الشهود الخامس عشر
|
هذه الخطبة النورانيّة لأمير المؤمنين عليه السلام في معنى التّوحيد حاويّة على كلمات ومعانٍ نحاول أنْ نستفيد منها بقدر فهمنا وإدراكنا لأنّ وجدان التّوحيد من أمير المؤمنين عليه السلام ليس باستطاعة أحد في هذا الوجود غير الذوات المقدّسة الطّاهرة.
|
التّوحيد هو الصيرورة واحداً مع المبدأ، والإقرار بوحدانيّة الله أنّ الله واحدٌ نتيجةُ التّوحيد وليس نفس التوحيد، ولكن حيث أنّ التّوحيد مع الذات المقدسة محالٌ فإنّ الله قد أوجد موجودات وذوات مقدسة تحقّق التّوحيد للممكنات، فهؤلاء هم واهبوا التّوحيد للأولياء والأنبياء والملائكة.
|
ومن هنا يقولون: {بنا وُحّد الله}، المرحوم الصفار في كتابه المعروف ينقل هذه الروايّة ولها سند معتبر، أيْ أنّ التّوحيد يتحقق بوسيلتنا، وكذا {لولانا ما وُحّد الله}، فكيف يمكن أنْ يُوحّد الله مع عدم وجودهم؟
|
شيخ الخرابات هو الوليّ المطلق وهو نفس الحقيقة التي يتحقّق التّوحيد بها.
|
بنده پير خراباتم که لطفش دائمست
|
ورنه لطف شيخ وزاهد گاه هست وگاه نيست
|
والحقّ أنْ لا تحقّق لغير لطفه، وأمّا أنّه تارة يكون موجوداً وأخرى غير موجود، فهذا بحسب فهم النّاس وإدراكهم الاوليّ، وإلاّ فاللطف هو لطف شيخ الخرابات وهو الوليّ المطلق.
|
{بنا عُبد الله، بنا عُرف الله}، إنّ المعرفة تكون بهؤلاء الذين هم أرفع وسيلة للمعرفة والعبادة.
|
ورد في الدعّاء الرجبي:
|
{في كلّ مكان يعرفك بها من عرفك}، وورد كذلك:
|
{اللهم صلّ على محمّد وآل محمّد أولي الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم} باعتبار أنّ هذه الطاعة هي التي توجب التّوحيد معهم.
|
روي عن الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله: {صلّوا كما رأيتموني أصلّي}.
|
لماذا نصلّي؟
|
لأنّ هذه الصلاة توجب التوحيد، وبما أنّ الموحّد الكامل التّام كان يصلي بهذا النحو، فلا بدّ من الصّلاة بنفس ذاك النحو.
|
إنّ تمام العبادات هي رمز التوحيد، وأمّا المعصيّة فهي مانعة عن التوحيد، فعندما لا يطيع الإنسان مولاه وآمرَه، يكون منفصلاً عنه في حالة المعصية.
|
وهذا في الواقع مشخّص وواضح، ولا يحتاج إلى تحقيق وتأمّل كبير، بل هذا أمرٌ فطريّ مئة في المئة، فإنّ إطاعة أيّ شخص توجب التّوحيد والوحدة معه، في حين أنّ التّمرّد على أمره يوجب البعد والانفصال عنه، ويورث الغربة عنه حتّى يصل إلى العداوة والبغضاء.
|
أعداء آل محمّد عليهم السلام هم الذين لا يسيروا في مسيرهم ولا يأتمرون بأوامرهم؛ نعم قد يوجد شخص معاد لهم في باطنه، ولكنّه يقوم في الظاهر بما يقومون به، ففي هذه الحالة تُحسب هذه العبادة الظاهريّة كعامل أقوى في البعد عنهم، وهو أسوء ممّن لا يقوم بأيّ عمل، ولذا فإنّ كلّ عمل يقوم به الشخص الذي لا اتحاد روحي له معهم غير مقبول.
|
سرّ عدم قبول الصلاة والصوم وكافة العبادات هو عدم وجود التّوحيد مع المبدأ، وليس هو التّوحيد مع الذات المقدسة، بل هو مع ذاك المقام الخاص الذي لا بدّ من حصول التّوحيد معه.
|
إنّ التّوحيد مع الذات الربوبيّة محالٌ لكلّ الخلق حتّى لخاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هنا أُمر بتسبيح اسم الربّ {سبّح اسم ربّك الأعلى}١٨٣، ومن هنا قال:{أنا وعليٌّ من نور واحد}١٨٤، {أنا وعليٌّ من شجرة واحدة}١٨٥.
