الشهود الثاني عشر
|
يقول أمير المؤمنين عليه السلام:
|
{إنّ أوّل عبادة الله معرفته وكمال معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصّفات عنه}.
|
وصل بنا الكلام إلى حيث قال المولى عليه السلام في هذه الخطبة النورانيّة إنّ أعظم العبادة هي المعرفة، وأصل المعرفة هو التّوحيد ونظام التّوحيد نفي الصّفات عنه.
|
معرفة الرب مبتنيّة على معرفة النفس، ولكنّ معرفة النفس ليست بهذه السهولة.
|
يُنقل عن الكبار من أهل المعرفة أنّهم قطعوا مراتب النفس ووضعوا أقدامهم في مراتب العرفان، وللملاّ جلال الدين البلخي كلام في هذا المورد حيث يقول أنّه أدرك معرفة النفس، وعندما حان وقت التخلص والتحرر من شرّها قطعوا منها الرأس حيث تجلّت بشكلّ الحية؛ يقول أنّه عندما قتلوها بقطع رأسها، ظهر من موضع رأسها المقطوع ألف رأس آخر؛ صحيح أنّهم قطعوا الرأس الواحد، ولكنّ موضعه صار موضعاً لألف رأس.
|
ثم أنّهم عندما صاروا يقطعون كلّ رأس من تلك الرؤوس التي خرجت من ذاك الموضع، صار يخرج من كلّ موضع مقطوع آلاف الرّؤوس الأخرى.
|
إنّ النفس ليست منحصرة بهذه النفوس التي ذكرناها من النفس الواحدة والنفس المطمئنة والنفس الملهمة والنفس اللوّامة والنفس الأمّارة، بل لها مراتب لا حدّ لها ولا عدّ.
|
ولهم في هذه الموارد أمثلة كثيرة يضربونها.
|
عندما يرد السالك في عالم السلوك قد يجد أنّ المعاشرة مضرّة له، فيترك معاشرة الأصدقاء والذهاب والمجيء وما شاكلّ ذلك من الأمور التي قد تكون مانعاً له وحائلاً دون الوصول إلى المقصد، فينتخب عندها الانـزواء والعزلة، ولكنّه سرعان ما يجد أنّ الموانع قد تضاعفت في العزلة والانـزواء آلاف المرّات بل ملايين المرّات عمّا كانت عليه في المعاشرة.
|
في المعاشرة كان يمكنه أنْ يعالج بعض موانع السلوك بحيث يسأل بعض أهل الخبرة في هذا المجال، ولكنّه في حالة الانـزواء لنْ يجد من يرجع إليه في هذه التفاصيل، فيكتشف أنّ الانـزواء يبعده عن المقصد، فيأتي إلى الاجتماع حيث ينتخب المعاشرة الاجتماعيّة اللائقة والمناسبة لحاله، ولكنّه يجد من ناحيّة أخرى أنّ المعاشرة أسوء حال له بحيث أنّه حين العزلة كان له رأس واحد وقد ضرب هذا الرأس بنفس العزلة، ولكنّه في حال المعاشرة مع ألف شخص قد جعل له ألف رأس بحيث كان كلّ واحد من هؤلاء الأفراد بمثابة رؤوس أفاعي لغوايته وإبعاده عن المقصد، وهو قوله تعالى: {ألهكم التّكاثر}١٤٠.
|
القرآن لسان الوجود، فهو لسان ما نراه وما لا نراه، وقد جُمع كلّ الوجود في هذا القرآن {لا رطب ولا يابس إلاّ في كتاب مبين}١٤١.
|
هذا التكاثر إنّما يكون بسبب كثرة طلب الاجتماع والرّغبة فيه، أيْ إنّ الإنسان طلب الكثرة والتكاثر، وقد أدّى هذا الطلب للكثرة لانصباب البلاءات على رأسه بحيث لمْ يعد يقوى على مواجهتها خصوصاً في حالة العبادة حيث تقوى عليه الخيالات النابعة من كثرة الاجتماع وغيرها من الكثرات.
