقد يخرج نور الولايّة من قلوبنا.

وأداء هذه التكاليف هي من الأمور الظاهريّة التي يجب الحفاظ عليها، ولكن مع كلّ هذا لا تقولوا أنّ هذه مثل تلك، فإنّ أمر الولايّة لا يقاس به شيءٌ على الإطلاق.

عندما يقول (عليه السلام): {وألهم فأنطق}، فهذا القول منه إشارة إلى أنّ كلّ الكلام الصادر في هذا الدعاء هو من لسان صاحب النفس الملهمة، وهو كلام إلهي يثبت ويستقر في القلب والنفس.

يقول (عليه السلام): {وابتدع فشرع، وعلا فارتفع، وقدّر فأحسن، وصوّر فأتقن}؛ إنّ كلّ هذه المراتب هي من مراتب الاسم، ولم تلحظ الذات بأيّ نحو من الأنحاء والجهات.

الخالقيّة صفة، وهذا يعني أنّه لا بدّ أنْ تأتي في باب الخالقيّة إلى محمّد وآل محمّد صلى الله عليه وآله، وكذا في باب الرزق لا بدّ أنْ تأتي نحو محمّد وآل محمّد صلى الله عليه وآله.

الخالقيّة والرازقيّة والهدايّة والألف اسم واسم للحقّ تعالى متجليّة في محمّد وآل محمّد صلى الله عليه وآله، وهو ما ورد في الدعاء الرجبيّ:

{فبهم ملأت سماءك وأرضك حتّى ظهر أنْ لا إله إلا أنت}، فظهور مراتب التّوحيد كلّها فيهم (صلوات الله عليهم)، وكذا ظهور الولايّة وظهور الخلافة والإمامة كلّها فيهم.

إنّ آخر الزمان هو عصر الظهور حيث يظهر النبي صلى الله عليه وآله، ويظهر عليّ المرتضى، ويظهر كلّ الأئمة عليهم السلام، وكلّ من كانت له نفس ملهمة تظهر له الحقائق التوحيديّة والولائيّة، ويتجلّى منه الحديث.

{وأنعم وصوّر فأتقن واحتج}؛ هو مصوّر الأرحام، والكلام هنا كذلك في مقام الاسم والوصف.

{وأنعم فأسبغ، وأعطى فأجزل ومنح فأفضل، يا من سما في العز ففات نواظر الأبصار}، فالأبصار تعمى عند النظر إليه.

يقول تعالى: {فلمّا تجلى ربّه للجبل جعله دكاً وخرّ موسى صعقاً}١٩٣.

عندما فاق موسى من صعقته، قال لله تعالى: هل تجليت يا ربّ؟

فأجابه الحق: نعم تجليت، فقال له: إلهي، لقد كان التجلي قوياً بنحو أنّي لمْ أقدر على رؤيّة آثار هذا التجلي، وصرت مدهوشاً منه، فما كان هذا يا إلهي؟

أجابه الحقّ تعالى أنّ هذا النور المقدس كان لوصيّ آخر الزمان عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وفي روايّة أخرى أنّ هذا النور كان نور سلمان وهو من عشاق عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وفي روايّة أخرى أنّه كان نور أحد شيعة عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

قالت شهربانو يوماً للإمام الحسين عليه السلام: إنّ لي يا سيدي حقّ الزوجيّة عليك، ولي معكم ارتباط نفسيّ { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً }١٩٤، فاذن لي أنْ أرى وجهك الحقيقي ولو لمرّة واحدة.

قال لها الحسين عليه السلام: لا قدرة لك ولا طاقة على الرؤية، فأصرّت على ذلك، فوضع يده (عليه السلام) على عين شهربانو المباركة ثمّ رفعها بعد ذلك، فأُغمي عليها فلمّا أفاقت قالت له: سيدي لم أستطع أنْ أرى نورك، فقال لها: قد قلت لك هذا، ولوْ لم أضع يدي على عينيك لذبت من شدّة النور.

إنّ العين لا يمكن أنْ ترى الجمال الموجود في صورة الرسم والاسم.

في يوم القيامة تظهر لطائف الخلقة، ويتجمّع المؤمنون لرؤيتها حيث تظهر عليهم ألف طلعة، ولكنّهم في الطلعة الأخيرة يرفعون أيديهم ويعلنون عجزهم عن رؤيّة أكثر من هذا.