|
عندما وُلد الإمام الحسن والإمام الحسين عليهما السلام كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول لهما: {بأبي أنتما وأمي}، وكذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول نفس القول، فقد كان كلّ ما لدى أمير المؤمنين ولدى رسول الله صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما مصبوباً تحت أقدامهما.
|
إنّ التّوحيد مع هؤلاء هو التّوحيد مع الحقّ تعالى، ومحبّتهم هي محبّة الله، ومعرفتهم هي معرفة الله، وعبادة هؤلاء وإطاعتهم هي عبادة الله وإطاعته.
|
وهذا موجودٌ ومتجلٍٍ في فطرة الموحّد، أنّ هناك مبدئاً غير ذاك المبدأ اللامتناهي، ولا بدّ من التّوحيد والوحدة معه حتّى يتحقّق التّوحيد الخالص مع الحقّ، وهذا موجود دائماً.
|
عندما تطلب الفطرةُ التّوحيد ولكنّها لا تجد عنوانَ مبدأ التوحيد، وهو تلك الحقيقة النورانيّة المحمّديّة والعلويّة والفاطميّة، فعندها لا يمكن لهذا السالك أنْ يجد عنوان هذه الحقيقة النورانية، فهذه الفطرة قويّة بنحو أنّها تنتخب صنماً وتريد أنْ تصبح واحداً معه فيما لو وجدت هذا العنوان الحقيقي.
|
إنّ هذه الفطرة تريد التشخّص والتعيّن، وكلّما ظهر التّوحيد في وجودك تجد نفسك متوجهاً نحو إنسان ما وتريد المسير معه، وهذا من الفطرة الكامنة في نفس الإنسان، فإنّ الإنسان في فطرته يتوجّه دائماً نحو نقطة مركزيّة واحدة ويتوق أنْ يصير واحداً معها.
|
ولكن حيث أنّه لا يجد تلك الحقيقة النورانيّة، يتوجّه نحو صنم معين ويعتبر أنّه يؤدي به إلى المطلوب الحقيقي.
|
أمير المؤمنين عليه السلام، عندما حطّم الأصنام، قال للناس: لا حاجة لكم إلى الأصنام لأنّ النّظر إليّ يكفيكم، فلا بدّ أنْ ترموا ما صنعته لكم أيديكم من أصنام وتضعوها جانباً وتنظروا إليّ أنا.
|
تكسير الأصنام من قبل أمير المؤمنين عليه السلام معناه: أنظروا إلى وجهي ولا حاجة لكم لأيّ شيء آخر، وهذا التصرّف-تكسير الأصنام- من الوليّ المطلق كان بمثابة الجبران لنقص النّفوس، فحيث لا يمكن لنفس السلوك نحو التّوحيد أنْ يصل السالك بتلك النقطة النورانية، عندها تأتي نفس تلك النقطة النورانيّة وتأخذه إليها وتجذبه نحوها، وهذا هو المعتبر في السلوك والوصول.
|
أولئك الذين ذهبوا بأنفسهم نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كلّهم كانوا ممن وضعوا السيف في وجه أمير المؤمنين عليه السلام، وأمّا السبعة الذين بقوا فقد كانوا ممن نظر إليهم أمير المؤمنين عليه السلام، وهذا النظرة من الوليّ المطلق هي التي صيّرتهم في هذا الطّريق.
|
نفس بايزيد البسطامي سلك بنفسه، ولكنّه لم يصل إلى شيء في هذا المجال حتّى أتى جواد الأئمّة عليه السلام وأخذ بيده، فمن على كومة التراب في السفر الثالث أرجعه الإمام الجواد عليه السلام في سفره إلى المقصد.
|
بايزيد البسطامي الذي بلغ ما بلغ في التعقّل والتفكّر التوحيديّ ما استطاع أنْ يصل إلى المطلوب إلاّ ببركة مجيء الخضر المبارك، بل نفسُ الخضر إنّما صار حيّاً من مائهم.
|
بايزيد البسطامي الذي أمضى ثلاث سنوات في إثر الجواد عليه السلام، وكان قد قضى ثلاث سنوات واقعية، ولا بدّ أنْ يعلم أنّ الزمان غير موجود بالنّسبة للوليّ، وكذا المكان، ليس هو دمشق وليست القريّة قريّة الغوطة.
