الشهود الرابع عشر
|
يقول با يزيد البسطامي:
|
(ثمّ خرجتُ ومضيتُ إلى أنْ وصلتُ الشّام ووصلتُ الغوطة إلى القريّة التي بينها فوجدت الصبي على كوم التّراب على الحالة التي فارقته عليها في العام الماضي فسلّمت عليه فرحّب وردّ علَيّ السلام أحسن من الأوّل).
|
قلنا إنّ الوقت لا اعتبار له في هذا العالم، فالحقّ أنّه لا يوجد أيّ فاصلة بين قطعات الزمان، فإنّ كلّ الوحدات الزمانيّة مرتبطة فيما بينها ومتّصلة من أوّل الزمان إلى آخره إتصالاً وجودياً، وأمّا الزمان الاعتباري بين أيدينا، فهو معيارٌ ومقياسٌ يُعيَّن من حركة الأفلاك مع بعضها البعض.
|
عندما يقال عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم إنّه نبيّ آخر الزمان، فليس معناه أنّه النّبي الذي يأتي زماناً بعد الأنبياء عليهم السلام ، بل المقصود أنّه ذاك النّبي الذي يعطي ارتباطاً واتّصالاً بين أوّل الزّمان وآخره، ويرفع الفواصل والقطعات بين الأزمنة.
|
ونفس هذا المعنى متحقّق بالنسبة لإمام الزّمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، حيث لا يوجد فاصلة بالنسبة إليه بين أيّ زمانين، ونحن ما لم نصل إلى هذه المعرفة لا يمكن لنا معرفة إمام زماننا، فلا بدّ أنْ نرفع الفاصلة بين الأزمنة حتّى نصل إلى معرفة إمام الزمان.
|
لو جئنا إلى آدم وأردنا أنْ نفهم طبيعة دخوله إلى الجنّة وخروجه منها، فلو لم نرفع خاصيّة الزمان الذي نعيشه من البين ونتّصل بآدم عليه السلام مع رفع هذا الزّمان المقيِّد لهذه الحقيقة، لا يمكن لنا معرفة آدم عليه السلام.
|
لو أنّ شخصاً أراد أنْ يبحث، مع فرض الزمان، في حقيقة آدم عليه السلام وغيرها من الحقائق فلن يتوصّل إلى أيّ نوع من المعرفة في أيّ مجال من المجالات.
|
في معرفة الله لا بدّ من رفع الزّمان وكذا في معرفة النبي ومعرفة الأنبياء عليهم السلام، لا بدّ من إدراك تلك الحقيقة في نفس ذاك الواقع الذي وقع فيه.
|
محيي الدّين في الفصوص يرفع الفاصلة بين هذه الفصوص من الفص الآدمي والفص الإبراهيمي وغيرها من فصوص الأنبياء عليهم السلام، ولكن لو جمعت كلّ كلمات محيي الدّين وورّاثه في هذا العالم فلا يمكن أنْ تكون بمستوى كلمة واحدة من كلمات الإمام الجواد عليه السلام أو كلمة واحدة من كلمات أمير المؤمنين عليه السلام وكلمات الأئمة عليهم السلام.
|
لو كان عند هؤلاء شأن ومقام فهو رشحة من رشحات الأئمّة الأطهار عليهم السلام، وكذا الأنبياء عليهم السلام لو كان عندهم كلام وحديث فإنّما هو منهم (صلوات الله عليهم)، وحتّى كلام أولي العزم من الأنبياء فكلّ كلامهم صادر من تلك الأنوار للأئمّة الأطهار عليهم السلام.
|
الإمام الجواد عليه السلام رفع الزمان عن بايزيد البسطامي {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر}١٧٥، وهذا من أبسط شؤون الأئمة عليهم السلام، بل هو من شؤون شيعتهم ومن أخذ منهم، ولذلك {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أنْ يرتدّ إليك طرفك}١٧٦ وهو آصف بن برخيا، ولم يكن وصيّاً ولا نبيّاً، بل لعلّه كان وزيراً ذا منصب ظاهريّ عند سليمان عليه السلام.
|
ههنا لطيفة لا بدّ أنْ تلتفت إليها، وهي أنّ المنصب الظاهريّ ينادي بأنْ لا خبر لصاحبه عن الحقائق، فأينما تجد غوغاء وضوضاء فهما كاشفان عن عدم الاطلاع على الحقائق، وقد يوجد الأمر على الخلاف في بعض المواضع حيث تكون كلّ الأخبار والمعارف مودعة في ذاك الموضع.
|
كسب جمعيت از آن زلف بريشان كردم
|
از خلاف آمد عادت به طلب كام كه من
|
الإمام الجواد عليه السلام رفع الزمان عن با يزيد البسطامي.
|
آصف بن برخيا كان وزيراً، والشائع أنّه في هكذا مواضع لا ظهور للحقائق ولا خبر عنها، ولكنّ هذا المورد كان خلاف العادة المتعارفة الشائعة بين الناس.
