الشهود الثالث عشر
|
يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
|
{إنّ أوّل عبادة الله معرفته، وكمال معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصّفات عنه}.
|
إنّ التّوحيد مع الذات محال، فالذات الربوبيّة منـزهةٌ عن أنْ يكون الخلق واحداً معها، ولكنّه لأجل إجراء أمر التّوحيد هذا، أوجد الحقّ تعالى وأظهر أسماء تعيّنيّة تشخصيّة وهي أسماء موجودة في عالم الحسّ واللمس، ولها في عالم الواقع روح وجسم، وفي عالم الحسّ خصائص كخصائص البشر من النوم والذهاب والمجيء وما شابه، وقوله تعالى: {قل إنّما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليّ}١٦٤ يشير إلى هذا المطلب، ولكنّ هذا لا يعني أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو كباقي البشر في كلّ الأبعاد، بل نفس هذه الآيّة تبيّن لأهلها أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم هو موجود غير موجودات عالم الإمكان.
|
عندما يقول تعالى: {قل إنّما أنا بشرٌ مثلكم} فهو بمعنى: يا رسول الله قل لمن لا اتصال له بالتّوحيد مع الذات المقدسة، أيّها الرسل والأنبياء والأولياء والملائكة والموحّدين، يا من تريدون أنْ تصلوا إلى التوحيد، إنْ أردتم أنْ تصلوا إلى التوحيد، فإنّ التّوحيد والوحدة مع الذات المقدسة أمرٌ محال، وليس ممكناً لأيّ موجود في عالم التّوحيد أنْ تكون له معرفة بالذات المقدسة، ولكنّ الله تعالى جعلني خاتم الأنبياء وسمّاني آيّة واسماً، فلا بدّ أنْ تتوحّدوا معي، أيْ لا بدّ أنْ تكونوا في إثر التّوحيد معي والوحدة معي.
|
هو صلى الله عليه وآله وسلّم مع الأنوار لبقيّة المعصومين عليهم السلام طريق التّوحيد ووسيلته، فالتّوحيد هو الصيرورة واحداً مع المبدأ، ولكن حيث أنّ التّوحيد والوحدانيّة مع الذات أمرٌ محال، فلا بدّ أنْ يكون التّوحيد والوحدة مع مبدأ الوجود وهو الحقيقة المحمديّة والعلويّة والفاطميّة والحسنيّة والحسينيّة إلى الحقيقة القائمية، فإنّ التّوحيد الحاصل هو مع هذه الحقائق.
|
{وأصل معرفته توحيده}، التّوحيد هو الصيروة واحداً مع مبدأ الخلق والوحدة معهم، ومبدئ الخلق هو حقيقة الذوات المقدسة للمعصومين عليهم السلام.
|
كلّ يوم في شهر رجب نقرأ بعد كلّ صلاة هذا الدعاء الرّجبي المشهور، لعلّه يحصل لنا في آنٍ ما عنايّة ويحصل لنا فهم وإدراك لعبارات هذا الدعاء الشامخ حيث أنّ كلّ الحقائق مندمجة فيه، ويحصل لنا بالتّالي معرفة هذه الذّوات المقدّسة للأئمّة عليهم السلام.
|
{اللهمّ إنّي أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك المأمونون على سرّك المستبشرون بأمرك الواصفون لقدرتك المعلنون لعظمتك، أسألك بما نطق فيهم من مشيئتك فجعلتهم معادن لكلماتك التي لا اضمحلال لها ولا زوال، لا فرق بينك وبينها}١٦٥، هنا لا فرق بينك وبين هذه المعاني (إلاّ أنّهم)؛ هنا ضمير الهاء (ها) يشير إلى الكلمات والمعاني، وأمّا ضمير (هم) فيشير إلى التشخّص والتعيّن، بمعنى أنّ هذه الكلمات والمعاني تصير (هم) في الخارج والتعين.
|
يقول تعالى: {وإذ قال ربّك للملائكة إنّي جاعل في الأرض خليفة، قالوا أتجعل فيها منْ يفسد فيها ويسفك الدّماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك}١٦٦.
|
هذا الكلام من الملائكة كان قبل التعرف على هذه الذّوات المقدّسة حيث قال تعالى: {وعلّم آدم الأسماء كلّها}١٦٧، فـ(كلّها) هي مثل {لا فرق بينك وبينها}، فهاء الضمير لا ترجع إلى الأشخاص والأعيان بل ترجع إلى الحقائق والمعاني.