|
عندما تشرع في الصلاة تجد أنّ كلّ موانع الطريق تأتيك في الصلاة، وكذا الحال حين تؤدي فريضة الحج حيث تنصب عليك كلّ البلاءات، فتسأل: هل تنجس ثوب الإحرام أم لم يتنجس؟ هل بطل طوافي أم لم يبطل؟ وهكذا؛ الإنسان يكون سريع الغضب ولكنّ غضبه قدْ لا يظهر إلاّ في الحجّ حيث تختلط الأمور عليه فيفقد قدرة التحمل فيصدر منه كلّ ما يصدر.
|
يقول تعالى: {ألهكم التكاثر، حتّى زرتم المقابر}١٤٢.
|
هذا الأمر بزيارة القبور إنّما هو تمرين وترويض لإدراك الزيارة الواقعيّة لأهل القبور، وأهل القبور هم الذين ماتوا في هذه الدنيا، والميّت هو الذي لا تصيبه أيّ نازلة ولا يتأثر بأيّ مصيبة وهؤلاء هم الموحّدون في هذا العالم.
|
كلّ ما يجري في عالم الوجود ويحدث إنّما هو بيد المبدأ، ولوْ أنّ شخصاً قال آخ، فهو لم يصل إلى التّوحيد ولم يدرك معناه أصلاً.
|
مفيض التّوحيد في عالم الوجود الإمام الحسين عليه السلام، في يوم عاشوراء ضحك ضحكاً عالياً في وجه قاتله؛ ولكن هل تعلمون معنى وحقيقة هذه الضحكة؟
|
إلهي رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك؛ إنّ الله شاء أنْ يراك قتيلاً.
|
يا أهل التوحيد، لوْ أنّكم ضُربتم ضربةً واحدة من الضربات التي تلقاها الإمام عليه السلام هل أمكنكم أنْ تتكلموا بما تكلمه الإمام الحسين عليه السلام حيث رفع يده إلى السماء وشكر الله.
|
لم يكن الإمام الحسين عليه السلام وحده بهذا النحو من الأداء، بل كلّ من كان معه في ساحة عاشوراء كان له نفس هذا التوجه، وكانت لهم هذه العين فشاهدوا التّوحيد بها.
|
ولكن لو أنّ مشيئة الله تعلقت برؤيّة الحسين عليه السلام مقتولاً، فما بال النسوة والأطفال؟١٤٣.
|
ولكنّ الخطاب الإلهي قد أتى: {إنّ الله عزّ وجلّ شاء أنْ يراك مقتولاً، ملطخاً بدمائك، مختضباً شيبك بدمائك، مذبوحاً من قفاك، وقد شاء أن يرى حرمك سبايا على أقتاب المطايا}١٤٤.
|
زينب سلام الله عليها عقيلة العرب، وهذا اللقب الخاص بها مرتبط بقول المولى أمير المؤمنين عليه السلام: {وبالعقول تعقتد معرفته}، فهي (سلام الله عليها) صاحبة هذا المقام.
|
عندما قال ذاك اللعين (عليه لعائن الأزل والأبد) لها سلام الله عليها: (كيف رأيت صنع الله بأخيك وأهل بيتك)، أجابت زينب سلام الله عليها: {ما رأيتُ إلاّ جميلاً}١٤٥.
|
ولكن هلْ يمكنك أنت أنْ ترى هذا الجميل؟
|
تلك العين التي رأت هذا الجميل هي عين إلهيّة متّصلة بالمبدأ، ومن هنا كانت تقول: {ما رأيت إلاّ جميلاً}.
|
إنّ أمر الله بزيارة المقابر {حتّى زرتم المقابر}١٤٦ إنّما هو لتزوروا أولئك الأموات الذين لمْ يقولوا كلمة آخ في حياتهم.
|
إبراهيم عليه السلام، أوّل موحد في العالم، عندما رماه النّمرود في المنجنيق لمْ تصدر منه كلمة آخ، وعندما تلقّاه جبرائيل في الهواء قال له: هل لك من حاجة؟ فقال: {أمّا إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل}١٤٧.
