التوحيد الشهودي
سماحة العارف الكامل السيد أحمد الموسوي النجفي



أنا الأول والآخر
والظاهر والباطن
وأنا بكل شيىء عليم.

أمير المؤمنين
 علي
 بن أبي طالب
 عليه السلام

الشهود الحادي عشر
يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

{إنّ أوّل عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده نفي الصّفات عنه لشهادة العقول أنّ كلّ صفة وموصوف مخلوق وشهادة كلّ مخلوق أنّ له خالقاً ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كلّ صفة وموصوف بالاقتران وشهادة الاقتران بالحدث وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من حدثه}.

وصلنا في بيان التّوحيد بالاستفادة من هذه الخطبة النورانيّة لمولى الموحّدين، التي لا يدرك معناها إلاّ صاحب الولايّة الكليّة، إلى هذه النقطة، وهي أنّ معرفة النفس إمّا مساويّة مع معرفة الرب أو أنّها مقدمة لها بنحو تكون متصلة بذي المقدمة، ومعنى هذا أنّ معرفة النفس مقدمة لمعرفة الرب بنحو لا يوجد ولا يتصور أيّ انفصال بينهما، فما لم يصل الإنسان إلى مقام معرفة النفس، لا يمكن أنْ يصل إلى مقام معرفة الربّ الذي هو من مقامات التوحيد.

القرآن الكريم يذكر للنفس خواصّاً وآثاراً، ولكن، حيث أنّ ذكرها كاملة يخرجنا عن موضع البحث، نقوم بذكر المقدار اللاّزم المهمّ لهذا البحث.

القرآن الكريم يبيّن النفس الواحدة في أربعة مواضع، حيث يقول عزّ وجلّ: {خلقكم من نفس واحدة}١٢٢، {خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها}١٢٣، {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة}١٢٤، ومن اللطيف أنّ الله تعالى قد ذكر أنّه خلق من هذه النفس الواحدة الزوج ولم يقل إنّه خلق الزّوجة.

يقول تعالى: {وهو خلقكم أوّل مرة وإليه ترجعون}١٢٥؛ هذه الآية مع الآية السابقة تشيران إلى أنّ الرجوع يكون إلى ذات هذه النفس الواحدة التي تمّ الخلق منها.

هنا لاحظوا كلمتي النفس والرّجوع، فهما ترتبطان بما ورد في الزيارة الجامعة: {أنفسكم في النفوس}، و{وإياب الخلق إليكم}، وهو مطابق لقوله تعالى: {إلينا ترجعون}.

هذه النفس المرتبطة بمقام (أنشأكم) و(خلقكم) ولها اسم النفس الواحدة، هل هي الله؟

نستجير بالله، والقول به هو عين الإلحاد.

إنّ مقام الوحدة الذي يبيّنه تعالى في كتابه الكريم إنّما يكشف عن رمز التّوحيد الذي نبحث عنه ونريد إظهاره، وهذه الوحدة إنّما تظهر وتنكشف بالغوص والبحث في خلقة النفس التي ذكرت في القرآن الكريم حيث أنّ معرفتها كاشفة عن معرفة التّوحيد.

توجد رواية، وهي لطيفة، وينقلها المرحوم فتال النيشابوري في روضة الواعظين ونُقلت في مواضع أخرى، ولكن حيث أنّه كان رجلاً ذا شأن من جهة ولايته وتشيّعه وكان قارئ عزاء حسيني، وقد استشهد على يد عبد الرزاق شهاب الاسلام رئيس نيسابور، نذكر هذه الروايّة من كتابه الشّريف، وقد بقي اسم هذا الكتاب وعنوانه متناسباً مع العزاء الحسيني، وإنْ لم يكن في محتواه عزاء.

في ذاك الكتاب ينقل روايّة عن الإمام الصادق عليه السلام:

{إنّ روح الإيمان واحدة خرجت من عند واحد وتتفرّق في أبدان شتّى فعليه ائتلفت وبه تحابّت وستخرج من شتى وترجع عند واحد}١٢٦.

روح الإيمان واحدة ولكنّها تأخذ مكاناً في أبدان متعددة، وهذه الأبدان تشير إلى تلك الروح الواحدة، كما الأشياء الكثيرة التي تأخذ نور هذه الشمس ولا تشير إلى تعدد الشمس وتعدد نورها، فتعدّد قوابل النور لا يوجب تعدد المنوِّر، فالمنوَّر لا يشير إلى تعدد المنوَّر.



نحن متعددون ومتكثرون ولكنّ الحقّ واحد أحدٌ، وقد خلق هذه النفس الواحدة حتّى يمكننا أنْ نرى اللهَ الواحدَ ولولا ذلك لما أمكن لنا رؤيّة هذه الوحدانية.