|
وأمّا عندما يأتي مقام التشخّص والتعيّن فيقول: {قال أنبؤني بأسماء هؤلاء}١٦٨، حيث يوجد التشخص والتعيّن.
|
وجواب الملائكة {قالوا سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علّمتنا}١٦٩ إشارة إلى أنّ الملك لم يصبح متوحّداً مع هذه الحقائق القدسيّة، ولم تتحقّق له الوحدة معها حتّى يمكنه معرفتها؛ إنّ الملك ليس واحداً مع أمير المؤمنين عليه السلام حتّى يمكنه معرفته.
|
يقول الملكُ لله تعالى إنّنا لم نصل يا إلهي إلى مرتبة التّوحيد مع هذه الذوات المقدسة حتّى يمكن معرفتها، فعندها قالوا {سبحانك لا علم لنا إلاّ ما علمتنا}١٧٠، فنحن فقط لنا علم بالاسم١٧١.
|
وكذلك نحن البشر لا علم لنا إلاّ بهذه الأسماء اللفظيّة من محمّد وعليّ والحسن والحسين، فليس لنا من هذه الحقائق والموجودات إلاّ الالفاظ، وأمّا التّوحيد مع هذه الحقائق فله ضوابط وشرائط لا بدّ أنْ تتحقّق حتّى تتمّ المعرفة بالتوحيد.
|
لا بدّ أنْ يستحصل الكرم في وجودك حتّى تعرف ماهيّة كرم أولئك وتشم رائحته، ولا تقاس هذه الأمور بالمقدار، بل حساب هذه المسائل من طور آخر، فقطرة الماء ليست هي البحر ولكنّها ماء؛ لا بدّ أنْ يكون الإنصاف متحققاً في وجودك حتّى تفهم كيفيّة الإنصاف لديهم، ولا بدّ أنْ تدرك اللطف والعنايّة بالخلق ولو بقطرة من لطف وعنايّة أولئك؛ فمن كلّ هذه الصّفات الحميدة والأخلاق الفاضلة التي تستحصل من بحر الصّفات الحميدة والأخلاق الفاضلة تتحصّل الأخلاق الإلهيّة في وجود الإنسان ، وهكذا يحصل التوحيد.
|
إنْ كان المعيار في معرفة اللفظ، فإنّ الملك كان عالماً بهذه الألفاظ وأزيد، ولكن لم يحصل له التّوحيد مع هذه الحقائق.
|
عندما تقول {يا علي} فهو قول صحيح، ولكن لا بدّ أنْ يحصل التشخّص والتعيّن مع حقيقة قولك هذا، ونفس هذا القول يحصّل التّوحيد والإتّحاد والإرتباط، ولكن لا بدّ أنْ تكثر من قول {يا علي} حتّى يحصل هذا التّوحيد في وجودك مع تلك الوجودات المقدّسة.
|
في باب شرح حال با يزيد البسطامي (رحمة الله عليه) ذُكرت ملاقاته مع الإمام محمّد الجواد عليه السلام حيث كان له إتصال معه (صلوات الله عليه).
|
وهذا الرجل لم يكن معلوماً لولا أنّ الإمام الجواد عليه السلام أشعل فتيلة ضوئه في هذا العالم فعُرف منه ما عُرف، وما هو مستور أكبر.
|
كنيته أبو يزيد، إسمه طيفور، وكان اسم جدّه آدم ولقبه شاذان.
|
قال طيفور بن عيسى بن آدم سروشان المعروف بأبي يزيد البسطامي، وكان في سفره إلى الحجّ:
|
(خرجت من مدينة بسطام في بعض السنين قاصداً زيارة البيت الحرام في غير وقت الحجّ)١٧٢، هذا البسطامي أوصى، في وصيّته، أنْ لا يدفن عند رأس أولاد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بل طلب أنْ يُدفن تحت أقدامهم، ولوْ لم يكن طيفور لائقاً لهذا الأمر، لما أعطاه الجواد عليه السلام هذه العنايّة الخاصة كما سوف يتبيّن.