|
ولكن ما لمْ يذق الإنسان طعم هذه الحقائق لا يمكنه أنْ يفهمها، وطوبى لمن يفهمها ولو لمرّة واحدة بحيث تطوى له كلّ الحقائق دفعة واحدة، وقد لا تتحقّق هذه الأمور بالنسبة للبعض في اليقظة، ولكنّها تتحقق لهم في المنام، فتطوى للسالك في لحظة واحدة في النوم أمورٌ تستغرق سنوات طوال، وقد يتحقق هذا الأمر في حالة اليقظة للبعض.
|
فقال لي: {أنت الليلة ضيفي وكنّا بين الظهر والعصر}، فقلت: (نعم يا سيّدي وجلست معه على الكوم إلى أنْ جاء وقت العصر)، تلّ التّراب هو عالم الوجود وكلّه بيد الوليّ يلعب به.
|
(فنظر في الشمس) هذا له معنى، ولكن هل تظنون أنّ الإمام عليه السلام لا يعلم الوقت من دون النظر إلى الشمس؟ في هذا المورد يريد أنْ يُعلّم بايزيد.
|
وقال لي:{أنظر الوقت}، فنظرت، فقلت: (دخل الوقت وهو أوّله)، إلتفتوا كيف أنّ الأب عندما يريد أنْ يتكلم مع طفله يتكلّم معه بلسانه، والإمام عليه السلام يتكلم مع بايزيد كما يتكلّم الأب مع طفله، يقول له: أنظر إلى الشمس هل دخل الوقت؟
|
كلّ شيء في جنب عظمة هؤلاء صغير.
|
قال: {صدقت}، فنهض وقال: {أَعَلى وضوء أنت}، قلت: (لا)، فقال: {إتبعني}، أيْ لا بدّ من متابعة الوليّ في أمر الشريعة، (فتبعته قدر عشر خطى)، وهو معنى قوله تعالى: {تلك عشرةٌ كاملة}١٨٦.
|
(فرأيت نهراً أعظم من الفرات فجلس وجلست وتوضأ أحسن وضوء وتوضيت)، هذه هي المتابعة، في الشّريعة لا بدّ من متابعة الوليّ، ولا تقول إنّك إذا وصلت يمكنك أنْ تترك الشريعة وتحتجّ احتجاجاً باطلاً بقوله تعالى: {واعبد ربك حتّى يأتيك اليقين}١٨٧، بل لا بدّ أنْ تتابع الوليّ في كلّ صغيرة وكبيرة.
|
(ووقف يركع وإذا قافلة مارّة فتقدّمت إلى واحد منهم)، كلّ هذه القوافل في واقعها طالبة للتوحيد، وراغبة في وضع يدها بجانب الوليّ المطلق.
|
(سألت عن النهر، فقال: هذا جيحون فسكتّ، وأقام الصلاة وقال: {صلِّ إماماً})، دقّق وإلتفت! هنا توجد ضوابط شرعيّة لا بدّ من الالتفات إليها، وهذا ما يوضح التكليف الشرعي أنّ المسنّ هو الذي يتقدّم في صلاة الجماعة.
|
(فهبته، فقال: {أنت أولى من جميع الجهات الشرعية}، أنا عمري أربع سنوات ولست بالغاً والبالغ لا يمكنه أنْ يكون إماماً للجماعة، ومن لم يحفظ المراتب فهو زنديق.
|
(فصليتُ، فلمّا إنقضت الصّلاة، قال لي: {قم، فقمت ومشيت معه قدر عشرين خطوة})، العشر خطوات للوليّ المطلق تشير إلى أنّ كلّ الأئمّة عاشورائيون.
|
(وإذا نحن على نهر أعظم من الفرات وجيحون، فقال لي: {إجلس مكانك}، فجلست وتركني فمرّ عليّ أناس في مركب لهم، فسألتهم عن المكان الذي أنا فيه فقالوا نيل مصر.).
|
الآن لماذا جيحون، ومن ثمّ النيل؟ كلّ واحد من هذه له حديث خاصّ مطوّل.
|
كلّ الأفراد الذين يعيشون على ضفاف نهر النيل من الطوائف والمذاهب المتعدّدة، وإنْ كان أكثرهم من الحنفيّين، ولكنهم يحبّون أهل البيت عليهم السلام، ولا تجد شخصاً واحداً ساكناً نهر النيل إلاّ عاشقاً لهم (عليهم السلام)، وكذا الأمر بالنسبة إلى سكان ضفاف نهر جيحون وكذا نهر الفرات.