|
كان علم آصف بن برخيا، {الذي عنده علم من الكتاب}١٧٧، من مولى أهل اليقين، وكان قد ألقى خصوصيّة الزمان حيث وصل إلى جنب أمير المؤمنين عليه السلام بل ووصل إلى التّوحيد وصار واحداً مع علي عليه السلام، وقد ظهر توحيده معه في مقام العلم {علم من الكتاب}١٧٨.
|
مرتبة العلم أسفل من مقامي الوحدة والتّوحيد، وإنْ كان العلم يعطي ظهوراً لتلك الحقيقة حيث لا شخصيّة استقلاليّة له، فإنّ لله عظمة خاصّة ولكنّه لسان الإرتباط مع تلك الحقيقة.
|
آصف بن برخيا كان قد وصل إلى التّوحيد مع أمير المؤمنين عليه السلام، فقال لسليمان {أنا آتيك به قبل أنْ يرتدّ إليك طرفك}١٧٩؛ هنا إرتفعت خصوصيّة الزمان وصار واحداً مع مولاه مولى المتقين، وصار حاضراً وجالساً في قلب أمير المؤمنين عليه السلام.
|
كان أمير المؤمنين روحه ووجوده، ومن هنا آصف بن برخيا لمْ يطو الزمان وحسب، بل طوى المكان كذلك حيث قال لسليمان {أنا آتيك به قبل أنْ يرتدّ إليك طرفك}، فأتى بعرش بلقيس من مُلك سبأ، وقد كان هذا ناتجاً عن التّوحيد الحاصل بينه وبين أمير المؤمنين عليه السلام، وهو التّوحيد الذي طلبه كلّ الأنبياء عليهم السلام.
|
إنّ التّوحيد مع الذات الربوبيّة محالٌ، وأمّا التّوحيد الصحيح، فهو مع الوليّ المطلق الذي أظهره الله لكلّ الوجود حتّى يصيروا واحداً معه.
|
با او يكـى شـد
|
يكى بود يكى نبود
|
وقول الصادق عليه السلام: {شيعتنا خُلقوا من فاضل طينتنا وعُجنوا بماء ولايتنا يحزنون لحزننا ويفرحون لفرحنا}١٨٠ يكشف عن هذا التّوحيد وحقيقته؛ أولئك الذين صاروا مرتبطين معنا لهم سنخيّة معنا، وهذه بسبب الوحدة الحاصلة بيننا وبينهم، ومن هنا يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا.
|
الإمام الحسين عليه السلام أوجد التّوحيد لشيعته أكثر من كلّ الأئمة عليهم السلام أيْ أنّ منشأ التّوحيد في الإمام الحسين أرفع، ولذلك تجدون حتّى شرّاب الخمر من الشيعة محزونين لاطمين على صدورهم يوم عاشوراء، وكذلك أهل المعصيّة من الدرجة الأولى، وهو ناشئ من التوحيد، وهذا يعني أنّ التّوحيد الموجود عند الإمام الحسين عليه السلام أرفع ممّا هو عند الأئمة عليهم السلام في مقام الظّهور.
|
يقول الخواجه الشيرازي:
|
هست آبى كه به خاكى نخرد طوفان را
|
يار ومردان خدا باش كه در كشتى نوح
|
ولذا يقول النبي صلى الله عليه وآله: {مثلُ أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى}١٨١، وهذا يشير إلى التوحيد، وهو نفس {كلمة لا إله إلاّ الله حصني فمن قالها دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي}١٨٢، وهل التّوحيد غير هذا!؟
|
هذا الركوب هو الارتباط والاتصال، وهذا لا يكون إلاّ بالتوحيد، ولا يكون التّوحيد إلاّ به.
|
إنّ أيّ إعتراض على أيّ كلام صادر في هذا العالم ناشئ من الإثنينية، وأمّا التّوحيد فلا يورّث إلاّ من المحبّة.
|
ولكنّ المحبّة ليست درساً يؤخذ في الصف، بل تُقذف في قلب الإنسان، وهي طريق التوحيد؛ ومن هنا تجد الأخبار الآمرة بالمحبّة {من أحبّ علياً}، {من أحبّ الحسن}، و {وهل الدين إلاّ الحبّ}، وذلك أنّ الحبّ هو الذي يورث التوحيد، وهذه المحبّة تظهر كثمرة في آخر الزمان حيث تجد الكلّ يحبون بعضهم البعض.
|
فلننظر ونتأمّل في أنفسنا، هل نحبّ إخواننا وأخواتنا، وهل نحبّ عيالنا، ثمّ هل نحبّ جيراننا وهل نحب الناس؟
|
كلّ من أراد أن يسلك طريق التوحيد، لا سبيل له إلاّ طريق المحبّة.