|
وكم من الأنبياء عليهم السلام الذين ابتلوا بكافة الابتلاءات والذين إنّما حضروا إلى هذا العالم لأجل الابتلاء، ولكنّهم لم ينطقوا بكلمة اعتراض أو مخالفة على إرادة الله التكوينية، ولكن نسأل:
|
لماذا ما زلنا نتألّم ونعترض على ما يجري علينا في هذا العالم؟
|
لأنّنا لم نصل حتّى الآن إلى مقام {حتّى زرتم المقابر}.
|
إنّ كلّ آثار أقدام الموحّدين هي من مصداق {حتّى زرتم المقابر}، كما أنّ الكعبة من مصاديق {حتّى زرتم المقابر}؛ وقبر الشخص هو مكانه المخفي، وهذا يعني أنّ قبر الإنسان هو باطنه المخفي عن أعين الناظرين.
|
يقول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: {موتوا قبل أن تموتوا}١٤٨، وهو لازم لمعرفة النفس، وكلّ من مات بالموت الإرادي تحصل له معرفة النفس.
|
رسول الله خاتم الأنبياء محمّد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم كان قد عرّف أمير المؤمنين عليه السلام بكلمة لمْ يستطع أحدٌ من الأنبياء ولا الأوصياء ولا أيّ فيلسوف أو عارف أو فقيه أنْ يبيّنها في حقّه كما نطق بها (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقد كان يعرّف أمير المؤمنين عليه السلام بأنّه الفتى ولا فتى سواه في هذا العالم وهو قوله (صلّى الله عليه وآله): {لا فتى إلاّ عليّ}، وهو نفس نداء جبرائيل ونداء الملائكة ما بين السماء والأرض: {لا فتى إلاّ علي ولا سيف إلاّ ذو الفقار}١٤٩.
|
روي عن النبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم: {من أراد أنْ ينظر إلى ميّت يمشي على وجه الأرض، فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب}، وهو الذي لم يظهر منه أيّ اعتراض في حياته، فإنّ الميت لا يتأثّر بأيّ شيء على الإطلاق لأنّه صار متّصلاً بالمبدأ وصار واحداً معه، فصار علمه علم المبدأ وفعله فعل الحقّ تعالى، وهذه هي حقيقة الفتوّة.
|
{فأنى تُصرفون}١٥٠، {فأين تذهبون}١٥١، {ألهكم التكاثر}١٥٢، كلّها آيات تشير إلى هذه الكثرة الإجتماعيّة، وهذه الكثرة بدليل القرآن {أكثرهم لا يعقلون}١٥٣.
|
كلّ تلك الأدلّة والإثباتات من الدرجة الأولى حول المسائل المتعددة التي نعيش بها ومعها قد حصّلناها من الأكثرية، ولو أنّ شخصاً، من هذا العالم، أتى وقال أنْ لا شغل لي بالأكثريّة بل لديّ دليل خاص وبرهان شخصي على مسألة ما، يأتي الاتهام له بلا تردد أنّك من نفس هذا الخلق فكيف يكون لك شيء آخر غير هؤلاء الخلق؟ ويُزاد في اتّهامه أنّ لديه مشكلة نفسيّة وهي أنّ نفسه لا تخضع وإنّما يقول ما يقول اتباعاً لنفسه، وأنّ لديه رغبة في الخروج عن بوتقة الناس والمجتمع.
|
التفتوا إنّ المخالفين لما هو سائد في المجتمع على نحوين، النحو الأول من الناس شخص لمْ يصل إلى نقطة الوحدة ولم يحصل له توحيد مع المبدأ ومع ذلك يقول أنا، وهو مصداق قول فرعون: {أنا ربّكم الأعلى}١٥٤، حيث ادّعى العلم بكلّ شيء والسلطنة على كلّ شيء، وهو غير من يقول أنّي وصلت إلى المبدأ وصار لي اتصال مع الحقّ تعالى ولا تُلزمني الكثرة بأيّ نمط من الأنماط.
|
في كلّ وقت تحررتَ من هذا الوادي وصرت متصلاً بالمبدأ، فعندذلك يمكن أنْ تدّعي قول لا إله إلاّ أنا، لا إله إلاّ أنت، لا إله إلا هو، لا إله إلاّ الله.