وكذا روح الإيمان مخلوقة من جانب الواحد حيث ظهرت منه كلّ هذه الأشعة، وعلى هذا المنوال خرج كلّ التعدد الموجود وظهر من هذه النفس الواحدة روح الإيمان الواحد.

ولذلك قال: {أنشأكم من نفس واحدة}١٢٧، فالإنشاء يفيد الرجوع، فإنّ الرجوع متحقق في الإنشاء.

ورد في الزيارة الجامعة المباركة: {وأنفسكم في النفوس}١٢٨، وهو باعتبار الأنوار الأربعة عشر، وإلاّ لو كانت الوحدة التامة ملحوظة ما قيل: {وأنفسكم}، ولقيل: (ونفسكم الطيبة الزكيّة في النفوس)؛ وهذا إشارة إلى رجوع هذه الأنوار الأربعة عشر إلى حقيقة واحدة، أو رجوع الأئمة الإثني عشر إلى نفس تلك الحقيقة، أو رجوع الأنوار الخمسة إلى حقيقة واحدة، أو باعتبار أنا وعلي، فهما نوران يرجعان إلى حقيقة واحدة ونور واحد، فهي حيثيّة واحدة تكشف عن نشأة وجوديّة واحدة، ولكن حيث أنّ البشر لمْ يصلوا إلى هذه الحيثيّة الوجوديّة الوحدانيّة فيقولون: {وأنفسكم في النفوس}١٢٩.

ما زلنا نتكلم في الواحد.!

هذه الأنفس التي لها نفس الحيثيّة الواحدة لها ظهور في كلّ الموجودات، ومن هنا ورد في الزيارة: {ذكركم في الذاكرين وأسماؤكم في الأسماء، وأجسادكم في الأجساد، وأرواحكم في الأرواح وأنفسكم في النفوس، وآثاركم في الآثار، وقبوركم في القبور، فما أحلى أسماءكم وأكرم أنفسكم، وأعظم شأنكم وأجل خطركم وأوفى عهدكم}١٣٠.

هل تتأملون في هذه العبارات الواردة في الزيارة الجامعة عندما تقرأونها؟

بل نقول إنّ هذه العبارات هي لعوام الناس، لأنّ الناس لمْ يخرجوا عن حيثيّة التعدد، فيخبر عن تلك الحقيقة بصيغة الجمع، وإلاّ لا يوجد إلاّ روح واحد ونفس واحدة، فلا بد من نفي هذا التعدد حتّى تظهر هذه الرّوح الواحدة.

{إنّ روح الإيمان واحدة خرجت من عند واحد وتتفرق في أبدان شتّى}١٣١.

باده نوشان وخموشان وخروشان چـند

ما ز ميخـانه عشـقيم گدايانى چـند

عرضـه بندگي بي سـر وسامانى چند١٣٢

اى كه در حضرت او يافته اى بار ببر

يقول (عليه السلام): {إنّ أول عبادة الله معرفته}، وهي عبادة من يقول أنّه وصل إلى معرفة الله تعالى وعشقه.

إنّ حديث العشق كان واحداً، ولكن زمرة الجاهلين أحضروه بينهم فصار بهذا النّحو، متكثراً ملوثاً.

لو كان الحديث في الحقيقة عن مقام الأحديّة وعن مقام الواحدية، فإنّ أيّ حديث يأتي غير هذا الحديث الواحدي الأحدي، فإنّما يأتي من الجهل، وأيّ خبر غير ذاك الخبر يكون من الجهل والبعد باعتبار أنّ المخبر لم يصل ولم يدرك حقيقة الأمر.

توجد أربعة آيات في القرآن تشير إلى أنّ الله قد خلقكم من نفس واحدة، وأنّ المرجع يكون إلى هذه النفس الواحدة.

وما ورد في الزيارة الجامعة {وإياب الخلق إليكم}١٣٣ يشير إلى أنّ الوجود يرجع إليكم أهل البيت عليهم السلام، وهذا يعني أنّه لا بد أنْ ترجع إليهم حتّى تفهم الحقيقة.

وهذا الجمع (إلينا) إنّما يتناسب مع طلاب الصفّ الأوّل الإبتدائي، وأمّا الحقيقة والواقع فهي أنّ الرجوع يكون إليه(هو)، ولا يوجد في ذاك المقام، حيث الوحدة التامة، تعدّد.

عندما نقول {إنا لله وإنا إليه راجعون}١٣٤، فهذا الرجوع وإنْ كان جمعاً، ولكنّه رجوع إلى الواحد، فالتعدّد إنّما يتصور في مقامنا نحن، وأمّا في ذاك المقام فلا تعدّد.

كلّ هذه العبارات (إياب الخلق إليكم وحسابهم عليكم) حيث تذكر فيها النفوس على نحو الجمع، إنّما هي للمبتدئ الذي له مقام عال بالنسبة إلى من لم يطأ الطريق أصلاً، فإنّ إدراك هذا المطلب من المقامات والشؤون العالية، وأمّا بالنسبة إلى الخواصّ من أهل المعرفة فهي من دروس الصفّ الأوّل الابتدائي.

