الشهود العاشر
|
لأجل حصول المعرفة الصحيحة، لا بدّ من تقديم بعض التمهيدات المفيدة لأهلها، ولو لم تقدّم هذه التمهيدات فقد يتعذر تحصيل المعرفة.
|
تعتبر معرفة النفس واحدة من التمهيدات التي لها دخالة كبيرة في مجال المعرفة، بل وتجعل مساويّة لها، وبحصولها تحصل المعرفة.
|
يقول الرّسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: {مَنْ عرف نفسه فقد عرف ربّه}١١٣.
|
في باب معرفة النفس، ما يتحصّل من معرفة النفس هو معرفة الربّ، ولكنّ معرفة الربّ هي الخطوة الأولى في باب المعرفة، فلا بدّ من التّرقي من معرفة الربّ إلى معرفة الله بعد ذلك.
|
أعطى القرآن الكريم شأناً ومقاماً للنفس بقوله:{ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}١١٤، وذلك بعد أنْ أقسم بآياته العظيمة، وقد ذكر تعالى في كتابه المبين مراتب للنفس، وكلّ واحدة من المراتب المذكورة جديرة بالاهتمام والتأمّل فيها.
|
ومن هذه المراتب، النفس الأمّارة والنفس اللوّامة والنفس المطمئنّة، ولسنا بصدد البحث التّفصيلي لمراتب هذه النفس، ولكن نشير إليها وإلى بعض شؤونها بمقدار الضرورة بإذن الله تعالى.
|
النفس المطمئنة هي تلك المرتبة العاليّة من معرفة النفس والتي تنتهي بالإنسان إلى معرفة الربّ وتجعله متصلاً بالحقّ تعالى.
|
يقول تعالى: {يأيّتها النّفس المطمئنة ارجعي إلى ربّك راضيّة مرضيّةً، فادخلي في عبادي وادخلي جنّتي}١١٥؛ وهذه المرتبة من النّفس هي المرتبة الأخيرة من الكمال الإنساني في معرفة الربّ، ولكن قبل هذه المرتبة، توجد مراتب أخرى لا بدّ للسّالك وطالب الكمال أنْ يدركها قبل أنْ يغوص في مجال المعارف الأخرى الأرفع.
|
واحدة من مراتب النفس هي تلك التي يقسم بها الله تعالى: {ونفسٍ وما سوّاها}، حيث يقسم بها وبـ (ما سواها)، وهذه العبارة لها معنيان.
|
(منْ) تستعمل لذوي العقول و(ما) تستعمل لغير ذوي العقول، وقد يتبدّل استعمالها فتستعمل (ما) لذوي العقول و(منْ) لغير ذوي العقول.
|
في قوله تعالى: {ونفسٍ وما سوّاها}، قسم بالنفس وبمسوّي هذه النفس وصانعها، و(ما) هنا مستعملة لذوي العقول، بخلاف الاستعمال الأوليّ، ولكن حتّى لا يخرج استعمال كلمة (ما) عن الأصل والعموم، يكون معنى الآيّة أنّ الله يقسم بالنفس وبشؤونها التي صُنعت وجُعلت فيها، فالقسم هو بتلك النفس وما أودع فيها، ولذا قال: {فألهمها فجورها وتقواها}.
|
الآيّة ههنا تقول إنّ الله هو الذي أعطى وألهم النفس ما فيها من تقوى وفجور، ولو لم يكن الأمر كذلك، فكيف يمكن تصديق الأنبياء عليهم السلام ؟
|
إنّ الأنبياء عليهم السلام جاؤوا وبيّنوا ما هو حسن في وجود الإنسان وما هو سيء، ولكن كيف يمكنك أنْ تعلم أنّ ما قاله الأنبياء صحيح؟ فبأيّ مدرك تصدّق كلامهم؟
|
لا بدّ لك من مدرك تصديقي حتّى تقبل هذه الكلمات وإلاّ لا طريق لك لتصديقهم.
|
إنّ الله تعالى قد وضع في وجود الإنسان نفساً ملهمة حتّى يمكنه أنْ يعرف الحسن من السيء، فإنّ الإنسان بنفسه يعلم الحسن والسيء ببركة هذه النفس.
|
يقول تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره}١١٦، وببركة هذه النفس يخرج الكفر من هذا العالم.
|
حقيقة الكفر هي أنْ يكون للإنسان اطلاعٌ على الحقائق والموازين ومن ثمّ يفعل ما يتعارض مع هذه المعرفة الكامنة الملهمة من قبل الحقّ تعالى، فإنّ الإنسان بهذه الأعمال يضع حجاباً فوق هذه الحقائق، وليس الكفر غير هذا، فالكفر هو أنْ يصل الإنسان إلى معرفة الحسن ثمّ ينكره ويعمل على خلافه.