|
يقول:
|
(فمررت بالشّام إلى أنْ وصلت إلى دمشق، فلمّا كنتُ بالغوطة مررت بقريّة من قراها فرأيت في تلك القريّة تلّ تراب وعليه صبيّ رباعيّ السّن يلعب بالتراب فقلت في نفسي هذا صبي، إنْ سلّمت عليه لم يعرف السّلام وإنْ تركت السّلام أخللتُ بالواجب)، ههنا جذبة وفيها حالتان، تارة أنّ السالك من جهة لا يقدر أنْ يتقّدم نحو الوليّ لوجود إشكال ما من نفسه، ومن جهة أخرى يتعرّض لجذبة قويّة تتجلّى- لكونه في المجال الشرعيّ- حيث يقول (أخللت بالواجب)، فلوْ لمْ أسلّم عليه لأخللت بواجبي الشّرعي.
|
(فأجمعت على أنْ أسلّم عليه)، ففي النّهايّة غلبت عليه جذبة العشق؛ إنّ صدق الطّلب الذي كان في وجوده هو الذي أدّى لغلبة العشق هذه، فعندما غلبت جذبة العشق هذه سلّم عليه.
|
ههنا رموز وإشارات لا يمكن للإنسان أنْ يعلم ما هي.
|
أقسمُ بحقيقة الولايّة أنّ بعضهم وصل إلى الحقّ بسلام واحد على الوليّ وإنْ لم يعرفه، حيث سلّم على شخص كان قد عبر بجنبه فصلح كلّ أمره من هذا السّلام، واللطيف أنّه لم يفهم ما هو السبب الذي أشعل فتيلة وجوده حتّى آخر عمره، ولهذا لا ينبغي أنْ تتركوا السّلام بل وينبغي أنْ تتسابقوا إليه لعلّ عملكم يصلح وشأنكم يستوي، ولا تقولوا إنّ هذا سيّءٌ أو حسنٌ، وهذا كبير أو صغير.
|
هذا قانون عام؛ فلا الإمام الجواد عليه السلام يحتاج إلى المريدين، ولا الشارع يريد هذا الأمر لخصوص نفسه، إنّما يريد الشّارع أنْ يصلح شأنك أنت وأمرك أنت.
|
يقول البسطامي إنّي سلمت عليه فسلّمت عليه فرفع رأسه وقال: {والذي رفع السّماء وبسط الأرض لولا ما أمر الله به من ردّ السّلام لما رددت عليك}، والسبب أنّه عرضت عليك شبهة وتردّدت بين أنْ تسلم أو لا تسلم.
|
{إستصغرت أمري واستحقرتني لصغر سنّي! عليك السّلام ورحمة الله وبركاته}؛ هذه هي حقيقة الجذبة حيث أنّهم يضعون السالك في موضع لا يتصور معه أنّه يمكن أنْ يتحرّك ويصل إلى المطلوب، وهذا ما فعله الإمام الحسين عليه السلام، فقد قال لكلّ أصحابه أنْ يذهبوا ولا يبقوا معه.
|
وهذا الإبعاد هو الذي يحصّل الشّوق الأكبر والطّلب للحضور في المحضر، فعندما يزداد الشوق يأتي الجواب: {وعليك السّلام ورحمة الله وبركاته وتحيّاته ورضوانه}.
|
الجواد عليه السلام أعطى بايزيد البسطامي خمس مواهب أحدها السلام والأخرى الرحمة والثالثة البركات، ومن ثمّ التحيات وبعدها الرضوان، ولا يحتاج إلى أعظم من هذا.
|
ثمّ قال: {صدق الله وإذا حيّيتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها وسكت}، حيث طلب أنْ يكون له ارتباط مع فاطمة الزهراء سلام الله عليها، وأنت لا بدّ أنْ تطلب أن يكون ارتباطك أكثر إحكاماً معها (سلام الله عليها).
|
في الآيّة يوجد {أو ردّوها}، ولكنّ الإمام عليه السلام لمْ يقل هذه العبارة {أو ردّوها} باعتبار أنّ المقصّر هو الذي يردّها، فذاك الذي لم يصل إلى أيّة مرتبة كماليّة يردها كما هي، وأمّا نحن أهل بيت العصمة والطّهارة فلا يمكن أنْ نردّها كما هي.