عندما يقال (هو) فهو إشارة إلى فقدان الوصف والرسم والاسم، ففي مرتبة معرفة النفس توجد نفس واحدة لمْ يتم الحديث عنها.

بعد أنْ يطّلع الإنسان على النفس الواحدة التي من طريقها يُعرف الربّ، ومن ثمّ يجد الطريق إلى التوحيد، يصل إلى معرفة النفس الأمّارة.

يقول تعالى نقلاً عن يوسف الصديق: {إنّ النفس لأمّارة بالسوء إلاّ ما رحم ربي}١٣٥.

إنّ إدراك مقام النفس الأمّارة من شوؤن الصديقين، وما لم صديقاً، لا يمكنه أن يدرك ماهيّة النفس الأمّارة بالسوء، ومقامها في وجود الإنسان وشؤونها الخاصة.

ومن هنا تجد أنّ يوسف المتّصف بأعلى مقام الصديقين، وهو النبي الصدّيق العزيز، قال: {وما أبرئ نفسي إنّ النفس لأمّارة بالسوء إلاّ ما رحم ربي}١٣٦.

النفس الأمّارة هي النفس التي ترغب دائماً بالعمل، وليست هي تلك النفس التي ترغب بالذنب فحسب.

لا بدّ أنْ يلتفت الإنسان إلى هذه المسألة الأساسيّة والمهمّة، وقد وصل يوسف إلى الإمارة والسلطنة الظاهريّة التي كانت كاشفة عن تلك السلطنة الباطنيّة لأنّه أدرك هذا المقام وحصّل حقيقة النفس الأمّارة؛ إنّ النفس الامارة هي ذلك المقام الاعتلائي، بنحو أنّ أيّ شخص له هذا المقام يتحقق له السلطان والإمارة.

صاحب النفس الأمّارة يريد دائماً أنْ تكون الإمرة والسلطنة له وأنْ يكون آمراً، ويرغب أنْ يكون هو العامل على الدوام، والآمر على الدوام.

هذه هي النفس الأمّارة!

أينما تجد شخصاً يريد أنْ تظهر آمريّة نفسه فهو صاحب النفس الأمّارة.

هنا لا بدّ للإنسان أنْ يقطع طريق هذه النفس ويستأصل أساسها، ولو أنّ شخصاً كذب مرة واحدة في عمره فهو كاذب، ولو أنّ شخصاً بعد أنْ ارتبط مع الحقّ تعالى في مقام {إنا لله وإنا إليه راجعون} أراد الإمارة والسلطة، ولو لمرة واحدة، فهو صاحب النفس الأمّارة.

إنّ الله خلق الإنسان مع طبائع وأمزجة عجيبة حتّى يعرف النفس الأمّارة، وهذه النفس هي التي يعرفها الصدّيقون.

الآن، لو أنّ إنساناً أراد في عمره أنْ يكون مهندساً أو طبيباً أو أيّ شيء آخر، ولم يحصل على مطلوبه ومبتغاه، فإنّه يلوم نفسه على ما ضيّع من عمره ولمْ يحقق هدفه، وهذه هي النفس اللوامّة.

وأمّا مقام النفس الملهمة، فهو فوق النفس اللوّامة، ومقدمة الحصول على هذا المقام هو حديث الإنسان مع نفسه، فيسألها وتجيب، هل فعلت هذا؟ فتقول: فعلت أو لم أفعل، وهو حديث المؤمنين مع أنفسهم في خلوتهم. هذه هي مقدمة النفس الملهمة.

في مقام {فألهمها فجورها وتقواها}١٣٧، تصل النفس إلى مقام يلهمها الله ما هو حسن وما هو سيء، وقد يوفّق بعض المؤمنين إلى هذا المقام.

ولكنّ الحقّ أنّها ليست مرتبة أو مقاماً بلْ هي مرتبة من مراتب الشرك، ومن هنا لا بدّ من وضع هذه المرتبة جانباً.

إنّ معرفة الربّ تتحصّل حين الوصول إلى مقام النفس المطمئنة وهي قوله تعالى: {يأيّتها النّفْسُ المطمئنّة، إرجعي إلى ربّك راضيّة مرضيّة}١٣٨، وفي هذا المقام يأتي قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: {من عرف نفسه فقد عرف ربّه}.

إنّ صفات النفس كثيرة ومتعددة، وإحصاؤها من نفس القرآن الكريم يأخذ وقتاً طويلاً مثل النفس الرهينة، {كلّ نفس بما كسبت رهينة}١٣٩، والنفس الزكية، والنفس المكتسبة.

ولكن ما يهمّنا في مورد البحث خمسة أقسام:

النفس الواحدة، النفس المطمئنّة، النفس الملهمة، النفس اللوّامة، النفس الأمّارة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.