|
ولذلك في باب إنكار فضائل أهل البيت عليهم السلام، قالوا إنّه يساوي الكفر، والكفر غير الشرك فالكفر مرتبة والشرك مرتبة أخرى، والحجّة تامة على الكافر، لأنّ الحقّ تعالى وضع في النفس الملهمة كلّ ما يلزم الإنسان من موازين القسط والعدل، {فألهمها فجورها وتقواها} ولكنّه ينكرها ولا يقبل بها.
|
إنّ الكافر هو كلّ من يضع حجاباً وراء حقيقة مكشوفة وينكرها، ومن هنا كلّ إنكار لفضائل أهل البيت عليهم السلام هو الكفر، لأنّ فضائلهم (صلوات الله عليهم) من الحقائق الواضحة التي لا يمكن الشكّ فيها.
|
الكافر هو الشخص الذي لم يستفد من هدايّة {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها}١١٧، وهي ما نعبّر عنه بالنفس الملهمة.
|
كلّ الناس يعلمون أنّ الكذب سيّء وأنّ السرقة عمل قبيح، ومع ذلك يرتكبونهما، ومن هنا صارتا في حدّ الكفر.
|
الطريق الوحيد الذي يوصل إلى وادي الحقيقة أنْ يعمل الإنسان بما يقول، ولو عمل بما يقول فسيفتح له باب معرفة النفس ، وأمّا لو قال ما قال ولم يعمل بما قال فهو الكفر، ولوْ عمل فهو الإيمان.
|
لو أنّ الإنسان أحبّ لغيره ما يحبّ لنفسه، وكره لغيره ما يكره لها، سيفتح له باب معرفة النفس المؤدّي إلى معرفة الربّ، ولو أنّ شخصاً كانت له هذه الموازين في حياته الإجتماعيّة فسوف يعيش حياة سالمة وصحيحة.
|
لو أنّ الإنسان أخطأ ثمّ تاب وأحبّ أنْ يُعفى عنه، فلا بدّ أن يعفو كذلك عن نفس الخطأ الذي فعله غيره معه، ولا بدّ أنْ يعذر من أخطأ معه وطلب العذر.
|
أيّها الموالي، هل ترغب بأنْ يسرق أحدٌ من جيبك مالك؟
|
قطعاً لا تحبّ، ولو طبّقت هذه الآيّة {فألهمها فجورها وتقواها}١١٨ على هذا المورد، فلن تقوم بهذا الفعل مع غيرك.
|
كلّ أئمتنا عليهم السلام تكلموا بهذا الكلام بدون استثناء، فلو أنّ شخصاً تكلّم بكلام ما وعمل به، فلن يوجد فساد في هذا العالم، وبالتالي سوف يتمّ الظهور، وهو ظهور الولايّة المطلقة الكليّة.
|
لا تقل سرقوني وآذوني وقد آذيت غيرك بنفس النحو، فلماذا تعترض؟
|
هذه هي معرفة النفس، ولو عمل الإنسان بهذه المعرفة فسوف يصل إلى مرحلة يكون فيها الإنسان مُنّظماً في تمام الخلقة.
|
أنقل حادثة جرت بين المرحوم السيد أحمد ساوجي وناصر الدين شاه، حيث أتى الشّاه للقائه وكان أوّل المغرب، وكان الشاه في ذلك الوقت يذهب لزيارة الكبار ليحافظ على ملكه، وكانت الغرفة التي حضر فيها ناصر الدين شاه مكتظّة بالبعوض، فانـزعج منها وصار يضربها، ولشدّة انـزعاجه منها أراد أنْ ينهض من ذلك المكان حيث لم يكن لائقاً به، فسأل السيّدَ أحمد عن خدمة يريدها منه حتّى يؤديها، فلم يلتفت إليه السيد، فكرّر السؤال مرةً ثانيّة ولكنّ السيد بقي ساكتاً، حتّى ضاق الشاه ذرعاً فطلب الترخّص في الذهاب، فقال له السيد أحمد إنّي أعلم أنّك تريد الذهاب بسبب انـزعاجك من البعوض، ولكن لا بدّ أنْ تعلم أنّي أنا الذي أمرتُ البرغش أنْ يمكث في هذه الغرفة، ثمّ قال له: إنّ من له القدرة على التصرف في الموجودات لا حاجة له بك.
|
ولذلك، واحدة من ألقاب أهل المعرفة التي كانوا يلقّبون بها لقب السّلطان، من قبيل السّلطان إبراهيم الأدهم والسّلطان بايزيد، وهذه السّلطنة بمعنى السّلطنة على النفس.
|
هنا نقول لكم كلمة واحدة إحفظوها حتّى آخر عمركم، كلّ من لمْ يكن سلطان نفسه لنْ يكون سلطان أيّ شيء في هذا العالم على الإطلاق، وهذا هو باب معرفة النفس.
|
كلّ من لم يكن سلطان نفسه، لن يكون سلطان امرأته ولا سلطان أولاده، ولا سلطان صديقه ولا سلطان الملائكة ولا أيّ شيء في هذا العالم، فلا بدّ أنْ يكون الإنسان سلطان نفسه أوّلاً.