|
إنّ الوليّ قد أعطى هذه الأنهار خاصيّة أنّ كلّ من يسكن على ضفاف هذه الأنهار له حبّ وعشق لأهل البيت عليهم السلام، وقد أخذ هذا النهر هذه الخصوصيّة لعبور الوليّ جنبه.
|
(وبينك وبينها فرسخ وما دون، فما كان غير ساعة إلاّ وصاحبي قد حضر وقال لي: {قم، قد عزم علينا}، فقمتُ معه وسرنا قدر عشرين خطوة، فوصلنا عند غيبوبة الشمس عند نخل كثيرة وجلسنا إلى أنْ سقط القرص فقال لي: {أقم الصلاة})؛ قوله (إلى أنْ سقط القرص) معناه المغرب لا الغروب، فالغروب ليس سقوط الشمس، بل الغروب هو قبل المغرب، وهو قبل السقّوط بعدّة دقائق.
|
(فقال لي: {أقم الصلاة}، فأقمت الصلاة وتقدمّت وصليت، وقال لي: {أقم الصلاة وتركع بعد الصّلاة ما قدرّ الله لك ثمّ جلس}، وإذا عبدٌ قد أقبل إليه ومعه طبق فيه ثلاث من شعير وتمر وطبق عسل وعندنا ماء عين بارد فوضعه وتنحّى، فأشار إليّ أنْ أجلس وآكلّ معه، فوالله ما استطعمت عمري بطعام مثله ولا أطيب منه، فلمّا فرغنا تناول العبدُ ما فضل ومضى ثمّ قام وقال لي: {إمش}، فمشيت خلفه يسيراً وإذا نحن بالكعبة والإمام يصلي، فأحرمنا للصلاة وصليت، فلمّا إنقضت الصلاة وانصرف الناس، نادى بعضَ الناس، فأجابه بالتلبيّة وحضر إليه وقال: مرحبا بسيّدي، فقال: {إفتح حتّى يزور سيدك البيت ويتوب}، فمضى وفتح، ودخلت الكعبة وزرت وطفت وخرجت ثمّ دخل هو)، أيْ أنّ دخولهم في الحقائق غير دخولنا نحن فيها.
|
يقول (صلّى الله عليه وآله) أنّ سلمان في الدرجة العاشرة من الإيمان، ولا يوجد من هو أقرب منه من أهل البيت عليهم السلام، وعلامة إيمانه رضوان الله عليه أنّ الموت أحبّ إليه من الحياة، والمرض أفضل إليه من الصحّة، والفقر أحبّ إليه من الغنى، فهذا مقام شامخ في التوحيد، ولكن الأئمة عليهم السلام غير هذا.
|
إنّ دخولهم في الحقيقة غير دخول الجميع في الحقيقة، حتّى سلمان ليس قابلاً للقياس معهم، فكلّ ما يريده الله لهم يريدونه، فلو أراد الله لهم الحياة أرادوها، ولو أراد لهم الموت أرادوه، ولو أراد لهم الصحة أرادوه، ولو أراد لهم الغنى أرادوه؛ هذا هو شأنهم (صلوات الله عليهم).
|
(ثم قال: {إنّي متوجّه في شغل، فأقم مكانك حتّى يكون الثلث الأخير من الليل، وها أنا أعلم بأحجار تمنى على سمتها فإذا انقطعت العلاقة فاجلس إلى الفجر، فقم وتوضّأ وصلّ، فإنْ أتيتك، وإلاّ فامض حيث شئت بقدرة الله}، فقلت: كرامة يا سيّدي، ومضى، فسألت عنه الرجّل الذي فتح الكعبة فقال: هذا سيدي محمّد الجواد عليه السلام، فقلت: الله أعلم حيث يجعل رسالته، وأقمت كما أمرني فلمّا كان الثلث الأخير قمت ومشيت غير بعيد على الأحجار، فلمّا انتهيت وجدت قربة فجلست إلى جنبها ونمت، فلمّا طلع الفجر قمت إلى الماء فتوضأت وصليّت وانتظرته إلى طلوع الشمس، ومع ذلك كلّه لمْ أرفع رأسي إلى جهة من الجهات إلاّ مستقبل القبلة) وهذا هو الإنتظار.
|
(مطرقاً إلى الارض فلمّا رأيته لمْ يحضر، عرفت إشارته وإلتفت فإذا القريّة على باب مدينة البسطام فدخلت ولمْ أذكر شيئا ً إلى مدة متطاولة).
|
{هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكوراً}١٨٨.
|
(ثمّ ذكرت ذلك والله يعصم من الزّلل).
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|