يسطع البرق ويضرب النور، وحتّى المؤمن من الدرجة الأولى المجهّز بعين ملكوتيّة لرؤيّة لطائف القيامة لا يمكنه بدوره أنْ يراها على ما هي عليها، فمع المرة الألف من ظهور تلك الأنوار يصبح مدهوشاً على هذه الحال.

{يا من سما في العز ففات نواظر الأبصار، ودنا في اللطف فجاز هواجس الأفكار}١٩٥، كلّ النوابغ تتحيّر في وجهه ولا يمكن لأحد أنْ يصل إليه.

{يا من توحّد بالملك فلا ندّ له في ملكوت سلطانه، وتفرد بالآلاء والكبرياء فلا ضدّ له في جبروت شأنه}١٩٦.

كلّ هذه الأوصاف التي تذكر لمقام الوحدانيّة والتفرد هي أوصاف أهل البيت عليهم السلام وبالأخصّ الإمام الحسين عليه السلام الذي هو وتر الله الموتور، وهذه الوتريّة إشارة إلى توحيد الحقّ بالوحدانيّة الحقّانيّة التامّة، فكلّ من يريد أنْ يرى الوحدانيّة التامّة للحقّ تعالى، لا بدّ أنْ يراها في هذه الذّوات المقدسة؛ لا بدّ أنْ يراها في الإمام الحسين عليه السلام وفي أمير المؤمنين عليه السلام، فهؤلاء هم وتر الله الموتور.

أصحاب النفس الملهمة يفهمون ويعرفون بإنطاق الحقّ تعالى، ولذلك حضرة شهربانو، صاحبة النفس الملهمة، إستفادت من هذه النقطة الواردة في هذه الآية: { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً }١٩٧، حيث اعتبرت أنّها من أهل بيت الحسين، فهي زوجة الحسين عليه السلام، وتوجد سنخيّة بينها وبينه عليه السلام.

توجد سنخيّة بين الزوج والزوجة في هذا العالم، وهذه السنخيّة هي على مراتب ودرجات متعددة، فلو وجدتَ زوجين بعد زواجهما قد انفصلا بعد عشر سنوات مثلاً، فهو يكشف أنّ السنخيّة التي كانت بينهما كانت بهذا القدر، وإلاّ لوْ كانت هذه السنخيّة أقوى وأشد، لدام الزواج بينهما أكثر من هذه المدة القصيرة، وهذه السنخيّة بين الزوج والزوجة سنخيّة واقعيّة وليست أمراً إعتبارياً، ومن هنا، فكلّ شخص يشكو من زوجته ويئنّ منها فهو يئنّ من نفسه، فإنّ زوجته قد جعلت له من نفسه.

في هذا المورد، نقول كلاماً ظريفاً ولطيفاً وهو أنّ كلّ من كان راضياً عن زوجته فهو راضٍ عن الله تعالى، لأنّ تقدير تزويج هذه الزوجة للزوج هو تقدير إلهي، وهو ما تبيّن في قوله تعالى: {والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً}١٩٨، و{وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة}١٩٩.

المرأة نقطة مركزيّة في هذا التوحيد، فالأشخاص الذين يدارون زوجاتهنّ ويعرفونهنّ، يعرفون الله تعالى وتقدس وهم من أهل معرفته، وهذه المعرفة تتحقّق في عالم الدنيا وعالم الارتباط بالكثرة قبل عالم الآخرة والوحدة.

أسأل الله أنْ لا يجعل أحدكم في أزمة ومشكلة مع زوجته، فإنّ الشخص المضطربة حياته مع زوجته لا يمكنه أنْ يقطع الطريق، فهو دائماً مغموم ومهموم.

كلامنا في هذا الباب كثير ولكن لا بدّ أنْ نعبر عن هذا الباب حتّى لا نخرج عن المطلب.

{يا من حارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الأوهام ويا من عنت الوجوه لهيبته وخضعت الرقاب لعظمته، ووجلت القلوب لخيفته، أسألك بهذه المدحة التي لا تنبغي إلاّ لك، يا أسمع السامعين وأبصر الناظرين، يا ذا القوة المتين.. صلّ على محمّد وآله محمد}٢٠٠، أيْ إجعلني مرتبطاً معهم حتّى أدرك هذه المطالب والدقائق واللطائف والحقائق.

وصلّى الله على محمّد وآل محمد.