|
أنت لا تستطيع أنْ تترك السيجارة وتظن أنّه يمكن أنْ تكون لك حكومة على غيرك؛ فكن سلطاناً أولاً على نفسك، حتّى يظهر السلطان، وهو ظهور اسم الحقّ في النفس.
|
أنت لا تستطيع أنْ تترك كذبة تكذبها، وتريد أنْ تكون لك حكومة على غيرك في مكان ما في هذا العالم. لا، لن يتيسر لك هذا الأمر.
|
إذا لم يكن الإنسان سلطان نفسه، فلن يكون سلطان أيّ شيء في هذا العالم.
|
الكبار الذين لهم سيطرة على هذا العالم ويقال عنهم أنّهم أهل التصرف ولهم حكومة على المحسوس وغير المحسوس هؤلاء كانوا سلاطين أنفسهم؛ {ونفسٍ وما سواها فألهمهما فجورها وتقواها}١١٩.
|
ههنا لطيفة أخرى في المعرفة.!
|
قد يقول قائل إنّي لمْ أنظر في كلّ حياتي إلى مُحرّم، ولكن قد تجده كان قابعاً في غرفته ولا يرى أحداً أصلاً.
|
قد يقول قائلٌ إنّي لمْ أسرق والحال أنّه لمْ يكن تحت يده مالٌ أصلاً حتّى يسرقه، ويقول قائل أنّي لم أغضب في حياتي، والحال أنّه لم يقع في مورد للغضب؛ وهذا من معرفة النفس.
|
أنتم تعلمون قصة ذلك العابد الزاهد الذي كان معتزلاً قومه سنوات طوال، ولكنّه بمجرد أنْ خرج من خلوته ووقع بصره على ساعد إمرأة فُتن بها.
|
قد يصل الإنسان إلى مرحلة يظنّ فيها أنّه قد وصل إلى النّجاة، والحال أنّ الأخطار ما زالت محدقةً به من كلّ جانب.
|
يقول الخواجه حافظ الشيرازي:
|
تا نگوئي که چو واصل شده ام من رستم
|
در ره عشق از آن سوي فنا صد خطرست
|
قد تظن أنّك وصلت وقد تكون وصلت فعلاً إلى مقام الفناء في الله ولكنّ الأمر لمْ ينته بعد.
|
إلهي، لا يمكن الفرار من حكومتك.
|
كلّ الذين وصلوا، كانوا طوال عمرهم يعملون ويكدّون في التخلص من القيود، وفي نهايّة كلّ مرحلة يقطعونها كانوا يجدون أنّ هناك قيوداً في أرجلهم وهي أثقل من كلّ تلك القيود التي تخلّصوا منها، وهذا يجعل السعي شاقاً للوصول إلى المطلوب، ولكن هناك طريق أسرع من كلّ تلك الطرق، ولكنّه بيد الوليّ.
|
علاج النفس الوحيد هو ذو فقار أمير المؤمنين عليه السلام ولا يمكن لأيّ شيء أنْ يعالج النفس غير سيفه (عليه السلام).
|
إنّ خطر النفس كبير وعظيم بنحو لا يمكن معالجته من ذاتها، فكلّ ما يشخصه الإنسان السالك كعلاج لما في باطن نفسه لن يرجع إليه إلاّ ببعد وتقيّد أكبر.
|
قد تجد شخصاً يتكلم بدين الإسلام ويؤثر في القلوب المصغية له، ولكن الواقع أنّ كلّ ما يتكلم به راجع إلى نفسه، فهو يطرح طرحه في الإسلام والدين ويقول إنّي أتحدث نيابة عن الدين، ولكنّ الواقع أنّه يتحدّث عن نفسه.
|
إنّما ينال الإنسان الولاية عندما يُردع ويَخضع، وما لم يخضع الإنسان لوليّ ما، لا يمكن لنفسه أنْ تتربّى وتتزكى، ومن هنا إسمع كلام أبيك فإنّ أباك يحملك إلى وادي الولاية، وتروّض على الخضوع هنا حتّى تكون خاضعاً دائماًَ.
|
مالك الأشتر إنّما بلغ ما بلغ من الرتبة المعنويّة عندما وضع سيفه في غمده، وأمّا عندما كان يضرب بسيفه فقد كان أمر وليّه مخلوطاً بما تريده نفسه، بل وبنفس المقدار الذي كان فيه يضرب بالسيف كان مكان أمير المؤمنين عليه السلام خاليا في وجوده، وأمّا في ذاك الموضع الذي رفع فيه يده عن سيفه١٢٠ قال فيه أمير المؤمنين عليه السلام: {لقد كان لي كما كنت لرسول الله}١٢١، وهذا هو التّوحيد مع الوليّ لا مع الذات الربوبية.
|
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.
|