|
قوله تعالى: {ألهكم التكاثر}١٥٥ يبيّن أنّ الإختلاف إلى الكثرة والضوضاء، كلّه يؤدي بك إلى الباطل والضلال، إلاّ أنْ ترى قدم موحّد من الطبقة الأولى وتسجد تحت أثر قدمه حتّى ترى الآثار الوجوديّة لأمير المؤمنين عليه السلام وهو قوله تعالى: {حتّى زرتم المقابر}١٥٦.
|
|
المقبرة هي المكان المخفي، ومن هنا لا بدّ أنْ ترى أين خُفي أمير المؤمنين عليه السلام؟
|
وصف الأموات في القرآن يجعل لنا ربطاً واتصالاً بالمبدأ؛ قصّة أصحاب الكهف هي على نفس هذا النحو، فقد كانوا فتيّة {إنّهم فتيّة آمنوا بربهم وزدناهم هدى}١٥٧، والفتوة هي نفس المعنى الذي تبيّن.
|
وقد وصف الله تعالى إبراهيمَ عليه السلام بوصف الفتى حيث قال تعالى:
|
{قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم}١٥٨.
|
ومن هنا عندما كسر الأصنام سأل الناس عنه {قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنّه لمن الظّالمين، قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم}١٥٩.
|
إنّ إبراهيم كسر كلّ هذه الأصنام، ولكنّه كسر أولاً صنم نفسه.
|
وقد تحصلت هذه الفتوة لإبراهيم عليه السلام من خلال اتّصاله بأمير المؤمنين عليه السلام حيث كان من شيعته {وإنّ من شيعته لإبراهيم}١٦٠.
|
نفس هذه الهاء المتّصلة تشير إلى تلك النفس الموجودة والكامنة في كلّ الحقائق، وهي الوجود المقدّس لأمير المؤمنين عليه السلام الذي نال كلّ مراتب الموت والفناء وهو قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: {من أراد أنْ ينظر إلى ميّت يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى علي بن أبي طالب}.
|
إبراهيم عليه السلام كان في إثر تلك الحقيقة التي لا زمان ولا مكان لها ولا حدّ، ولها الأوليّة ولها الآخريّة، يقول الإمام الصادق عليه السلام: {نحن الأوّلون ونحن الآخرون}١٦١، وليس لهذه الأوليّة والآخريّة قبل ولا بعد أصلاً.
|
كلّ من أراد أنْ يرتبط بهذه الحقيقة لا بدّ أنْ يكون في إثر أقدام هذا الموجود المخفي في عالم الوجود، وهي المقبرة {حتّى زرتم المقابر}١٦٢.
|
لا بّد تعرف الموضع الذي يعطي رائحة أمير المؤمنين عليه السلام ولابدّ أنْ تزروه عند ذلك الموضع، ومن هنا ورد {من زار زائرنا كمن زارنا}.
|
أيّها الإنسان، سوف تبقى مبتلى بالتّكاثر حتّى تزور المقابر، وهي الأماكن المخفيّة حيث تكمن وراءها الحقيقة.
|
أصحاب الكهف كانوا من هذه الزّمرة، فما كان لديهم كان من إبراهيم عليه السلام وما كان عند إبراهيم عليه السلام كان من أمير المؤمنين عليه السلام.
|
أصحاب المقابر١٦٣ كانوا مخفيّين، ولأنّهم كانوا موحّدين فقد رفعوا الأيدي عن نفس وجوداتهم ومن ثمّ رفعوا اليد عن كلّ الوجود، واللطيف أنّ ارتباطهم القويّ مع الحقّ تعالى جعل كلبهم النّجس العين يُحسب في زمرتهم وصار له كلّ هذا الإعتبار لأنّهم بأنفسهم قد تخلصوا من براثن هذا العالم، فصار كلّ من يرتبط بهم له اعتبار وإنْ كان كلباً.
|
بل الحجر الذي وضع إبراهيم عليه السلام قدمه عليه صار له اعتبار وقد أوجب الله على الناس أنْ يصلّوا خلفه وحرّم عليهم أنْ يتجاوزوه، وهو مقام إبراهيم عليه السلام.
|
لو أنّ شخصاً صار رهن باب أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام تصبح له الطّهارة، وإنْ كان ملّوثاً.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|