|
يقول البسطامي: (فعلمت أنّه من الأقطاب المؤيّدين)، وقد عبّر بايزيد البسطامي باصطلاحاته الخاصّة الموجودة لدى أهل السّلوك، ولم يقل: فعلمت أنّه من الحجج الطّاهرين أو من الأئمّة الطّاهرين، لأنّ التربيّة العرفانيّة كانت في ذهنه فاستعمل اصطلاحاته الخاصة به.
|
(فقلت يا سيدي أستغفر الله وأتوب إليه) من تقصيري في معرفتكم ومن العمل الذي بدر منّي في هذا المجال.
|
فقال وعيناه تهملان: {وهو الذي يقبل التّوبة من عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون}١٧٣.
|
ثمّ قال لي: {يا أبا يزيد مرحباً بك، ما أقدمك إلى الشام من مدينتك بسطام)، إلتفتوا إلى معرفته التّامّة بكلّ تفاصيل هويّته الشّخصية.
|
فقلت يا سيّدي أقصد زيارة البيت، قال {أيّ بيت؟} قلت: بيت الله الحرام فقال: {نعم القصد وسكت ثمّ رفع رأسه إليّ وقال: يا أبا يزيد عرفت صاحب البيت؟}؛ هنا يأتي كلام أمير المؤمنين عليه السلام وأصل معرفته توحيده؛ من هنا يريد الإمام عليه السلام أنْ يقول له كن واحداً معنا.
|
(فعلمت إشارته)؛ أنا، من باطني، علمت ماذا يريد، فهو يريد أنْ يقول لي هل وصلت إلى التوحيد؟ هل أصبحت معنا واحداً؟
|
(وما يريد، فقلت: لا، فقال: {هل رأيت أحداً يتوجّه إلى بيت أحد لا يعرفه} ، فقلت: لا سيّدي، وأنا أرجع إلى مدينتي حتّى أعرف صاحب البيت، {قال: ذاك إليك}، هذا الأمر يرجع إليك، إنْ شئت الذهاب أو الرجوع.
|
الإمام الصادق عليه السلام يقول لبعض لأحد أصحابه: {يا زهري، ما أكثر الضجيج وأقل الحجيج}، ثمّ قال: {من حجّ ووالى موالينا، وهجر معادينا، ووطن نفسه على طاعتنا، ثمّ حضر هذا الموقف مسلماً إلى الحجر الأسود ما قلده الله من أماناتنا، ووفيّاً لما لزمه من عهودنا، فذلك هو الحّاج، والباقون هم من قد رأيتهم يا زهري. يا زهري: حدثني أبي، عن جدّي رسول الله صلى الله عليه وآله، أنّه قال: ليس الحاج المنافقين المعادين لمحمّد وعلي ومحبيهما صلوات الله عليهما، الموالين لشانئهما وإنّما الحاجّ المؤمنون المخلصون الموالون لمحمّد وعلي صلوات الله عليهما ومحبيهما، المعادون لشانئهما، إن هؤلاء المؤمنين الموالين لنا المعادين لأعدائنا لتسطع أنوارهم في عرصات القيامة على قدر موالاتهم لنا}١٧٤.
|
(فودّعته ورجعت من ساعتي وعملت الخلوة حتّى عرفت الله تعالى)، لماذا؟ لأنّه في كلّ تلك السنة كان يفكّر في كلام الإمام الجواد عليه السلام، فهذا الفكر في كلام الإمام عليه السلام جعل له إتحاداً معه، فوصل مع الإمام الجواد عليه السلام إلى التوحيد في الباطن حتّى صار واحداً معه.
|
(ثمّ خرجت ومضيت إلى أنْ وصلت الشام، ووصلت الغوطة فوجدت الصبي على كوم التّراب على الحالة التي فارقته عليها).
|
مضت سنة ولكنّ الزمان لم يُطو، فالزّمان هو نفس الزّمان، أيْ أنّ نفس الحالة بقيت ولم يقطع بايزيد البسطامي الزّمان، لم تمض سنة ولكن طوي العام، ونحن كذلك وكلّ هذا العالم كذلك.
|
نحن نتخيّل أنّ هذه السنوات الطّوال تمّر وتمّر، مع أنّه لا مكان للزمان في هذه الأمور فلا سنة ولا زمان ولا مكان ولا ديار، فليس لله وقت ولا مكان.
|
(فسلّمت عليه فرحّب بي وردّ عليّ السلام أحسن من الأوّل وجلست وآنسني بالكلام.)
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|