|
بعد ذلك، نسأل: هل نحبّ الحيوانات؟ هل نحبّ النباتات؟ هل نحبّ الجمادات؟ وهي أنـزل مرتبة من مراتب المحبّة.
|
لا تستخفّوا بأيّ نمط من أنماط المحبّة ومراتبها، فإنّ لأنـزل المراتب شأن وقدر لا يستهان به، بل وحتّى العابد للصنم له شأن في هذا العالم، فقد جعل لنفسه صنماً من الجماد حتّى يرتقي بمحبّته في مراتب عالم المحبّة.
|
به زير کفر ايمانيست پنهان
|
درون هر بتى جانى است پنهان
|
لا بدّ أنْ تتعلم هذا، لا بدّ أنْ تحبّ كلّ هذه الموجودات من أعلاها إلى أسفلها.
|
الحقّ يقال أنّ أرفع عرفان العالم، وهو أرفع من كلّ العرفان الموجود لدى الأقوام، هو عرفان بوذا حيث المحبّة أساسه، ومن ثمّ يُقال عن البوذيين إنّهم عباد الصنم، مع أنّ كلّ هذه الحقائق موجودة فيه.
|
سرّ المحبّة هو أنْ تجعل لنفسك محبوباً في أسفل مرتبة من مراتب هذا الوجود، ولو كان حجراً، ولو كان صورةً، ومن ثمّ ترتقي من محبّته إلى مطلوبك.
|
قال بايزيد البسطامي: (وأنا من هيبته لمْ أستطع أنْ أتكلّم إلاّ جواباً، ثمّ إلتفت إليّ وقال: يا أبا يزيد كأنّك عرفت صاحب البيت)؛ هنا لم يقل (إنّك)، ولو قال (إنّك) فإنّ سيره يكون ناقصاً، وأمّا قوله (كأنّك)، فبمعنى أنّ طريق السير والمعرفة طويل ولا يمكن أنْ يتمّ، فلذلك قال له {كأنّك عرفت صاحب البيت}.
|
(قلت: نعم يا سيدي)، طوبى له حيث قال أمام متخصّص فن التّوحيد نعم عرفت صاحب البيت.
|
فقال: {فأذنَ إليك في التوجّه إلى بيته}، فقلت: (لا يا سيّدي، وعلمتُ إشارته)، بايزيد كان من أهل الإشارة حيث فهم إشارته.
|
فقلتُ: (أرجعُ حتّى يأذن لي في زيارة بيته)، فقال: {يا أبا يزيد، وكلّ من عرف إنساناً يتهجّم على بيته من غير استئذان ولا استدعاء منه؟ فقلت: لا يا سيدي، وأنا أرجع، قال: {ذاك إليك}، وهذا إشارة إلى أنّ تمام الاختيار يوضع للسّالك والسّائر في هذا الطريق.
|
(فودّعته وانصرفت إلى بسطام وأقبلت إلى أنْ وصلت إلى الشام وأتيت إلى الغوطة ودخلت القريّة فوجدت صاحبي الصبي على كوم التّراب يلعب).
|
ما معنى يلعب؟
|
تلّ التّراب هو كلّ عالم الوجود، وعالم الوجود كاللّعبة بالنّسبة للوليّ المطلق ، ففي نفس المورد الذي يتوجّه كلّ الأولياء والأنبياء نحوه يريدون أنْ يأخذوا رشحة من رشحات أسراره، يكون كلّ عالم الوجود بالنسبة إليه كاللعبة بين يديه، فهو عظيم بقدرٍ يصغر في عينيه كلّ ما يكبر في عين غيره، فكلّ عالم الوجود بالنسبة للوليّ المطلق لعبة بين يديه وكذا الجنّة والنّار لعبة بين يديه.
|
(فسلّمت عليه فرحّب بي وردّ عليّ أحسن من قبل، وآنسني بالكلام أكثر من الأوّل، وهيبته في قلبي أكثر ممّا كانت، ثمّ إلتفت إليّ: {يا أبا يزيد كأنّ صاحب البيت قد أذن لك في زيارتك بيته}، فقلت: نعم، فقال: : {يا مسكين يا وجلان، إذا عرفت صاحب البيت أيّ حاجة لك في الجدار؟}، ماذا تريد أنْ تفعل مع الحجارة إذا عرفت صاحب البيت؟
|
{أصحاب الهمم لا يزالون يتوسّلون بالبيت إلى صاحبه عسى يلحظهم عاطفةً منه بعين عنايته}؛ وأمّا أنت فلست صاحب حاجة فأنت قد علمت صاحب البيت ووصلت إلى المقصد فأين تريد الذهاب؟
|
قد حصلت على الأصل؛ أولئك الذين يطوفون حول البيت لم يعرفوا صاحب البيت، وأمّا أنت فقد عرفت صاحب البيت فأين تذهب؟
|
(فعرفت إشارته وسكتُّ)، فقال لي: {أنت الليلة ضيفي وكنّا بين الظهر والعصر}.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|